"ثورة التشريع" تنشغل بالعوارض وتتجاهل المرض

لو أن وزيرة العدل وشركاؤها في المبادرة يريدون حقاً تعزيز قوة أعضاء الكنيست وقدرتهم على مراقبة عمل الحكومة فبدل أن يقوموا بتحديد عدد اقتراحات القوانين عليهم أن يغيروا اجراءات عمل اللجنة الوزارية لشؤون التشريع التي ترفض وتمزق اقتراحات القوانين بسرعة خيالية
يوسي دهان

 

قبل عدة أيام نشرت مبادة “ثورة التشريع” التي تقودها وزيرة العدل شاكيد، وزير السياحة لفين ورئيس الكنيست ادلشطاين.الاقتراح يسعى، بحسب أقوال شاكيد، إلى محاربة “مرض” التشريع الذي يتجسد بعمليات التشريع المبالغ بها، وإلى الحد من عدد اقتراحات القوانين التي يستطيع أعضاء الكنيست تقديمها وكذلك عدد اقتراحات القوانين التي تتم مناقشتها في هيئة الكنيست واللجنة الوزارية لشؤون التشريع. الاقتراح يشمل كذلك خطوات تمكن أعضاء الكنيست من مراقبة الحكومة بدرجة أكبر بقليل، من ضمن أمور أخرى، عن طريق قيام لجان الكنيست بمراقبة ميزانيات المكاتب الحكومية، توسيع قائمة أصحاب المناصب الملزمين بالظهور أمام لجان الكنيست، ووجوب اجراء استجواب برلماني للمرشحين للمناصب العليا قبل أن تصادق الحكومة على تعيينهم.

عدد اقتراحات القوانين الفردية التي يتقدم بها أعضاء الكنيست هو بالفعل مبالغ به ولكن يجب عدم الخلط بين العوارض وبين المرض. كثرة الاقتراحات تخدم ربما رغبة أعضاء الكنيست في الحصول على تغطية اعلامية ولكنها تنبع بالأساس من ضعف كبير وشعور بالعجز، خاصة بين أعضاء المعارضة الذين تصد اقتراحاتهم بشكل اوتوماتيكي تقريباً من قبل الائتلاف المخلص للحكومة والقواعد الاجرائية والتمويلية، وكذلك من عدم قدرتهم على انتقاد الحكومة ومراقبة عملها.

شاكيد لا تجد أية مشكلة في نقض هذا المبدأ عندما يكون الحديث عن تخصيص مئات ملايين الشواقل لمصوتيها في المستوطنات، كما أنها لا تجد صعوبة في المس بالديمقراطية وبالحريات المدنية والسياسية عندما يخدم ذلك وجهة نظرها ويمس بمنافسيها السياسيين.

لو أن وزيرة العدل وشركاؤها في المبادرة يريدون حقاً تعزيز قوة أعضاء الكنيست وقدرتهم على مراقبة عمل الحكومة فبدل أن يقوموا بتحديد عدد اقتراحات القوانين عليهم أن يغيروا اجراءات عمل اللجنة الوزارية لشؤون التشريع التي ترفض وتمزق اقتراحات القوانين بسرعة خيالية. مداولات هذه اللجنة المركزية، التي تترأسها شاكيد، تتم بسرية تامة: اللجنة لا تنشر بروتوكولات جلساتها بل فقط قراراتها النهائية، والجمهور وأعضاء الكنيست لا يستطيعون معرفة موقف الوزراء من اقتراحات القوانين المختلفة ولا الاسباب من وراء رفضها أو الموافقة عليها.

الحكومة المعنية بتعزيز الشفافية وبتعزيز قدرة الكنيست على مراقبة عملها ما كانت لترفض مثلاً اقتراح قانون عضو الكنيست ستاف شابير الذي حصل على تأييد 64 عضو كنيست والذي يقترح نشر بروتوكولات مداولات هذه اللجنة.
الترويج ل”ثورة التشريع” من قبل المبادرين لها يصورها على أنها خطوة هامة لتعزيز الديمقراطية وحماية حريات الفرد. لكن علينا أن ننتبه بأن ما يضايق وزيرة العدل حقاً هو ليس العدد الكبير لاقتراحات القوانين إنما حقيقة تحول جزء منها لقوانين بنهاية المطاف خاصة وأن الكثير منها- يجب التنويه- يعنى بحماية الحقوق الاجتماعية للمجموعات المستضعفة ومصالح الطبقة الوسطى.

الاخلاص للتوجه الذي يبسط مصطلح الحرية وفقاً لرؤية الكاتبة ايان راند والاقتصادي اليميني ميلتون فريدمان، تجعل شاكيد تعتقد بأن “المزيد من القوانين معناه التعقيد، الضبط وتقييد حرية الفرد بسلاسل حديدية”. بحسب هذا التوجه، كل محاولة تشريع تهدف إلى ضمان المأوى والصحة للمواطن أو إلى حماية حقوق العامل لا تزيد من حرية المواطنين لأنها تمس بحق الملكية والحرية التعاقدية لأصحاب الامكانيات.

مع ذلك فشاكيد لا تجد أية مشكلة في نقض هذا المبدأ عندما يكون الحديث عن تخصيص مئات ملايين الشواقل لمصوتيها في المستوطنات، كما أنها لا تجد صعوبة في المس بالديمقراطية وبالحريات المدنية والسياسية عندما يخدم ذلك وجهة نظرها ويمس بمنافسيها السياسيين. هذا ما كان مثلاً في “قانون الجمعيات” الذي كانت المبادرة له. هناك الكثير من السخرية أيضاً في كون شريكها في المبادرة الوزير لفين، الذي تشكل محاولة تقويض مكانة محكمة العدل العليا “مصنع حياته”، تجند للثورة وهو يلوح بعلم مبدأ فصل السلطات في النظام الديمقراطي.

بجملة واحدة: هذه المبادرة تشبه من يهتم بتغيير بلاط حوض الاستحمام بينما هو منشغل بهدم أسس البيت.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.