نحو مواجهة مدنية

أحداث هدم البيوت تنقل مركز الثقل من مستوى الاقصاء السياسي الموجه بالأساس للقيادة العربية إلى مستوى الميدان الموجه ضد السكان العرب عامةً.  بغياب بدائل استراتيجية أخرى، علينا ان نتوقع انزلاق الأطراف للعنف.
دورون متسا

 

الأقلية العربية تحشر عند الحائط جراء سياسة الحكومة. الأحداث الصعبة في أم الحيران بالنقب التي راح ضحيتها متظاهر عربي وشرطي من قوات الامن وأصيب آخرون، بينهم رئيس “القائمة المشتركة” ايمن عودة، خلال محاولة لفرض قوانين البناء، تنضم إلى أعمال شبيهه- امتنعت عنها سلطات فرض القانون بالسنوات الأخيرة- لهدم بيوت مواطنين عرب ببلدة قلنسوة.

بالسنة الأخيرة أسرعت الحكومة في سياستها لإقصاء العرب من الحيز السياسي والثقافي بإسرائيل. منذ المبادرة لرفع نسبة الحسم بانتخابات الكنيست ال-20 التي هدفت إلى تقليص التمثيل العربي بالكنيست، اتخذت الحكومة سلسة من الخطوات الأخرى بهذا الاتجاه بواسطة استغلال المستوى البرلماني. من ضمن هذه الخطوات نذكر “قانون الاقصاء” و“قانون الأذان” ذلك إلى جانب العمل على اخراج الحركة الإسلامية عن القانون والهجمات السياسية على أعضاء الكنيست من حزب “التجمع”.

العمل على تقليص حضور العرب بالسياسة الإسرائيلية يتم يداً بيد مع صقل الخطاب المعادي للعرب وتجذر ظاهرة العنصرية وسط المجتمع اليهودي. في المقابل، اتخذت الحكومة خطوات تبدو عكسية بنوعيتها لتشجيع اندماج السكان العرب باقتصاد الدولة. أوج هذه كان في قرار الحكومة رقم 922 الذي نص على تخصيص مبالغ لا سابق لها للوسط العربي لتقليص مستويات عدم المساواة الاجتماعية-الاقتصادية بين السكان اليهود والعرب، من ضمن هذه  تقرر تخصيص 3 مليار شيكل للوسط البدوي.

هذه السياسة الحكومية الديالكتيكية للإقصاء السياسي من جهة والاحتواء الاقتصادي من الجهة الأخرى ليست غلطة أو مسألة عشوائية. فهذه السياسة تتماشى مع نمط السياسة التاريخي الذي انتهجته غالبية حكومات إسرائيل تجاه الأقلية العربية. هذا النمط اعتمد على خطوات لإقصاء واحتواء العرب بنفس الوقت خارج وداخل الاطار الإسرائيلي، الأمر الذي عكس، من جهة، عدم الراحة من وجود الأقلية القومية العربية داخل الحيز اليهودي، ومن جهة أخرى، تقبل الواقع الذي يفرض وجود هذه الأقلية والحاجة لإيجاد تسويات تضمن التوازن المطلوب لعمل المنظومة الإسرائيلية.

ואדי עארה
الآلاف يتظاهرون في وادي عارة ضد هدم أم الحيران والعنف الشرطي الذي تسبب بموت يعقوب ابو القيعان (تصوير: ترابط)

 

في السياق الراهن، الخطوات التي اتخذتها الحكومة لتقليص الفجوات الاجتماعية-الاقتصادية اندمجت بالدرجة الاولى مع السياسة الاقتصادية النيوليبرالية التي قادتها الحكومات الأخيرة في إسرائيل، والتي سعت المؤسسة بإطارها إلى التخفيف من عبأ الاواسط المستضعفة مثل الوسط العربي والوسط المتدين الاورثوذكسي على اقتصاد الدولة. ولكن في نفس الوقت سعت المؤسسة بواسطة سياسة الاحتواء الاقتصادي إلى تلطيف المعاني الصعبة لسياسة الاقصاء السياسي، وعملياً إلى عرض مقابل على الوسط العربي، على هيئة راحة اقتصادية، لقاء استعداده للتأقلم مع تقليص تأثيره على تصميم أجندة الدولة وإقصاء قيادته السياسية.

