مسلسل انترنت يسلط الضوء على قضية الاولاد الشرقيين المختطفين

هم أول من يوثق عن قرب قضية اولاد اليمن، الشرق والبلقان المختطفين التي أبعدت عن كتب التاريخ، سمعوا شهادات جعلت الكاميرا ترتجف من البكاء، وخرجوا بمسلسل معد للانترنت لأنهم يؤمنون بأفضلية الشبكة على التلفاز للوصول لجمهور أوسع. مقابلة مع العاد بن الول ويوسي براومان.  
تامي ريكليس ويونيت نعمان

 

بنهاية الاسبوع سيتم بث الحلقة الأخيرة من مسلسل “أنبياء: حملة عمرام” بالبث المباشر عبر الفيسبوك. المسلسل الموزع على 12 حلقة رفعت على الشبكة خلال النصف سنة الأخيرة يتتبع نشطاء وناشطات جمعية “عمرام” الذين يتنقلون من مدينة إلى مدينة، من بيت إلى بيت، ويجبون شهادات صعبة ومؤلمة من أمهات، آباء، أخوة وأخوات حول أقاربهم الذين اختطفوا في إطار ما يشار اليه بالعنوان الجاف بعض الشيء “قضية اختطاف أولاد اليمن، الشرق والبلقان”.

من بين الأمور التي تضفي للمسلسل قوته هو اخلاص الكاميرا الموضوعي للمحادثات التي يجريها النشطاء مع الشهود، دون لغط بالخلفية وتفسيرات اضافية، مما يخلق شعوراً قوياً بالحميمية. من يحكون القصص هم إسرائيليون من فئات عمرية وهويات اثنية لا تظهر على الشاشة بشكل اعتيادي. على مدى سنوات، قصتهم لم تكن جزءاً من الذاكرة الجماعية الإسرائيلية المغدقة بالصدمات والثكل، أما الآن فيتم توثيقها كقطعة تاريخية مميزة تمكننا من القاء نظرة على حياة القادمين الجدد من الدول العربية بسنوات الخمسين. هذه القدرة على الحديث عن ولد او اخت اختطفت، دون الاعتذار ودون الاضطرار لمواجهة تحقيق مضاد- كما حدث مع العائلات التي مثلت أمام لجان التحقيق الرسمية- أصبحت ممكنة على يد أبناء الجيل الثالث الذين يمررون رواية الجيل الاول. “هذه مسؤولية كبيرة ولكن هذا الموجود”، كما تقول نيطاع الكيام بالحلقة السادسة التي تركز على اختطاف الاولاد المغربيين في “نتيفوت”.

מבצע עמרם
صورة من مسلسل “أنبياء: حملة عمرام”

جمعية “عمرام” حصلت على اهتمام كبير بالسنة الأخيرة مع اقامة أرشيف الشهادات الالكتروني، فحوصات ال-DNA والمطالبة بفتح الأراشيف وملفات التبني (وهو النضال الذي ساهم في الكشف عن جزء من مداولات لجنة التحقيق الرسمية لإطلاع الجمهور). هنا، على هذا الموقع، نحن ننشر منذ سنوات مواداً حول القضية وحيثيات النضال، وكون الموضوع يأبى السقوط عن الأجندة العامة بالأشهر الأخيرة هو أمر مفرح جداً. المسلسل هو جزء من المساعي لاختراق جدران الخطاب حول القضية وتجنيد جماهير أخرى للنضال، اثارة الوعي وإيجاد متضررين آخرين من مجموعات لم تنسب لها علاقة بالقضية بالوعي العام. هكذا، على سبيل المثال، فمشاركة الحلقة العاشرة التي تركز على اختطاف اولاد من بين القادمين العراقيين على مجموعة “نصون اللغة العراقية” على الفيسبوك أدت إلى فيض من التوجهات من قبل عراقيين. “يتضح بأن العراقيين يأتون في المرتبة الثانية من ناحية حجم عمليات الاختطاف”، يقول العاد بن الول، احد القائمين على المسلسل. “الحلقات تؤدي إلى ظهور المزيد من الشهادات، تخلق قالب تفكير، الناس تشاهدها وتفهم بأنها جزء من قضية أكبر”.

