جنوب تل أبيب: الحكم يحرض المجموعات المستضعفة ضد بعضها البعض

الإعلام يصف وضعاً تخاف فيه المسنات بجنوب تل أبيب من الخروج إلى الدكان بسبب تعرضهن للمضايقة من قبل اللاجئين الأفارقة ولكن ليست هذه هي الصورة الكاملة فالخوف ليس من نصيب مجموعة واحدة: التهديدات موجهة لكافة المجموعات والجريمة متفشية بجميعها.
عنبال اجوز

 

هذا الأسبوع انتشرت على الفيسبوك مشاركة لحركة “جاء دورنا- العصر الذهبي” (حركة صهيونية-شرقية جديدة)حول الأحياء الجنوبية في تل أبيب  نجحت في اثارة الكثير من ردود الفعل. هذه المرة سكب هؤلاء غضبهم على نشطاء حقوق الانسان الذين يقدمون المساعدة لطالبي اللجوء (الأفارقة)، وعلى رئيس البلدية رون حولدئي. واقع الحياة غير المحتمل في جنوب تل أبيب معروف لنا جميعاً لكن تلك المشاركة (التي نشرت الحركة توضيح بخصوصها بوقت لاحق) استخدمت الخطاب المركب للنضال النسوي-الشرقي من أجل المجموعات المهمشة أياً كانت، وقامت بتسطيحه بينما تغاضت بشكل تام عن الضائقة الصعبة لطالبي اللجوء ومهاجري العمل الذين تم توجيههم لأحياء جنوب تل أبيب من قبل الحكم: حيث يتم اعتبار طالبي اللجوء، او “المتسللين” كما ينعتون في معرض المشاركة، على أنهم المتسببين بالمشكلة وليس ضحايا آخرين لنفس السياسة العنصرية.

النقد بحق اليسار الأبيض الذي يبدي تضامناً من نوع معين مع المجموعات التي تتعرض للقمع ليس بالأمر الجديد. الناشطات والنشطاء في حركتي “القوة للمجتمع” (“كواح لكهيلا”) و”أختي” (“أحوتي”) المنخرطات في النشاط بجنوب تل أبيب استعرضتا منذ سنوات المشاكل التي ينطوي عليها توجه هؤلاء الذين يرسلون ممثلين عنهم ل”إنقاذ” المجموعات صاحبة اللون (“comunities of color”) التعيسة بحسب معاييرهم. في 2013، صدر تقرير تحت عنوان “من يربح من العنصرية والتفرقة الجنسية بالمجتمع المدني” عن حركة “أختي” وبمشاركة جمعية “عروس البحر”. التقرير يتعاطى بتوسع مع هذه الظواهر من وجهة نظر نساء شرقيات، فلسطينيات، أثيوبيات ومتحدثات بالروسية. بيد أن هذا النقد غير كافي لمواجهة الواقع المركب.

بينما يقومون مثلاً بتجديد المتنزه بمئات ملايين الشواقل ويبنون المزيد والمزيد من المراكز الثقافية في تل أبيب البيضاء، يركزون في الساحة الخلفية بجنوب تل أبيب كل المجموعات المستضعفة. في هذه المساحة التي من المفترض بأنها تستوعب 5000 شخص، يعيش اليوم قرابة ال- 40،000 إنسان بكثافة خانقة.

أولاً، مشاركة “جاء دورنا” هذه تتغاضى عن كون الناشطون الذين ينتمون للجانب الايمن من الخارطة السياسية، والذين ارتبطوا بمنظمات عنصرية مثل “لهافا”، يدعون بأنهم يمثلون الصوت “الأصيل” لكافة سكان جنوب تل أبيب. هذه المجموعات تدب الخوف والرعب في الشوارع، وتتصرف بعنف وبهمجية مع أطفال اللاجئين- وأيضاً مع نساء الحي القديمات اللواتي لا يستوين مع السياسة العنصرية. هكذا، بينما يقومون بالإعلام بوصف وضع تخاف فيه النساء المسنات من الخروج إلى الدكان بسبب خوفهن من اللاجئين، ليست هذه هي الصورة الكاملة فالخوف ليس من نصيب مجموعة واحدة: التخويف والتهديدات موجهة لكافة المجموعات والجريمة متفشية بجميعها.

