الفلسطينيون كما لم يظهروا على الشاشة من قبل

لسنوات كثيرة سيطر الاحتلال على السينما الفلسطينية بينما غابت عن الشاشة  مواجهة الفلسطينيين مواطني إسرائيل للقمع الداخلي والخارجي. فيلم ميسلون حمود “بر بحر” يختار في المقابل أن ينظر إلى داخل هذا المجتمع دون أن يضطر إلى اجراء حوار مع المجتمع اليهودي
اسنات طرابلسي

 

“بر بحر” الفيلم الطويل الاول لميسلون حمود هو شهادة تحرر النساء بالمجتمع الفلسطيني في إسرائيل، وهن يؤشرن بهذا إلى تحرر المجتمع بأكمله. على غرار ما يجري في كل العالم بهذه الأيام تماماً، النساء هن رأس الحربة في النضال. هذا تحرر من المجتمع الإسرائيلي الذي سيطر على روايتهن واضطرهن إلى اجراء حوار مستمر معه في الحياة كما في الفن. “بر بحر” اوقف هذا الحوار الذي يجري به لمجرد طبيعة الحياة، عندما لا يسمحون بالتحدث بالعربية في مطبخ المطعم الذي لا بد بأنه يعرض في قائمة طعامه الكبة النية أو المسخن، او بدكان ملابس “الفينتاج”، لكن الفيلم يتعامل مع ذلك كأمر مفروغ منه.

حمود تستعرض حياة الفلسطينيين والفلسطينيات الذين يختارون العيش داخل المجتمع الإسرائيلي بشكل عام وفي تل أبيب بشكل خاص. من خلال ذلك تنكشف الفجوات القائمة بالمجتمع الفلسطيني وربما بشكل عام بين الأهالي وأبنائهم، بين التقاليد وكسرها، بين المقبول وغير المقبول، بطريقة تحطم التصورات والأفكار  المتيبسة.

أكثر شيء مشوق في فيلم حمود هو الطريقة التي تبسط فيها كل هذه التعقيدات من خلال القوالب النمطية نفسها. اختيار النساء الثلاث للأدوار التي قمن بها كان واضحاً جداً لكن الفيلم يتحدى بشكل منهجي كل ما يشكل ويحتوي على الأفكار النمطية حتى نزيل القشور عن أنفسنا سويةً مع البطلات مقابل الواقع الذي يتعاملن معه.

على مدى سنوات، سيطر الاحتلال على فظائعه الكثيرة على السينما الفلسطينية. حياة الفلسطينيون مواطنو إسرائيل، مواجهتهم للاحتلال من الداخل، للقمع الداخلي والخارجي تم اقصائها جميعاً أمام مطلب الساعة.

حمود، مثل أي شخص يأتي من أقلية مقموعة، تعرف المجتمع المهيمن جيداً وتختار بشكل واعي بألا تجري معه حواراً. على الرغم من أن قصة الفيلم مبنية بدرجة كبيرة على حياتها وحياة أصدقائها، منهم العرب ومنهم اليهود، فلا يوجد يهود في الفيلم تقريباً. لا يوجد حوار معهم، لا توجد علاقات، لا توجد محاولة للتماثل او للاحتجاج على غياب التماثل. بل حياة لشابات وشباب فلسطينيين بالمدينة الكبيرة التي يعتبرون فيها أعداءاً حيث يخلقون لأنفسهم فقاعة تدور فيها علاقات عاصفة، غرائزية وشهوانية.

الأمر الأكيد بأن المشاهد الإسرائيلي الذي سمع عن النوادي الليلية في بيروت وحتى في رام الله لا يعرف تلك التي تتواجد تحت بيته. في العرض الذي حضرته في سينما “لف” بتل أبيب، الصدمة والمفاجئة كانت محسوسة خلال الفيلم وبعده. كان هناك صمت في القاعة. تصفيق محسوب ومغادرة هادئة للقاعة. العكس مما جرى في العرض بحيفا وبأنحاء العالم حيث عرض الفيلم من قبل.

