"قريباً سنصبح الأغلبية": عن الجنرالات، الفزاعات والأشباح

في الأسبوع الذي قام به جنرالات من “معسكر السلام” ببث الرعب في صفوف الجمهور الإسرائيلي من الأغلبية الفلسطينية المحتملة بين البحر والنهر، قامت قوات الأمن باستخدام العنف لتدمير وجود الفلسطينيين من كلا خطي الخط الأخضر
مرزوق الحلبي

 

الأسبوع الماضي في أم الحيران سفكت دماء حقيقية وسلبت حياة ولكن دماء جمهور كامل استبيحت. مرة أخرى أثبت بأن الفلسطينيين في إسرائيل متهمين، لمجرد كونهم مخلوقات تتنفس، بأنهم مخربين محتملين- ودب الرعب بالجميع. قبل أيام من هذه الاحداث علقت يافطات بالعربية في كل أنحاء الدولة لتخويف الجمهور اليهودي من الأغلبية العربية التي تهدد بالقضاء عليه عددياً وربما أكثر من ذلك. بالوقت الحالي، من يتواجد تحت الحصار ومن تهدم بيوته وتشوه صورته هو الفلسطيني من كلا طرفي الخط الأخضر.

ولنفترض بأن نتنياهو وأمثاله أتوا إلى عامي ايالون وجماعة الجنرالات الذين أطلقوا الحملة التي تنادي بالانفصال وتحذر من أغلبية فلسطينية محتملة بالمستقبل بين البحر والنهر تحت شعار “قريباً سنصبح الأغلبية”، وقالوا لهم: “اصدقائنا، أسياد الأمن، فكرنا بهذه الامكانية ولهذا ننوي تذليل السكان الفلسطينيين في الحيز وتنفيذ ترانسفير جدي برعاية الفوضى بالشرق الاوسط، تماماً كما فعل آبائنا بسنوات الأربعين من القرن الماضي”. وقد يضيف هؤلاء: “بحياتكم، هل يشكل مليوني لاجئ أي فرق في موجات اللجوء المتدفقة من كل حد وصوب، من سينتبه إلى ذلك أصلاً؟”. عندها ستتحرك مشاعر الذنب والأخلاق في قلوب الجنرالات وسيطلقون حملة أخرى لمواجهة المشكل الذي وضعه رئيس الحكومة المكار أمامهم، حتى يأتي اليهم نتياهو مرة أخرى ويقول: “قبلت اقتراحكم ولكن بعد خمسين سنة سيكون الفلسطينيين داخل الخط الأخضر أغلبية، ماذا تقترحون اذاً؟”، وسوف يقترحون ويصعب نتنياهو أكثر ويخرج بسيناريو جديد في كل مرة بينما يخرجون هم بحملة أخرى وهكذا دواليك.

نحن، أيها الجنرالات المحبوبين، في منحدر نحو الأبرتهايد الإسرائيلي المعلن. هذا النظام ليس بمثابة تأويل بل انه قيد التنفيذ. بهذة الظروف، كان من الأجدر بكم بأن تفكروا في كيفية محاربة نظام الرعب هذا بدل  التعرض لضحاياه الاوائل وتحويلهم إلى كيس لكمات أو تهديد يجب الدفاع عن النفس أمامه.

بدل طرح بديل أمام المجتمع الإسرائيلي لسياسة نتنياهو والمحاربة عليه بجرأة كما يدعي الجميع بأنهم فعلوا في الحروبات، جماعة ايالون، دلالياً وعملياً، تقوم بالمزاودة عليه من اليمين. بدل زرع بذور الحياة المشتركة وصقل خطاب الثنائية القومية، الثقافية، في الحيز كله بغض النظر عن الحل المرغوب او الممكن، هم ينصبون في أعلى التلال والوعي فزاعة الديموغرافيا لكي يهزموا فزاعات نتنياهو. فزاعة مقابل فزاعة حتى انتهاء مخزون الفزاعات التي لا تستطيع طرد عصفور واحد فكم بالحري- طرد الأشباح.

