"اليهود والعرب يرفضون أن يكونوا أعداءاً": عن الابرتهايد المتنور

بدل رفع الشعارات التي تخلد المساواة الصورية والابرتهايد “المتنور”، يتوجب علينا، نحن اليهود أصحاب الامتيازات، بأن نطمح إلى حل راديكالي يغير نظام الأبرتهايد من أساسه.  
دانيال ربيتسكي

 

تنطلق بين الفينة والأخرى مظاهرات مشتركة عربية-يهودية تنادي بالتعايش وتسعى إلى ترويج فكرة الدولتين. احدى اللافتات البارزة التي ترفع بغالبية هذه المظاهرات تحمل شعار “اليهود والعرب يرفضون أن يكونوا اعداءاً” الذي عادة ما تطلقه الحناجر أيضاً بحماسة. هناك الكثير من عدم الدقة والنشاز في هذه الجملة لدرجة أنها تبدو أحياناً بأنها هي ما يعزز الوضع القائم، على الأبرتهايد والفصل الذي يميزه، ويخلد القمع تجاه الفلسطينيين.

دولة إسرائيل خلقت وقامت كدولة أبرتهايد تخلد الفوقية اليهودية وتمنح حقوق فائضة لليهود على حساب الشعب الفلسطيني الأصلاني. ليس علينا أن نرفض بأن نكون أعداء العرب بل أن نرفض احتلال أرضهم، قمعهم وإعدامهم دون تقديمهم للعدالة. من الأفضل بأن يكون الشعار الذي يرفع على اللافتات: “اليهود والعرب يرفضون العيش تحت نظام أبرتهايد صهيوني”. فما دام النظام الصهيوني مستمر في قمع الشعب الفلسطيني لن يكون لدينا خيار آخر سوى أن نكون ونبقى أعداءاً.

في اللقاءات المؤثرة مثل المظاهرات يجب رفع لافتات تطالب بإسقاط الصهيونية وبتحويل الدولة لدولة كل مواطنيها، متساوية للجميع. الشعار “اليهود والعرب يرفضون أن يكونوا أعداءاً” يشوه الحقيقة أيضاً بعيون الإسرائيليين أنفسهم، هؤلاء الذين يؤمنون حقاً بالمواقف التل أبيبية الرائجة، تلك التي تخلق ليبرالية تموه العنصرية الأشكنازية.

أعتقد بأنه من النبالة بأن يرفع العرب في إسرائيل لافتات التعايش هذه، وبأنهم ما زالوا مستعدين ألا ينظروا الينا كأعداء. لست متأكدة بأنني كنت سأنجح في رفع لافتة كهذة لو كنت عربية في إسرائيل.

هذه العنصرية مبنية بأسس الايديولوجية الصهيونية التي انشأت عليها دولة إسرائيل، وتجعل الناس تؤمن حقاً بالفكرة المبتذلة “للتغيير من الداخل” و”حلم التعايش”- شعارات صهيونية أخرى تشجع الإسرائيليين على مواصلة الانشغال بأجندة يهودية اشكنازية ضيقة وعدم التفكير بالأجندة الفلسطينية-الأصلانية، الشرقية، الأثيوبية وكافة الأقليات التي لا يسمع صوتها.

هل الفلسطينيون مواطنو إسرائيل يريدون أيضاً التغيير من الداخل والتعايش؟ هذا السؤال لا يطرح بتاتاً وسط معسكر السلام. هذا المعسكر يريد انهاء الاحتلال لكي يسكت ضميره وليس من أجل دعم حقوق الفلسطينيين. أي أنهم يريدون التوقف عن الاحتلال ولكن الاستمرار بالقمع. لهذا ففي مظاهرات معسكر السلام وفي خطابه لا يوجد هناك حديث عن ال”BDS”، ذلك المطلب المدني الفلسطيني لمقاطعة إسرائيل. هم لن يدعموا المقاطعة لأنهم غير مستعدين للتنازل عن امتيازاتهم من أجل مصلحة الفلسطينيين. هذا المعسكر يريد العيش بمساواة داخل الأبرتهايد.

المساواة والأبرتهايد لا يمكن أن يتفقا. أتوقع من الناس بأن ترفع لافتات لإسقاط الصهيونية والعنصرية التي تنطوي عليها. كل ما يفعله التزين بكلمات “اليهود والعرب يرفضون أن يكونوا أعداءاً” أو “يهوداً وعرباً معاً” وكأننا متساوين، نحن اليهود والعرب في الدولة اليهودية- بأنه يصادق على الوضع القائم للنظام الهمجي لدولة إسرائيل وعلى هيئة المساواة المزيفة.