هذه السياسة وضعت القيادة السياسية البراغماتية للأقلية العربية برئاسة “القائمة المشتركة” في معضلة. من جهة، القيادة نظرت إلى الاستعداد الحكومي للاستثمار بالدمج الاقتصادي للمجتمع العربي بإيجاب حتى أنها تعاونت مع الحكومة بدفع قرار 922 إلى الأمام. من جهة أخرى، استصعبت هذه التأقلم مع النزعة المتصاعدة لتقليص حجم مشاركة العرب في الحيز السياسي-البرلماني الإسرائيلي ولم يأتي ذلك فقط لأسباب تتعلق ببقائها السياسي. على هذا الجانب، الخطوة الاستراتيجية التي قادتها “القائمة المشتركة” لتعزيز الاستعداد الحكومي لتشجيع الاندماج الاقتصادي للسكان العرب، والتي اعتمدت على قراءة التغييرات بالخارطة الاجتماعية الإسرائيلية وفي هذا الاطار على الحضور المتسع للخطاب الاجتماعي منذ حراك صيف 2001، واجهت عقبة كبيرة. الوتيرة المتسارعة لعملية الاقصاء السياسية الثقافية التي قادتها الحكومة بالسنة الماضية لم تتسق مع وتيرة الخطة الحكومية للدمج الاقتصادي للسكان العرب التي نفذت بخمول.

وقد كان لهذا الأمر تأثير على الشعبية السياسية لأيمن عودة في الرأي العام العربي. حيث اشارت استطلاعات إلى تراجع نسب الدعم بالشارع العربي لرئيس “القائمة المشتركة”، ومن الممكن تفسير ذلك كتعبير عن عدم الثقة الجماهيرية بقدرته على التعامل مع التحديات التي تضعها السياسة الحكومية أمام الأقلية العربية. في محاولة لمواجهة عملية الاقصاء السياسية وانعكاساتها السياسية، دفعت “القائمة المشتركة” إلى تقديم اقتراح قانون أساس (نوفمبر 2016)، وهو السادس من نوعه الذي يقدم من قبل أعضاء كنيست عرب منذ 2001، للاعتراف بالأقلية العربية كأقلية قومية ومنحها استقلالية بالمجال الثقافي وبإقامة مؤسسات سياسية مستقلة. اقتراح القانون، مع العلم بأن احتمالاته للمرور بالقراءة التمهيدية في الكنيست ضعيفة منذ البداية، لم يتحدى الحكومة بقدر ما عكس ضائقة القيادة العربية أمام ما اعتبرته استغلالً لقوة الأغلبية للمس بحقوق الأقلية.

 منذ اقامة الدولة، مستوى انخراط العرب بأي نوع من العف كان منخفضاً جداً، فالأقلية العربية اختارت بمعظم الأحيان استخدام ادوات الاحتجاج الاجتماعية-المدنية للتعبير عن عدم رضاها عن الوضع القائم او عن السياسة الحكومية.. ولكن يبدو بأن الظروف التي قد تجعل الاطراف تنزلق إلى العنف آخذة بالتشكل.

بهذا المعنى، تقديم اقتراح القانون جاء ليوضح للمستوى السياسي بإسرائيل الثمن الممكن لسياسة الاقصاء، وليلفت نظرهم بأن العرب، بظروف معينة، قد يذوتون قواعد اللعبة التي تفرضها عليهم الحكومة ويسعون إلى استراتيجية يكون معناها الانسلاخ والاحتشاد داخلياً من خلال تقليص نقاط التماس مع المعالم الرسمية الإسرائيلية. إِشارة أخرى على وجود هذه الامكانية كانت مقاطعة أعضاء الكنيست العرب للطقوس الرسمية لجنازة الرئيس بيرس التي لقيت، كما هو متوقع، نقداً شديداً وسط الجمهور اليهودي.