ابان بث الحلقة التي تختتم المسلسل، والتي ستبث السبت 25 شباط الساعة 19:00 (على صفحة المسلسل على الفيسبوك)، التقينا ببن الول وبشريكه في العمل والحياة، يوسي براومان، لكي نسمع أكثر عما يجري مع من يتعاملون مع هذا الجرح المفتوح بهذه الكثافة.

الأحداث بالوقت الحقيقي

بن ألول (30 عام) وبراومان (34 عام) هما شريكان في الحياة منذ ثماني سنوات، يسكنان في تل أبيب ويعملان سوية بالسنتين الأخيرتين بوقت الفراغ على مسلسلات معدة للانترنت تسعى إلى التأثير على الأجندة الإجتماعية وإحداث التغيير. “اكتشفنا المحاسن الضخمة لمسلسلات الشبكة التي تلغي الحاجة لمتابعة التلفاز”، يقول يوسي، مصور ومخرج المسلسل، الذي يوضح بأنه على مدى النصف سنة الأخيرة كان يصور ويبكي، يبكي ويصور. “بالإمكان ملاحظة ذلك أحياناً من خلال رجة الصورة. العاد يبكي وهو يعمل على التحرير. نحن نتحدث عن مواد صعبة بشكل متطرف”.

“في 21 حزيران الأخير، بذكرى وفاة الراب عوزي مشولام (اول من قاد النضال بهذه القضية) الذي اعلن عنه كيوم الوعي لاختطاف أولاد اليمن، الشرق والبلقان، أطلقت جمعية “عمرام” أرشيف الشهادات كموقع على الانترنت. دخلت الى الموقع ورأيت بأن الشهادات مصنفة حسب سنة الاختطاف، المستشفيات، ودولة المنشأ. كانت هناك مئات الشهادات، كل شهادة موثقة بالفيديو، قصة مفصلة بقدر كبير. كان ذلك كالإطلاع على أرشيف سبيلبرغ (أرشيف أفلام يعنى بالتاريخ اليهودي) من ناحيتي.”، يقول براومان ويضيف: “تنقلت بين المواد مثل الشريط وفهمت بأن هذا ما يجب أن نفعله. استشرت العاد فقال بأننا يجب أن ننجز ذلك كمسلسل آخر وليس كفيلم. مسلسل يجري الآن. نصور، نحرر ونرفع للانترنت”.

اذاً عرفتم من البداية بأنه سيكون مسلسل معد للشبكة.

براومان: “نعم، فعدا عن اننا نستطيع هكذا الوصول لجمهور أكبر، فمسلسل من هذا النوع هو طريق مباشرة للتحدث مع المشاهدين وسماعهم، لرؤية المشاركات وردود الفعل.. مسلسلات التلفاز ملزمة بأمور أخرى وتعتمد على الميزانية، الرقابة، الوقت، البيروقراطية. أما بهذه الحالة فنحن نقرر كل هذه الأمور بأنفسنا”.

“الواضح بكل الأحوال بأن احداً لم ينظر إلى نفسه على أنه يقوم بشيء غير طبيعي أو غير لائق فقد كان ذلك جزءاً من وجهة نظر أكبر حول الحياة”

مسلسلات الشبكة تتعلق أيضاً بهوية القائمين عليها، وليست صدفة بأنها تولد عادةً وسط مجموعات تشعر بأنها لا تحظى بتمثيل كافي.

بن الول: “هذه طريقة ممتازة للالتفاف عل المسار المؤسساتي- أيضاً بالنشاط الجماهيري وأيضاً بالإعلام”.

براومان: “معظم المضامين تصنع لجمهور معين يتحدث بلغة معينة. مسلسلنا معد لهؤلاء الذين لا يصنعون المسلسلات من أجلهم عادةً- جمهورنا مركب من كافة الأطياف السياسية وهناك مشاركات من أناس يساريين بمستوى نشطاء في حملة المقاطعة (BDS) وأيضاً من أناس يمينيون أكثر من بنيت. جمهورنا يستأنف على هذة الثنائية”.

