كل الاخفاقات  كلها: 900 يوم على أسر الشاب الأثيوبي أفرا منجيستو

في حي ضائقة واحد بمدينة أشكلون تحيى عائلات احتمالاتها بالحصول على حياة طبيعية هي كاحتمالات حدوث سلام هنا في الغد. قصة الشاب الأثيوبي أفرا منجيستو هي قصة هذه، وقصة المصابين بالأمراض النفسية، وكذلك قصة الاستهتار بحياة طالبي اللجوء
طلاينش يونيت فنتا

 

منذ أن أصبحت ناشطة في النضال من أجل إعادة أفرا منجيستو (شاب أثيوبي يعاني من اضطرابات نفسية اختفت آثاره بعد أن تسلل إلى قطاع غزة عام 2014)، أجد صعوبة في الكتابة، في حكاية القصة. سيأتي اليوم الذي أستطيع به أن أنظر إلى الخلف وأن أحكي كل شيء حتى النهاية. لم أعتقد يوماً بأنني- مع الأدوات التي لا أملكها- سأستطيع أن أعمل، ولو القليل، من أجل إعادة أفرا. كل ما أردته منذ البداية بأن أكون إلى جانب العائلة لمعرفتي بها وبضائقتها وأيضاً لوجود قرابة عائلية بيننا. لمدة تسعة شهور (فرض خلالها أمر حظر نشر على القضية)، شاركتهم في سرهم كما شاركتهم بيئتهم القريبة، الحكومة والإعلام. عرفت وسكتت. لمدة تسعة شهور حاولت أن أفهم معهم ماذا يجري ولماذا لا يتم الحديث عن القضية ولا يسمح لأي من أبناء العائلة بأن ينطق بكلمة. صمت مطلق. مع ذلك كان بإمكاني أن استشعر الألم الشديد بالجو، حتى دون أن يقال أي شيء. اسكات هذه العائلة لمدة سنة تقريباً هو أمر يصعب استيعابه. لا أعرف كيف نجحت في تحمل ذلك وكيف نجحت بذلك عائلة أفرا الذي اعتبره كأخي والذي يمثلني ويمثل الكثيرين في إسٍرائيل.

عندما تم الكشف وأخيراً عن القضية قبل عامين قلت ها قد تفجر الموضوع. كنت على ثقة بأن الجمهور الواسع سيقف إلى جانب العائلة، وبأن منظمات حقوق الانسان ستتجند ومثلها الإعلام الذي انتظر هذا الانفجار بفارغ الصبر. وأخيراً سيكون بالإمكان اطلاق حملة لإعادته. ولكن ذلك لم يحدث، للأسف الشديد فقد استمر الصمت حتى بعد النشر.

משפחת-מנגיסטו
والدي أفراه منجيستو قبيل الوقفة الاحتجاجية التي نظمت بمرور عامين على اسره مقابل بيت رئيس الحكومة، 11.9.2016 (تصوير: تامي ريكلس)

أفرا كبر وترعرع في حي”عتيكوت” بأشكلون، الحي الذي يقع بآخر الطرف الجنوبي للمدينة، حي الظلام فيه أكثر من النور، حي قادمين جدد هجره الأمل منذ زمن طويل. ضائقة الحي وتجاهل وضعه تتضح من النظرة الاولى. وهو الحي الذي اهتمت البلدية بتنظيفه فقط قبل سنتين ابان زيارة رئيس الحكومة. التنظيف الحقيقي في حالة حي “عتيكوت”، كما في بقية الغيتوهات الموزعة بأنحاء البلاد، هو الهدم والبناء من جديد بشكل لائق. زيارة بنيامين نتنياهو هذه جاءت لتهدئة النفوس اثر العنجهية والاستهتار التي أبداها مبعوثه، ليؤور لوطن، تجاه العائلة خلال محادثة مغلقة سجلتها صحافية من القناة العاشرة تواجدت صدفة في المكان.

