العنف وتراجيديا الشباب العرب: من الضحية التالية؟  

عندما كنت صغيراً كان هؤلاء الأصدقاء الأكبر مني الذين قتلوا، فيما بعد كان هؤلاء الأصدقاء بسني واليوم الأصغر مني. بلمحة عين نتحول لعدد آخر، قصة أخرى، حدث آخر يضاف إلى الاحصائيات فلا أحد يكترث حقاً لأمر الشباب العرب- لا السلطات الرسمية ولا النخب العربية!
عبد أبو شحادة

 

أجلس في المسجد، دقائق قبل الصلاة على روح معتز مصري الذي قتل بالأمس في يافا. عشرات الشبان الذين يشبهونني تماماً يحدقون في الفراغ والدموع تملئ عيونهم، يفكرون كيف تحصل مثل هذه الأمور. كيف يحصل بأن أصدقاء تربينا معهم، عملنا معهم، تشاجرنا وضحكنا معهم، لم يعودوا بيننا. فمن غير الممكن حقاً أن نذوت أو نستعد للموت، وأن تكون شاباً في المجتمع العربي يعني، من ضمن أمور أخرى، بألا تنجح في استيعاب الاخبار عن رحيل أحد أصدقائك. هناك أمور لا يستطيع القلب والعقل احتوائها، مثل كيف ينتهي الأمر بشاب عادي تماماً بهذا الوضع. والسؤال التالي هو من التالي؟ حالة معتز، ومثلها حالات أخرى كثيرة، تعرض أمامنا التراجيديا البنيوية التي نحيى بها: بشكل ساخر، معتز مثل قبل عدة سنوات بفيلم “عجمي” وأيضاً على الشاشة تلقى رصاصة. اسأل نفسي- هل هذا هو مصيرنا؟

سيكتبون عنا في الاعلام. محللين لشؤون العرب سيخرجون على الجمهور بساعات الذروة ليشرحوا بكل ثقة عن العنف المنفلت بالمجتمع العربي. بلمحة عين سنتحول لعدد آخر، قصة أخرى، حدث آخر يضاف إلى الاحصائيات. نحن نعرف بأنكم لا تكترثون لنا حقاً. المستوى السياسي منشغل بالديموغرافيا (“عربي واحد أقل”) أما القادة الفلسطينيون فسيصعدون لإلقاء خطابات فقط هم سيفهمونها وفقط هم يريدون سماعها.

كيف نشرح للأولاد بأن معنى أن تكون رجلاً عربياً اليوم هو أن تكون هدفاً سهلاً، الجميع يتهمنا بكل شيء ويذرف دموع التنين عندما يصيبنا مكروه. السلطات الرسمية تنظر الينا كمصدر ازعاج والنخب العربية في يافا ترفض النظر الينا كجزء مترابط من المجتمع..

بالوقت الحالي، هناك من يتوقع من الشرطة- التي لا بد بأنها كانت ستتعرض لمعتز بيوم آخر فقط لكونه شاباً عربياً- بأن تحقق في القتل. لا يوجد أي سبب لتوقع نتائج حقيقية خاصة وأن هذه الشرطة فشلت في جمع السلاح غير القانوني- هذا الذي تعرف عنه ولكنها لا تفعل أي شيء بالموضوع لأنه سيوجه ضد عرب. الشرطيين يلقنون بعقيدة يعتبر الشاب العربي بموجبها المشكلة، وغالبيتهم بكل الأحوال خدموا بوقت ليس ببعيد بالأراضي المحتلة ويستدعون للخدمة الاحتياطية هناك حيث الشاب العربي هو الهدف. أن نتوقع منهم شيئاً آخراً- هذا مطلب منقطع عن الواقع. عدا عن ذلك، ففي في كل مرة تقوم شرطة إسرائيل أو أي مؤسسة أخرى بالمس بنا، يتجند الإعلام ويقوم بكل ما في وسعه لكي يسقط اللوم علينا (تكفي الإشارة هنا إلى حالة يعقوب أبو االقيعان الأخيرة).