الجنرالات أرادوا خلق موازنة رعب خاصة بهم مقابل موازنة الرعب التي خلقها اليمين للفلسطينيين عامةً وللعرب الذين “يتدفقون الى صناديق الاقتراع بجماهيرهم” على وجه الخصوص. أرادوا ان يحضروا إلى الحلبة ام كل المخاوف الممكنة: أغلبية فلسطينية في الحيز الممتد بين البحر النهر. ولكن دعونا لا ننسى بأن هذه القوى تركت الفلسطينيين تماماً لرحمة الليكود وأشباهه، فقد أدارت ظهرها للفلسطينيين مواطني إسرائيل في كل مرة اوقع اليمين ضرباته عليهم- كما فعلت الأسبوع الماضي بأم الحيران، كما فعلت قبل أسبوعين في قلنسوة وكما فعلت في موجة الحرائق الأخيرة التي اتهم الفلسطينيين فيها، ليس أكثر ولا أقل. في كل الحالات الشبيهة، هؤلاء الذين يدعون بأنهم يريدون استبدال نتنياهو سكتوا أو اضافوا حججاً “مهذبة” من عندهم حول التهديد الذي يشكله الفلسطينيون. من “الطبيعي” اذاً بأن تؤول هذه التصرفات إلى حملة حقيرة بنفس المستوى. لكن من أرسلوا للقيام بالمهمة كانوا خيرة أبنائنا وملح الأرض، جنرالات وقادة أمن، مصدر فخر لدولة إسرائيل وأذرعها الأمنية المبجلة. أناس أصحاب حقوق كثيرة من الصعب التعامل معهم بإلغاء واستهانة فهم رغم كل شيء يفقهون شيئاً أو اثنين مما يقولون!

الفلسطينيون، بحسب الحملة، ليسوا بشراً يستحقون السلام، التسوية، المفاوضات والمعاملة المنصفة. فبنظر الجنرالات اللطيفين “محبي السلام” هم ليسوا إلا تهديداً وجودياً على اليهود. المقصد من وراء الحملة معروف من خط التفكير الذي يميز “اليسار” الإسرائيلي والذي يرى بأن بإمكان إسرائيل أن تكون ديمقراطية بشرط واحد فقط- بأن تكون الغالبية فيها يهودية بشكل كبير. لهذا، يجب تقسيم البلاد لضمان هذا الحلم. من هنا اشتقت الكثير من الأفكار التي تم تداولها، بطرق ملتوية أكثر أو أقل، في الخطاب الإسرائيلي: تذليل السكان (والقصد السكان الفلسطينيين طبعاً)، تبديل الأراضي، نقل الحدود، الترانسفير والترانسفير الطوعي. كل هذه الأفكار وغيرها من الأفكار المروعة أكثر مشفرة داخل الحملة المذكورة. وكأنهم يقولون ولنعد للمربع الأول للصراع، الديموغرافيا بين البحر والنهر. الجنرالات يشتقون ال”تسوية” من الجانب الديموغرافي وليس من لغة الحقوق للمجموعات القومية، وهم يشرعون بذلك عملياً سياسة اليمين والفرضيات التي توجهه في تعامله مع الفلسطينيين ومع الحيز.

بينما عملت “أفضل الأدمغة” بجهد على الحملة، انتهى اليمين بإسرائيل من احكام قبضته لدرجة أنه ينجح، للأسف الشديد، بتغيير قواعد اللعبة خلال اللعبة، وبتشويش معالم الديمقراطية في طريقه لتحقيق خطته لفرض السيادة الإسرائيلية على البلاد من شمالها إلى جنوبها الذي يتم تهويده بإصرار. نحن، أيها الجنرالات المحبوبين، في منحدر نحو الأبرتهايد الإسرائيلي المعلن. هذا النظام ليس بمثابة تأويل بل انه قيد التنفيذ. بهذة الظروف، كان من الأجدر بكم بأن تفكروا في كيفية محاربة نظام الرعب هذا بدل  التعرض لضحاياه الاوائل وتحويلهم إلى كيس لكمات أو تهديد يجب الدفاع عن النفس أمامه. اذا ما ادعى نتنياهو بأنه ينجح في الدفاع أكثر من أي جنرال آخر، ماذا ستقولون له؟ هل ستحاولون أن تثبتوا بأن هناك، على الرغم من ذلك ومن الجهود التي يبذلها، فلسطينيون ينوون على مآمرة، حصلوا على تعليم، يعرفون كيف يتحدثون إلى العالم بلغته، وينجحون في ادارة مصالح تجارية مزدهرة ولهذا يجب ايقاع ضربات أقوى عليهم!.

مرة أخرى ستضطرون إلى الالتفاف عليه من اليمين كما فعلتم الآن. الحقيقة أقولها لكم في وجوهكم: “اجا تيكحلها عماها”. فكروا في ذلك، على أية أرضية كانت ستقف براجماتيكم العنصرية اذا ما جاء كل الفلسطينيون في الحيز بأحد الأيام إلى الحاخامية وطلبوا بأن يتهودوا؟!.

 قانوني، مستشار استراتيجي، صحفي وكاتب.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.