نون النسوة وفوّهة الاعتراف

ضجّت الأصوات وتعالت مطالبة بعقد مؤتمر سريع للإفراج عن نون النسوة.. خاصّة تلك التي تنوب عن الفاعل حين يُبنى للمجهول.. فإذا هنّ قُتِلْنَ.. كيف تتحوّل المفعولات بهنّ إلى نُوّابٍ لذلك الفاعل المتغطرس؟
راوية جرجورة بربارة

 

إبتسمت الموجودات قهراً.. يجمعهن ذلك المكان الذي أطلقن عليه اسم “الربع الخالي”.. يفتح أبوابه مرّة في الأسبوع فيزيّن فراغه بوجودهن.. هارباتٍ من آفات الحياة المكتظة.. يمارسن طقوس الرياضة الفكرية.. يتعلّمن فنّ “اليوغا” لأنّ الاسترخاء يذكّرهن بالانسانة المختبئة خلف الأقنعة.. يغسلن وجوههـن ووجودهـن.. يتأمّلن عمق الذات وفراغ الدنيا بصمت.. فإذا ما انتهين.. تناقشن في أمور الحياة يخفّفن عبئها بالمشاركة والمجاملة وإسداء النصائح..

لكنّ جرأة الحوار اليوم خرجت عن المألوف لأنّهن لعبن لعبة الاعتراف.

تُدار القارورة الفارغة الموجودة على الطّاولة.. والتي تواجه فوّهة الزجاجة.. لا بدّ لها من كشف مكنونات صدرها…

تهتزّ القارورة بملامسةِ “لمياء” لها بلا وعي.. تحدّق في اللاشيء.. وتتفوّه بكلماتٍ لا تلائم غيبتها الظاهرة ..

– نحن لا نموت من واقعٍ فجائيّ اختارنا ليمارسَ عبثيّته علينا.. إنّما يقتلنا، كلّ يوم، واقعٌ اخترناه.. فأخطأنا فأُصِبْنا.. فمتنا ونحن أحياء !!!

وكأنّها بهذه الكلمات قذفت أوّل حجر من البركان.. فاستشاطت القارورة غضباً وترنّحت متوقّفة صوب “أمل”..

– نعيش في عُنجهيّة مجتمع ذكوريّ ورَثَ الوأد من جاهليّة أجداده.. نبحث عن “صعصعة” محيي الموؤودات ليبدّل حزننا بجملٍ أو ناقة.. فلتحيَ ناقة العروبة اللبون التي تدرّ غبناً..

لم تنتظر “بسمة” دورها فالقارورة ما زالت تحتكّ بالطاولة.. تطلق من فوّهتها حِمماً مكبوتةً.. إلاّ أنّ دمعةً تتدحرج على خد “بسمة” بإمكانها أن تخمدَ البراكين..

– ننضح فقراً رغم الغنى الذي يفيض من إناء آبائنا.. رحمة الله على عقلـيّة تحجّرت على أصداف شاطئ اللامعقول.. فتركتْنا نعاني شظف العيش، بعد أنْ أُخرِجنا من دائرة الميراث.. بتنا نتلظّى بنار التخلّي.. نحترق كلّ حين من تخلي أبٍ عنّا.. ومن عصا الإهانات الزوجيّة تضطرم في وجوهنا.. تحرّقنا لأنّ منْ وهبَنا لحمه ودمه.. أعطانا ذلّ الحياة أيضا.. ونظرات نساء غريبات سكنّ أرض أهلنا، تضربنا بسياط هزئها..

فتحت العيون أحداقها والأفواه أشداقها.. و”بسمة” تنازلت عن بسمتها الدامعة ونسيت أن تُدير القارورة..

“أمل”:

– الغنى هو غنى الروح يا عزيزتي، وأنتِ تتدفّقين عطاء رغم فقرك الذي تدّعينه.. لا تنظري إلى النصف الفارغ  في الكأس.. فعملكِ وشهادتكِ هما أحسن ورثة لم ترِثيها.. وحبّكِ للآخرين هو أفضل ما يُمكن أن نتوارثه ..

أنهت “أمل” مواساتها، وتأرجحت  فوّهة القارورة بين “أماني” و”هيام”.. خبّأت “هيام” جسدها يساراً خوفاً من البوح إلاّ أنّ الفوّهة أبت إلاّ أن تحدّق فيها شرهةً بحب الاستطلاع..