الآن، يبدو بأن الأحداث الصعبة الأخيرة في أم الحيران وقلنسوة تؤدي إلى تفاقم المشاعر الصعبة وسط الأقلية العربية وقيادته السياسية، كما يبدو بأن هذه قد تكون بمثابة مفترق طرق حاسم. ولو أنه من الصعب بأن نحدد منذ الآن إن كان الحديث عن خط سياسة جديد للحكومة التي قررت بمبادرتها اتخاذ خطوات حازمة بموضوع البناء غير المرخص بالوسط العربي أم ربما بسلطات فرض القانون والبيروقراطية الإسرائيلية التي تقرأ “روح القائد” فيما يتعلق بالسياسة المرغوبة تجاه الأقلية العربية وترجمتها العملية على أرض الواقع.

بكلا الحالتين، أحداث هدم البيوت تنقل عملياً مركز ثقل السياسة من مستوى الاقصاء السياسي الموجه بالأساس للقيادة العربية إلى مستوى الميدان الموجه ضد السكان العرب عامةً. هذه تعتبر بالرأي العام العربي، وفق استطلاعات حديثة، كخطوة متعمدة لحكومة إسرائيل ومن يقف برأسها تنبع، من بين أمور أخرى، من العنصرية وسط المجتمع اليهودي تجاه العرب. عدا عن ذلك، فحقيقة تنفيذ نشاطات فرض القانون داخل البلدات العربية- التي تعتبر الحيز الجماهيري الوحيد الذي تتمتع به الأقلية العربية بإسرائيل باستقلالية نسبية- تنعكس بالصورة الخطيرة التي ينظر بها الجمهور العربي إلى هذه الأحداث. وهذه المسألة تحمل أهمية كبيرة لأنها قد تؤشر للقيادة السياسية العربية بأن كافة بدائل العمل أمامها مغلقة.

العنف السياسي كان على مدى سنوات أحد بدائل الاحتجاج التي قللت الأقلية العربية من استخدامها. منذ اقامة الدولة، مستوى انخراط العرب بأي نوع من العف كان منخفضاً جداً، فالأقلية العربية اختارت بمعظم الأحيان استخدام ادوات الاحتجاج الاجتماعية-المدنية للتعبير عن عدم رضاها عن الوضع القائم او عن السياسة الحكومية. ولكن في الوضع القائم من عدم وجود بدائل عمل استراتيجية للأقلية، اضعاف القيادة البراغماتية والكابحة، قوة الاقصاء السياسي ووتيرة الخطوات لإقصاء الأقلية إلى جانب التقدم البطيء بعملية الدمج الاقتصادي، يبدو بأن الظروف التي قد تجعل الاطراف تنزلق إلى العنف آخذة بالتشكل. استطلاع رأي لشركة “ستت-نت” للأبحاث التطبيقية يظهر بأن قرابة النصف من الجمهور العربي تفضل محاربة سياسة هدم البيوت بواسطة المظاهرات غير العنيفة ولكن نسبة غير صغيرة (حوالي الربع) تفضل تصعيد النضال.

هذه المعطيات تشير، من جهة، إلى ميل المجتمع العربي للتصرف ببراغماتية مدنية ولكنها، من جهة أخرى، تدل على أن صبر الجمهور العربي بدأ يفرغ، وبأن هناك توجه متسع من عدم الثقة تجاه المؤسسة الإسرائيلية ومجتمع الأغلبية اليهودي الذي قد يدهور الأطراف، حتى عن غير نية متعمدة، إلى العنف. في الواقع المتشابك للوجود اليهودي-العربي، سيناريو من هذا النوع يحمل في طياته تبعات بعيدة الأثر على طابع المجتمع الإسرائيلي ومن الجدير بأن نلتفت إلى المؤشرات التي تتراكم في سياق هذا التطور.

محاضر بمجال الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني ببرنامج دراسات الشرق الاوسط بكلية “احفا”.  

المزيد:

“من يخشى التصعيد؟”، عبد أبو شحادة. 

“ارفعوا الغمامة عن أعينكم”، عمر عبد القادر. 

“ظلمة في أم الحيران، نور في حيران”، تامي ريكليس ويونيت نعمان. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.