السياسة الشرقية في أيام اللبيدية والترامبية

ثلاث مشاركات شرقية تجسد ثلاثة عوالم سياسية
جال ليفي

 

اذاً ما الذي أثار الغضب إلى هذه الدرجة بمشاركة “جاء دورنا” حول “المتسللين” وحي “هكتفا” على الفيسبوك؟ لغتها كانت من وراء غالبية النقد الذي تلقته، وسأعود الى هذه النقطة لاحقاً، ولكن من المهم أولاً بأن نضع هذه مقابل مشاركتين أخرتين: الاولى مشاركة افيجيل بيطون والثانية مشاركة توم مهاجر. توم أعلن بأن النشطاء الشرقيين لن يشاركوا في المظاهرة التضامنية مع متضرري أم الحيران لأن “اليسار لا يتحدث عن الحقوق الفائضة للأشكناز في كل ما يتعلق بالأراضي والسكن”. افيجيل ردت من جهتها وشرحت لماذا قررت بالذات المشاركة في المظاهرة. اختيار هذه الأمثلة الثلاث ليس عشوائياً أو عرضياً ولكنه ليس شخصياً كذلك بل أنه يأتي ليفسح المجال لمناقشة الامكانيات التي تقف أمام السياسة الشرقية في هذه الأيام من اللبيدية (نسبةً الى لبيد) والترامبية (نسبةً إلى ترامب).

نقاشي مع توم بسيط. توم يرى وبحق بأن لهذا الشيء الذي يسمي نفسه يساراً في إسرائيل، أو “اليسار الأبيض” كما يوصف، هناك تاريخ اشكالي من وجهة نظر شرقية. هذا ليس اكتشافاً جديداً بالطبع ولكن من المهم ومن المسموح التحمس له. من المهم أيضاً بأن نتذكره ونذكره بالسياقات المختلفة للصراع السياسي، وبأن نفحص من يعمل انطلاقاً من موقف اشكنازي معادي-للشرقية، وهو الذي يميز ذلك التاريخ، وكذلك من لا يقوم بذلك! ولكن، وهنا الخلاف، هدف اليسار الشرقي (أي من يعي بأنه لا يمكن النضال على المسألة الشرقية ووضع المسألة الفلسطينية جانباً مثل توم) ليس مماحكة اليسار المعادي-للشرقية إنما تغييره أو، الأهم، أخذ مكانه. الاعلان- بإسم كل النشطاء الشرقيين- بأنه أو بأنهم لن يشاركوا بالمظاهرة التي يعترف هو نفسه بأهميتها لأنها “تابعة” لليسار الأبيض يعني بالضبط وضع السياسة الشرقية بمكانة من ينجر لا من يشد.

אביגיל-ביטון
افيجيل بيطون ورائد ابو القيعان في لقاء بأم الحيران

هذه المشاركة حفزت افيجيل بيطون، ناشطة سياسية من ديمونا من متضرري الاسكان الجماهيري، إلى الرد بجملة افتتاحية ليس من قبيل الصدفة بأنها تردد في الأذهان قصيدة عدي كيسار الممتازة: “أنا الشرقية، الأم الوحدانية، المعلمة الفقيرة من الضواحي، من سكان الاسكان الجماهيري ومن قائدات النضال من أجل الاسكان الجماهيري، أنا، ساكنة ديمونا، سأذهب اليوم لمظاهرة يهود وعرب يقفون سوية”. هي لم تقف جانباً بل أخذت ملكية على المظاهرة وعلى الاحتجاج والسياسة التي تقف من ورائه. لم تسأل من سيأتي ومن لن يأتي إنما أعلنت بأن النضال واحد، بأنه يتحد لكي يصبح قوة- مثلما كتبت سبير سلوتسكر عمران وعنبال اجوز رداً على “جاء دورنا”.

ما الذي أثار الغضب اذاً عدا عن عدم الدقة وعن اللغة التي تنم عن عنصرية؟ هذا النقد، كما اتضح في نفس اليوم، كان الأسهل من ناحية الحركة أيضاً لأنهم تراجعوا خلال يومين عن هذه اللغة واعترفوا بغلطتهم، وأيضاً لأنه في النقاش حول من عنصري أكثر من من يتضح دائماً بأن المعقبين الأشكناز عنصريين أكثر(!). لكن ما قيل لم يعكس ما تبقى أيضاً بعد الاعتذار عن الخطأ.

المشاركة وما تبقى منها كانوا بمثابة عرض للأنانية السياسية دون أية شرارة للسياسة الجديدة. المشاركة تبدأ بجملة كل من طور أدنى حس نقدي تجاه السياسيين يتعرف إليها من بعيد: “نقف إلى جانب سكان جنوب تل أبيب”. من نقف؟ أين نقف؟ ما يعني الوقوف إلى جانب السكان بمشاركة على الفيسبوك عدا عن كونه تصريح سياسي فارغ. اذا كان لديكم نشطاء في الجنوب، ما معنى هذا التصريح الموجه كله لتحريض مجموعات محبطة ضد بعضها البعض؟ ما معنى هذا التصريح اذا كنتم تتجاهلون عمل المنظمات الحقوقية (نعم، أعرف بأن هذه تحولت لأصعب شتيمة في القاموس الشرقي الراهن) مع الاولاد والأطفال المحتاجين لأطر وإلا لكانت هناك خطورة حقيقية لموتهم بالحضانات المرتجلة؟ ما معنى هذا التصريح اذا كنتم، بدل البحث عن طرق لإصلاح ما لا تستطيع الجمعيات القيام به، تقومون بتحريض عنصريين مثل شفي باز ضد “الأشكناز الشماليين”؟ (بالإشارة إلى سكان شمال تل أبيب).

مرة أخرى اذاً من الجدير بأن نذكر بما تعنيه السياسة الجديدة من بعد 2011. هذة تعتمد على الاعتراف بخصوصية كل نضال ولكن أيضاً بتوحيد النضالات. هي التعاون بين “Black Lives Matter” وبين الحركة لرفع الحد الأدنى للأجور. هي نضال “Antifa” التي ينشط فيها مسلمون، يهود، مسيحيون وملحدون ضد ما يهدد المجتمع حقاً وليس ضد بعضهم البعض. هذه هي رسالة افيجيل، هذه ليست رسالة “جاء دورنا”. وخسارة بأن هذه هي الحال.

باحث وكاتب بمواضيع المواطنة، الشرقية، التربية والديمقراطية، عضو “القوس الشرقي الديمقراطي” سابقاً. 

المزيد:

“اليهود والعرب يرفضون أن يكونوا أعداءاً: عن الابرتهايد المتنور”، دانيال ربيتسكي.

“لا تعايش بدون عيش: عن الفوارق بين المبادرات الشرقية الجديدة”، عوديد ساسبورطس وايتمار طوبي. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.