هذه انعكاسات عملية نزع الانسانية التي يتعرض لها الرجل العربي. بينما نظرت إلى الشباب في الجنازة، فهمت بأنني أنظر إلى نفسي، ولا أعرف كيف أقول لهم عذراً ولكننا ولدنا في المكان الخطأ للهوية الخطأ: عندما كنت صغيراً كان هؤلاء الأصدقاء الأكبر مني الذين قتلوا، فيما بعد كان هؤلاء الأصدقاء بسني واليوم الأصغر مني، وللأسف الشديد، فعلى ما يبدو، ستضطرون أنتم أيضاً للمرور بهذه التجربة. كيف نشرح للأولاد بأن معنى أن تكون رجلاً عربياً اليوم هو أن تكون هدفاً سهلاً، الجميع يتهمنا بكل شيء ويذرف دموع التنين عندما يصيبنا مكروه. السلطات الرسمية تنظر الينا كمصدر ازعاج والنخب العربية في يافا ترفض النظر الينا كجزء مترابط من المجتمع، وقررت بشكل واعي التقوقع في فقاعتها وعدم ابداء أية شعور بالمسؤولية تجاه البقية واستخدامهم حتى لمصالح اقتصادية انانية وضيقة- فمن لا يريد شباباً عرباً كقوى عاملة رخيصة لا تعرف حقوقها؟!.

نفس هذه النخب، لكي تبرر نفسها، تنتقدنا وتتهمنا بأننا عنيفين، هائجين، نتصرف وكأن العالم لنا. وكأنها لا تدرك بأن العنف، في إطار الواقع الذي فرض علينا، هو الطريق الوحيدة التي نستطيع من خلالها الدفاع عن أنفسنا. في ظل آليات القمع، بقينا لوحدنا في جهاز تربية عنصري ومكسور بينما قصد أولادهم المدارس الخاصة. وبينما يتم فحصنا في كل حاجز ممكن، عندما يأتي اليوم الذي نقرر فيه الزواج وإقامة عائلة سينتقدوننا لأننا لسنا متعلمين بما فيه الكفاية وليس لدينا بيت- ولو أن هناك منظومة كاملة تعمل ضدنا لكي لا نكون متعلمين ولا نستطيع شراء بيت.

מועתז1
سلفي لمعتز مصري (26 عام). “من التالي؟”.

في المقابل، نسمع الأحزاب تتحدث عن هوية قومية وتحرر قومي ومظاهرات وما إلى ذلك، ولكن ما يرفضون ادراكه هناك بأنهم، مع كل التفسير لوضعنا البائس، لم يأبهوا بأن يشرحوا لنا، نحن الشباب، ما القصد بكلمة قومية؟ اليس من المفترض بأن تعتمد قومية المحتل على أخوة الشعب المحتل؟ هل هدفهم حقاً بأن يعملوا على خلق هوية مشتركة بيننا يكون فيها كل الشباب العرب بنفس القارب؟ أن يوضحوا بأن المشكلة ليست فينا إنما بمن احتل وهدم هويتنا- هؤلاء الذين جعلونا نعتقد بأننا أعداء؟ أم أن عنفنا قد أصبح موضوعاً يتداوله المثقفون والعلمانيون الذين يجلسون في الأكاديمية ويحللون الظواهر الأنثروبولوجية؟. أليس من وظيفتهم كقيادة بأن يمشوا بيننا الشباب وليس بين المثقفين في الأكاديمية الإسرائيلية؟.

قبل حوالي عشر سنوات، اعتدنا أنا وأصدقائي الجلوس في احدى الحدائق بالمدينة. معتز مصري ومجموعة أصدقاء أصغر منا بسنتين كانوا يأتون أحياناً ليجلسوا معنا، نحن الاكبر (فرقية سنتين في حينه كانت مثل فرقية عقد!). مجموعة من أبناء ال-16 العاديين الذين كانوا يسألون كيف يكون الشعور بسن 17 بعد استصدار رخصة سياقه ويحدثوننا عن خططهم للمستقبل. اليوم أفكر في سذاجتنا بتلك الأيام، نحن وهم. معتز وشاب آخر اسمه لورنس امسيس قتلا وصديق آخر يقضي 20 عاماً في السجن، والأمر الوحيد الذي استطيع التفكير به عندما أمشي في المدينة وأنظر إلى الشباب الذين اجبروا على الترعرع في واقع ينظر اليهم الجميع فيه كمشكلة بدل أن يروا فيهم حلاً- هو بأن مستقبلهم وماذا سيحصل معهم هو مستقبلنا وماذا سيحصل معنا.

ناشط وطالب حكم ومجتمع في الكلية الأكاديمية تل أبيب-يافا. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.