عدا عن ذلك، يجب أن نذكر بأن المجموعات الشرقية بإسرائيل عاشت على مر السنوات بشراكة حقيقية مع وإلى جانب مجموعات مهمشة أخرى، على سبيل المثال في المدن المختلطة للعرب واليهود. في حين يحافظ اليسار الأبيض على غيتوهاته البيضاء بعيداً عن كل هذه المجموعات، ويختار تقديم المساعدة عن بعد وبشكل انتقائي، تحيى مجتمعاتنا سوية وتواجه واقعاً مختلفاً ينطوي على صعوبات ولكن كذلك على الكثير من الاحتواء. جدتي وعائلتها التي أتت من اذربيجان مباشرةً إلى حي “شبيرا”، سكنوا مع عائلة فلسطينية وتشاركوا معها نفس المطبخ ونفس المراحيض، وعاشوا كعائلة واحدة. وهذه واحدة فقط من ضمن الكثير من القصص عن الحياة المشتركة التي جرت هنا بطبيعة الحال.

نفس الشيء يحدث منذ سنوات في جنوب تل أبيب. من استوعب مهاجري العمل ومن بعدهم موجات الهجرة لطالبي اللجوء من أفريقيا- من الكونغو، اريتريا، السودان وكذلك من اوكرانيا وجورجيا- كانوا الشرقيين القدامى الذين يتلقون منذ سنوات الضربات الشديدة على جلدهم. منذ افتتاح المحطة المركزية الجديدة عام 1993- وهي المحطة المركزية الثانية من ناحية حجمها في العالم بعد المحطة الضخمة التي اقيمت في الهند- أصبحت الحياة هنا صعبة بشكل متطرف. فعدا عن تلوث الجو والكارثة البيئية التي جلبها معه مبنى الباطون الضخم، فقد تحولت المنطقة بشكل رسمي لأكبر مركز بالبلاد للتجارة بالنساء، الأمر الذي أدى سريعاً إلى نشوء سياحة دعارة وتدفق رجال من خارج الحي يتجولون في سياراتهم ويحاولون تصيد النساء بالشارع. وكل هذا يجري إلى جانب كارتلات المخدرات المتواجدة في كل زاوية من زوايا حي “نافيه شئنان”.

في سنة 2007 بدأ يدخل إلى إسرائيل لاجئين من اريتريا. بحسب معطيات سلطة الهجرة حتى حزيران 2016، وصل تعداد طالبي اللجوء في إسرائيل 41،477، جزء كبير منهم من اريتريا والسودان والذين وصلوا هرباً من ملاحقة النظام، الحروب الأهلية، العبودية والإبادة الجماعية. المشكلة المركزية خلقت عندما لم تقم إسرائيل على مدى السنوات بأي اجراءات لفحص طلبات اللجوء والمكانة للاجئين الكثر: لهذا، ففي حين تتراوح النسب في العالم بين 60-80 بالمئة، لا تتعدى نسبة الاعتراف باللاجئين في إسرائيل ال-1%، حيث لا يتم فحص الطلبات عملياً ولا توجد أي سياسة بهذا الخصوص. هكذا تستمر حكومة إسرائيل في لعب لعبة مزدوجة والاستفادة منها: من جهة، لا تفحص طلبات اللجوء التي تقدم لها، ومن جهة ثانية، تدعي بأنها لا تستطيع تقديم المساعدة لأناس غير معرفين كلاجئين.

توجيه طالبي اللجوء لجنوب تل أبيب ليس عشوائياً فهو ينضم إلى مجموعة من الخطوات لإهمال الحيز وقمع السكان الذين يسكنون في هذه الأحياء والتي بدأت منذ قيام الدولة. فبينما يقومون مثلاً بتجديد المتنزه بمئات ملايين الشواقل ويبنون المزيد والمزيد من المراكز الثقافية في تل أبيب البيضاء، يركزون في الساحة الخلفية بجنوب تل أبيب كل المجموعات المستضعفة. في هذه المساحة التي من المفترض بأنها تستوعب 5000 شخص، يعيش اليوم قرابة ال- 40،000 إنسان بكثافة خانقة.