هذه العائلة النبيلة التي لا أفهم حتى اليوم من أين تستقى قواها. عائلة تشرف كل إنسان، كل ما يعنيها هو عودة ابنها إلى البيت. عائلة لا تفهم لماذا تكون الأمور معقدة هكذا، ولماذا تستخدم حركة حماس ابنها، ابن أناس فقراء، بهذا الشكل المستهتر. عائلة مستعدة لأن تنتظر بصمت تصل صرخته إلى السماء لمدة تسعة شهور كاملة: محصورين، مكبوتين، ومتألمين بدرجات لا يمكن وصفها.

عائلة منجيستو فقدت ابنين آخرين، واحد في أثيوبيا والثاني هنا بالبلاد، ميخائيل رحمه الله. أكثر شاب فرح ومتفائل عرفته بحياتي، تعملنا معاً لسنة واحدة في الثانوية. ميخائيل كان عماد البيت وهو من اهتم بالجميع ووقف إلى جانب اخوته وخاصة أفرا الذي نظر إليه بإعجاب واعتبره مثالاُ يحتذى به. عندما توفي ميخائيل، وجد افرا نفسه وحيداً تقريباً. الانسان الذي كان السند رحل وأخذ معه جزءاً كبيراً من أفرا الذي انغلق على نفسه حتى تدهور وضعه رويداً رويداً.

لم أعتد منذ سنتين، في كل زيارة وفي كل مقابلة، على دموع الأم التي أكن لها الكثير من التقدير. أول ما تسألني عندما أدخل الى بيتها: “هل من جديد؟”، ولو أنه لا يوجد جديد منذ 900 يوم. لا يوجد لدي ما أقدمه لها سوا معانقة كلها أمل. ولكن هذا لا يكفي. أعرف. فهي تجلس في كل مساء منذ 889 يوم وتتنقل بين نشرات الأخبار على أمل بأن ترى صورة ابنها. “صحيح بأنني لا أفهم اللغة ولكن اذا ما رأيت صورته فسأعرف بأنهم يتحدثون عنه، بأنهم لم ينسوه، أرجو بألا ينسوه! هو مريض ولا أعرف إن كانوا يعتنون به، يعطونه الأدوية”، تقول بينما تتساقط دموعها لوحدها.

لا في المجتمع العام ولا في المجتمع الدولي، الذي يستخدم مصطلح “الإنسانية” بشكل مستهتر ومنافق، ولا في المنظمات التي تسمح لها إسرائيل بتقديم المساعدة الانسانية- لم يسمع أي صوت بموضوع افراه الانساني. هذه الحقيقة جعلتني أشكك في هذا المصطلح، وان اتسائل هل يعقل بأن مبادئ الانسانية تسري فقط بحالات معينة؟

اجرنش منجيستو لا تعي تماماً بأن الإعلام تخلى بمعنى معين عن هذه المعركة الهامة، بأن الأمر المركزي من جهته هو الخلفية الطائفية، تلك التي تفرق بين دم ودم، وبأن جثث الجنود أهم من جسم مواطن حي، وبأن من وظيفة الجنود الحماية وبأن جزءاً من المخاطرة في حماية الوطن هو الوقوع في أسر العدو. ربما هذا صحيح ولكن العائلة ما زالت متمسكة بقوة بموقفها الذي يرى بأن الانسانية فوق كل شيء، وبأن ألم الأمهات لا لون له، وبأن المهم بأن يعود الجميع- جنوداً ومواطنين- إلى البيت.

بالإضافة إلى حرب البقاء اليومية لعائلة منجيستو لإدارة حياة “طبيعية”، حيث تخرج الأم المتقدمة بالسن كل يوم في الصباح الباكر للعمل لكي تستمر بإعالة بقية أولادها ومنحهم الدفيء والمحبة بحيث لا ينقصهم أي شيء، فالعائلة تدير مقر للحملة من بيتها في نفس الوقت. عائلة منجيستو لا تملك الموارد والعلاقات المطلوبة لإقامة مقر ولكن استجدائها لبلدية أشكلون لكي تتكرم بالمساعدة وتخصص مبنى لذلك قوبل بالرفض الفظ وعديم الشفقة.