أعتقد بأنه من النبالة بأن يرفع العرب في إسرائيل لافتات التعايش هذه، وبأنهم ما زالوا مستعدين ألا ينظروا الينا كأعداء. لست متأكدة بأنني كنت سأنجح في رفع لافتة كهذة لو كنت عربية في إسرائيل. كما قلت، أيضاً هنا كفتي الميزان غير متوازنة. كون الفلسطينيون قادرون على التجول في المستعمرة (هل بالإمكان الاعتراف بأن اسرائيل كلها هي عملياً مستوطنة واحدة كبيرة وليس فقط المناطق التي اعترفت بها الامم المتحدة؟) ورفع لافتات على أرضهم، التي سرقت منهم، تقول بأنهم لا يريدون أن يكونوا أعداء من سرق أرضهم ومن يقمعهم حتى هذا اليوم هو أمر يستحق الكثير من التقدير.

في المقابل، اليهودي الذي يرفع لافتة كهذة يخلد الأبرتهايد “المتنور”. على اليهود في إسرائيل تمييز انماط التفكير الكولونيالية التي زرعت فيهم ضد السكان الفلسطينيين الأصلانيين. تأييد الأبرتهايد المتنور يقود بالضرورة إلى رؤية الدولتين. صرخة الدولتين ليست مطالبة بالمساواة الكاملة إنما املاء على الفلسطينيين- مواليد البلاد- بأن يكتفوا، مرة أخرى، بما يقرره المحتل الكولونيالي من أجلهم. صاحب الامتياز يتمتع بالامتيازات ويستغلها لكي يملي على الشعب الفلسطيني كيف يحيى معه ب”تعايش”.

مظاهرة تل ابيب
مظاهرة مشتركة في تل أبيب في أعقاب هدم البيوت العربية في قلنسوة وأم الحيران، 4.2.2017 (تصوير: امير بيتان)

عدا عن ذلك، فشعار “اليهود والعرب يرفضون أن يكونوا أعداءاً” يخدم الأيديولوجية الصهيونية التي تهدف إلى تحويل اليهودية إلى هوية قومية على الرغم من كونها هوية دينية. الصهيونية خلقت فكرة “الشعب اليهودي” ونجحت في تروجيها بين التجمعات اليهودية التي لوحقت في اوروبا. وضع الكلمات اليهود والعرب جنباً إلى جنب وكأن الحديث عن هويتين متوازيتين فيه تماشي مع روح النظام الصهيوني الذي يحول الهوية الدينية او الاثنية إلى هوية قومية. هذه هي الطريقة التي يقوم بها النظام الصهيوني بتكريس الفوقية ليس فقط اليهودية إنما أيضاً الاشكنازية. هكذا تقمع الأيديولوجية الصهيونية ليس فقط الفلسطينيين بل أيضاً اليهود من الدول العربية (الشرقيين)، اليهود الاثيوبيين وكل من هم ليسوا بيضاً.

أنا أدعم المظاهرات بالطبع والناس التي تخرج إلى الشارع وتحتج ضد النظام، ولكن غالبية المظاهرات في إسرائيل تؤيد تغيير ممثلي الحكم وليس تغيير النظام الصهيوني الكولونيالي والمتلبس بالإبادة الجماعية من أساسه. الصهيونية تمنح لمجموعة واحدة أفضلية على غيرها. مثال على ذلك هو قانون العودة الذي يدعو كل يهودي أياً كان من أي دولة بالعالم لأن يأتي ويستقر هنا ويحصل على جنسية ومساعدة حتى اذا لم تكن له أي صلة بالبلد بينما الفلسطيني، الذي ولد على هذه الأرض، والذي طرد من أرضه في النكبة مثلاً لا يسمح له بزيارتها حتى. بالإضافة الى ذلك، فالصهيونية تضع حق تقرير المصير لليهود فوق حق الفلسطينيين بتقرير المصير بينما تتجاهل وجودهم الفيزيائي او تتسبب بإنهاء وجودهم بالمنطقة الجغرافية لفلسطين الانتدابية او بإنهاء وجودهم بالمرة.

لهذا، اذا ما أردنا تحقيق تغيير عميق، اعتقد بأنه من الممنوع بأن نرضى بحلول الوسط. من واجبنا كيهود، أصحاب امتيازات، في دولة إسرائيل، بأن نطمح إلى حل راديكالي يغير نظام الأبرتهايد من أساسه. ذلك النظام الذي يسعى إلى الاستحواذ على أكبر قدر من الأرض مع أقل قدر من العرب. يتوجب علينا ألا نخلق شعارات تخلد المساواة الصورية وألا نحتفل بعدم اعترافنا بالامتيازات. التغيير الجوهري سيكون فقط عندما نطالب بعقوبات على النظام الهمجي الذي يعمل بإسمنا.

موسيقية، ممثلة وناشطة حقوق انسان.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.