תחנה מרכזית2
نشاط مشترك لكل سكان الأحياء: “نسعى إلى توحيد القوى لكي نتغلب على السياسة التي تختار تحريض المجموعات المستضعفة على بعضها البعض”

غياب السياسة فيما يتعلق بطالبي اللجوء بإسرائيل ورميهم في حديقة القوقازيين في “لفينسكي” وفي مجمع المحطة القديمة الذي أصبح منذ سنوات كثيرة مركزاً للتجارة بالنساء والمخدرات، أدى إلى اضعاف هذه المجموعات أكثر لا سيما وأنها تضطر اليوم أيضاً إلى التعامل مع مشاكل المخدرات والجريمة داخل المجتمع. عندما يحشرون عشرات آلاف الناس، غالبيتهم من الرجال، بمنطقة صغيرة يكون اول المتضررين هم النساء، الأولاد والمسنين من مختلف المجموعات التي تعيش هنا. النساء في الحي يقلن، كما ذكر سابقاً، بأنهن يخفن الخروج إلى الشارع بالمساء ويواجهن المضايقات الجنسية اليومية ولكن من المهم بأن نشير بأن الاعتداءات والمضايقات بحق النساء لا تأتي فقط من طرف رجال أفارقة إنما أيضاً من رجال إسرائيليين.

هذه الأيام هي أيام تغيير في الأحياء الجنوبية لتل أبيب: خطط البناء المستقبلية بدأت بإحاطة المنطقة، وحيتان العقارات يقومون بشراء المساحات بأسعار منخفضة بينما بدأت البلدية بالتدخل وبترميم الشوارع. مشاريع لرجال ثقافة من خارج الأحياء تتعلق بمراكز ثقافية مستقبلية تكتب على الورق بدل صقل الثقافات المحلية من داخل الأحياء. ظاهرياً يبدو بأن ذلك يمثل روحاً من التجديد، الأمر الذي أملنا بأن يحدث منذ سنوات كثيرة، ولكن كل هذه المبادرات عملياً تهمش السكان القدامى مرة أخرى وتتم من فوق رؤوسهم. ما حصل في حي “شبازي” الذي تحول لحي “نافيه تسيدك” الراقي سيحصل ويحصل في “نافيه شئنان” حيث تقوم قوى كبيرة بإقصاء المجموعات غير القادرة على التوحد مقابل أصحاب المصالح إلى الهوامش. فقط في هذا الأسبوع قامت دوريات الشرطة ب”تنظيف” منطقة المحطة المركزية القديمة من النساء العاملات بالدعارة، وألقت بهن على قارعة الطريق بمفترق حولون دون أية نية لتأهيلهن. هذه ليست إلا خطوة أخرى باتجاه تهيئة الأرض بمنطقة المحطة القديمة وبكل أنحاء “نافيه شئنان” للبناء الذي يحسن مع أصحاب المال على أنواعهم.

“جاء دورنا” تبنوا لغة الحكم وسلطوا الأضواء باتجاه الضحية وباتجاه المنظمات التي تتواجد هنا بظل غياب السياسة الحكومية، ولكن هناك طريق أخرى. نحن، مواليد الحي والضواحي ومعنا سكان من كافة المجموعات- سواء السكان القدامى أم طالبي اللجوء- نسعى إلى توحيد القوى لكي نتغلب على السياسة التي تختار تحريض المجموعات المستضعفة على بعضها البعض. معاً نحن نعمل على خلق واقع آخر في الأحياء. من ضمن أمور أخرى، نحن ننظم بالسنوات الأخيرة دورات، مشاريع وأنشطة مشتركة لكافة سكان الأحياء. نشاط من هذا النوع يخلق واقعاً من الاحتواء والتضامن ويحسن مع كافة مصالح سكان الحي.

ندعو أعضاء “جاء دورنا” وجميع سكان الأحياء إلى الحضور وإلى اجراء حوار معنا والانضمام لهذا النشاط الهام.

مركزة حراك “القوة للمجتمع”- حراك مدني لناشطات ونشطاء من مواليد الأحياء وسكان الأحياء من كافة المجموعات.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.