هناك في الجمهور من يعتقد بأن عائلة منجيستو فشلت في الحفاظ على أفرا- ولكن لا فكرة لدى هؤلاء حول حجم الاهمال الذي أبدته السلطات في تعاملها مع أفرا. الأم تضرعت للسلطات لكي تساعدها في التعامل مع الوضع النفسي لإبنها، ولو أنها لم تتقن اللغة حتى. اخوة أفرا الأربعة خدموا بالجيش، وأخت أخرى ما زالت في خضم خدمتها العسكرية. لا أستيطع أن أتصور ماذا يدور في خلدها حول الجسم العسكري الذي تخدم به والذي لم يقم بما فيه الكفاية لكي يحمي أخيها. هم يدعون بأنهم اعتقدوا بأنه “متسلل” وببساطة تركوه يمر. استغرقهم الكثير من الوقت حتى فهموا بأن الحديث عن مواطن إسرائيلي، وكأنه لو كان “أجنبياً” لكان من المبرر بأن يدعوه يكمل طريقه.

لا في المجتمع العام ولا في المجتمع الدولي، الذي يستخدم مصطلح “الإنسانية” بشكل مستهتر ومنافق، ولا في المنظمات التي تسمح لها إسرائيل بتقديم المساعدة الانسانية- لم يسمع أي صوت بقضية افرا الانسانية. هذه الحقيقة جعلتني أشكك في هذا المصطلح، وأن اتسائل هل يعقل بأن مبادئ الانسانية تسري فقط بحالات معينة؟ أين صرخة الصليب الأحمر، أمنستي أطباء لحقوق الانسان؟

צדק-הומניטרי-לאברה-מנגיסטו
“عدل إنساني لأفراه منجيستو”، 11.9.2016 (تصوير: تامي ريكلس)

كل هذه التحديات فقط تعزز ايماني بأهمية هذه المهمة. لم نيأس أبداً في أي مرحلة من المراحل حتى عندما تراكمت العقبات أمامنا. قصة أفرا تحكي القصة الحزينة للمجتمع الإسرائيلي بمجمله، وخاصة قصة المجموعات السكانية الضعيفة في إسرائيل. في حي ضائقة واحد بمدينة أشكلون تحيى عائلات احتمالاتها بالحصول على حياة طبيعية والنمو والنجاح هي كاحتمالات حدوث سلام هنا في الغد. قصة أفرا هي قصة المصابين بالأمراض النفسية في إسرائيل، قصة السهولة التي يتم فيها الاستهتار بحياة اللاجئين وطالبي اللجوء لا سيما وأنهم سمحوا له بمواصلة المشي باتجاه الجدار لمدة 40 دقيقة حتى اكتشفوا بأنه مواطن إسرائيلي، وقصة السهولة التي يتم فيها اجتياز الجدار دون أية مشكلة.

كنت أفضل التفكير بأن سيرة أفراه لا تحكي قصة المجتمع الأثيوبي بإسرائيل ولكن، اخوتي وأخواتي الإسرائيليين، التجارب التي مررت بها والتي أمر بها لا تترك لي هذا الامتياز. في كل يوم أحاول أن اؤمن بغير ذلك وفي كل يوم يدوسون على ايماني. والثمن؟ ما هو الثمن الذي كنتم ستدفعونه مقابل من تحبون؟ وهل من الصحيح بأن نكون أبطالاً على عائلة كهذه في خطاب كهذا؟

انظروا اليهم، يلتفون ويتمسكون بعلم إسرائيل، يلتفون أيضاً بالإحباط والعجز، يحملون على أكتافهم كل اخفاقات المجتمع والدولة. أنا لا أستطيع أن أبقى لا مبالية، فكيف تستطيعون ذلك؟

مديرة مقر الحملة من أجل أفراه منجيستو.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.