“هيام”:

– كتبْنا قدَرَنا بأيدينا.. ظننّا أننا أبطال النهايات السعيدة.. حين طاف الرسيس فوق مُهَجِنا.. خَدَعَنا الغزل الناعم.. تنشّقنا غبار اللقاح في غبوق الجو المغبرّ وأزهرنا.. زَهَوْنا بجمالِ فِتْنتنا وتغاضينا عن حقيقةٍ ساطعةٍ تفتك كالداء الخبيث في خلايا حبّنا، إنّه الشّكُ يفتك بأكبر حبّ .. يخرّقُه.. يقطّعه إربًا ويبعثره في أثير الأحلام الضائعة. أصبحنا لا نرى إلاّ الكوابيس حتى أثناء يقظتنا..

تنهّدت السامعات ألماً.. ولملمت بعضهن جراحاً نازفة.. تأمّلتهن “سميحة”.. أوقفت دوران البركان المتحرّك بحركة يدٍ سريعةٍ.. وقالت:

– الغيرة شيء جميل إذا تزوّدنا منها بدرهم وقاية.. تُنعش الحب والحياة الماثلة للملل.. فتبعث شحناتٍ عاطفيّة تذكّر الواحد بالآخر.. وتبعد الفراغ الموحش عـن صحراء الزوجية.. الذي يحتاج فيما بعد لقنطار علاج ومحبّة حتى ينتعش من جديد.. لكنّها إذا ما جادت أصبحت آفةً.. تُزلزل أعمدة الحياة ..

وزلزلت القارورة تحت أناملها.. فجذَبَتْ العيون الناعسة فوّهة الاعتراف.. فاغترفت من “لحظاء” لحظات من عبوس مؤلم ..

– يريدوننا مرفّهات.. معطّرات نبعث النشـوة في قـلوبهم.. ذكيّات فاهمات قادرات على مجابهة المرار.. فإذا ما صقلنا أنفسنا  وتذوّقنا العلم والأدب.. إذا ما ارتقينا.. بحثوا لهم عن ضحيّة جديدة يتملّكونها ويقارنون آنية سذاجتها بحِكْمتِنا القاتلة.. متعامين عن وهج الحقيقة بأنّ اللبؤة هي التي تصطاد الغزلان للأسود الرابضة في آجامها.. فلا يتذوّق رجلٌ إلا من فتكِ أنثاه. فإذا سمحت لبؤة أن تُقْتَنَصَ غيبتها.. فالويل لملك سيحيى دون رعيّة!!!

تشبيهٌ أثار ضحكاتٍ وغمزاتٍ.. حتى القارورة قهقهت واستقرّت أمام تلك التي تقوقعت على نفسها في الزاوية، كأنّها ما زالت في درس “اليوغا”.. تتأمّل الجميع .. وتتفحّص الاعترافات ..

– تدهشني حقّا تلك اللغة التي خصّصتْنا بنون النسوة، لتميِّزَنا.. مميّزاتٌ نحن صديقاتي بحرفٍ.. بنون تُعتَبَرُ فاعلاً مع كلّ فعل ارتبطت به.. سواء فعلتْهُ أو لم تفعله.. ولغتنا تعبيرٌ عن حياتنا..

ضجّت الأصوات وتعالت مطالبة بعقد مؤتمر سريع للإفراج عن نون النسوة.. خاصّة تلك التي تنوب عن الفاعل حين يُبنى للمجهول.. فإذا هنّ قُتِلْنَ.. كيف تتحوّل المفعولات بهنّ إلى نُوّابٍ لذلك الفاعل المتغطرس؟ كيف تتساوى الشاة بذئبٍ يعوي وينقضّ..؟ احتجّت النسوة.. وقرّرن أن يكثّـفن من لقاءاتهنّ.. أُديرت القارورة دورة عنيفةً.. ضجّ صوت تحطّمها.. واشتعلت الحمم النسويّة.. لملمن فتات الزجاج المكسور.. تجرّحن.. شعرن كحواء الأولى بعد هذه الاعترافات.. فخرجن لا تستر عري واقعهن إلا أوراق التوت!!!

*نشر النص باللغة العبرية بالمجلد الخامس من مجلة “Granta”.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.