أستطيع أن أقول بدرجة كبيرة من الثقة من خلال معرفتي الطويلة للسينما الفلسطينية بأنه لم يجري من قبل بأن ظهر الفلسطينيون بهذه الطريقة على الشاشة في إسرائيل ولا في العالم على حد علمي. على مدى سنوات، سيطر الاحتلال على فظائعه الكثيرة على السينما الفلسطينية. حياة الفلسطينيون مواطنو إسرائيل، مواجهتهم للاحتلال من الداخل، للقمع الداخلي والخارجي تم اقصائها جميعاً أمام مطلب الساعة.

ميسلون حمود- مثلها مثل أبناء جيلها في الطرف الثاني من الخط الأخضر- فهمت بعد سنوات من النضالات ضد الاحتلال، المظاهرات، الاعتقالات، الأفلام، المقالات وغيرها بأن الأمل الذي يرافق ربما كل فنان يطمح إلى تغيير شيء ما من خلال فنه، على اعتبار بأن العالم سيعمل ضد الفظائع عندما يطلع عليها، هذا الأمل قد خاب.

وعليه، في كلا المجتمعين، وهما نفس المجتمع الموزع، بدؤوا يتعاطون أكثر مع شؤون المجتمع نفسه وما تواجهه النساء في إطاره، كما تفعل عبير زيبق حداد في أفلامها مثلاً. قبل سنوات، قالت لي صديقة مخرجة فلسطينية من الضفة: “عندما بدأنا نصنع الأفلام اعتقدنا بأننا سنجعل العالم يرى ماذا يجري هنا حقاً، وعندها ستتغير الأمور. لكنها لم تتغير. الآن علينا أن ننشغل بأنفسنا، بقصص الحب، بالعلاقات وبالأمور الأخرى”. لا يعني ذلك بأن الاحتلال لم يعد مثيراً لكن الادراك بأنه يوجد هنا مجتمع وأناس، بأن أجيالاً تنقضي ولا شيء يتغير بل يصبح أسواً، حث ميسلون حمود، على ما يبدو، لرواية القصة بهذه الطريقة. مع ذلك فالاحتلال الإسرائيلي حاضر بأساسات الفيلم بالطبع ومحسوس في كل لقاء للبطلات الفلسطينيات مع الخارج.

لا يمكن أن نتجاهل بأن شلومي الكبيتس هو من أنتج الفيلم، وهو الذي قام مع اخته (المخرجة والممثلة الراحلة) رونيت الكبيتس، التي يهدى الفيلم لها، أنتج ثلاثية أفلام قامت بعملية شبيهه لقصة الشرقيين عامةً والنساء الشرقيات خاصةً. منذ “وأخذت لنفسك أمرأة” (الفيلم الاول) نلاحظ بأنه لا يوجد حوار بين الشرقيين والأشكنازيين، ولا توجد قصة لشرقيين مساكين يسكنون في شقة اسكان بائسة. إنما قصة داخلية لعائلة شرقية من الطبقة الوسطى وامرأة عليها أن تواجه الفروقات بين ما هو مقبول وما هو ليس مقبولاً، بينما تشتد هذه المواجهة من فيلم إلى فيلم حتى تصل إلى الطلاق المنشود.

الفيلم لا يتطرق تقريباً لهذا الربط بين الشرقي والفلسطيني باستثناء مشهد واحد ربما عندما يحاول المحامي الشرقي مغازلة ليلى، في خضم المفاوضات التي تجري بينهما، لكنها تصد محاولاته لأنها تنظر بشكل عقلاني إلى احتمالات تشكل علاقة غرامية فيما بينهما. الرابط بين الرواية الشرقية والفلسطينية يشكل أحد مراكز الاهتمام في عملي منذ سنوات كثيرة. هذا ما كان في العمل الذي تم بهذا الفيلم في الربط بين ميسلون حمود وشلومي الكبيتس، والذي رغم كونه منتجاً إسرائيلياً عرف كيف يميز الجانب الجديد والنقلة التي يقوم بها فيلم حمود وساعده على أن يأخذ شكله وصورته.

معارضة الفيلم والعواصف التي أثارها تجسد فقط كم نجحت حمود بوضع يدها على نقاط مؤلمة وجروح حان الوقت لمعالجتها بعد أن اقصيت لسنوات لشفاء مجتمع لم يستطع حتى الآن التصرف كمجتمع “طبيعي” لأنه يتواجد في وضع غير طبيعي.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

  1. محمد ربيع

    مقالة ومراجعة لطيفة، ولكن لو تحسنوا لغة الكتابة، شوي صعب الواحد يمشي معها.