ماذا كانت نقطة الانطلاق؟

بن الول: “خرجنا إلى الطريق ونحن ندرك بأن صوت الشهود، العائلات، هو أكثر أمر مثير ومهم في هذه القصة. أردنا بأن يجري المسلسل الآن لا أن يكون أداة استعادية. أن نصور، نحرر، نلحن، نحسن الصورة، ونقوم بكل شيء بالوقت الذي تحدث فيه الامور نفسها. هكذا تحول المسلسل لجهاز لتوثيق النضال ولكن أيضاً لأداة بالنضال. المسلسل هو بوق لأحداث تجري بالوقت الحالي. هذه كانت الفكرة أيضاً من وراء “أنبياء” (المسلسل الاول الذي أنتجه الاثنان والذي استعرض مقابلات مع ابطال وبطلات النضال الشرقي).

بين النشاط والتوثيق

كل حلقة في المسلسل تعرض زاوية أخرى عن القضية وعن النضال. ابتداءاً من الحلقة الثانية، تستعرض كل حلقة زوجية بعض الشهادات بينما تقدم كل حلقة فردية زوايا مختلفة عن القضية. بن الول يقول في هذا السياق: “الحلقات الزوجية كانت مثيرة للبكاء اما الفردية فكانت أكثر تعليمية- في هذه الحلقات كان هناك تفكير سوسيولوجي يمرر للجمهور. الشهادات كانت أنثروبولوجية جداً: ما يجري هناك هو ببساطة دعوة للاستماع للناس، للقدوم إلى بيئتهم الطبيعية والإنصات لقصتهم”.

بعض الحلقات تشكل تحدي عاطفي غير سهل مع كل الحزن والغضب الذي تثيره.

براومان: “احدى التجارب الأصعب حدثت معي بأحد أيام التصوير. كنا في “بيتاح تكفا” وصورنا العائلة العراقية التي يحكي فيها الأب كيف سرقوا ابنه البكر. أنا فقدت والدي عندما كنت ابن سنتين ونصف. هذه الشهادة كسرت ظهري. عندما خرجنا من هناك قلت لنفسي علي أن أذهب إلى قبر والدي وأن أضيء شمعة. لم أستطع تمالك نفسي في الشارع بنفس اليوم. بكيت دون توقف”.

بن الول وبراومان يقولان لنا بأنهما صادفا بكثير من الأحيان من ادعى بأن الضلع الناقصة في المسلسل هو جانب الخاطفين، الممرضات، الأطباء، او المؤسسة. “اجابتنا كانت بسيطة بأنه ليس بأيدينا شهادات من هذا النوع”، يقول بن الول. “هناك مقابلة واحدة مع ممرضة، حسناً. ولكن الواضح بكل الأحوال بأن احداً لم ينظر إلى نفسه على أنه يقوم بشيء غير طبيعي أو غير لائق فقد كان ذلك جزءاً من وجهة نظر أكبر حول الحياة”. براومان يضيف بأن المسلسل عملياً يطلب من المشاهدين بأن لا يتحدثوا فقط عن الأفراد: “تحدثوا عن منظمات. لا حاجة لتعليق أي أحد بساحة المدينة. منظمات مثل “فيتسو” و”هداسا”، الدولة وأراشيفها- هي التي يجب أن توفر الاجابات وليس هذه الممرضة أو تلك”.

الاثنان حدثانا عن الفوضى التي حدثت عندما عرضت حلقات المسلسل في السينماتك، فبعد أن تحدث شلومي حتوكا (أحد نشطاء جمعية “عمرام”) عن الأشكناز قامت من بين الحضور صبية وقالت: “من غير اللائق بأن تتحدثوا هكذا عن الأشكناز فقد اختطف أطفال أشكناز أيضاً”. حيث يوضح براومان: “بعد انتهاء العرض قالوا لي لقد كنت الأشكنازي الوحيد على المنصة، لماذا لم تقل شيئاً؟ أنا أتفهم الصعوبة التي يواجهونها ولكنني أعرف حق المعرفة بأن علينا هنا أن نرجع خطوة واحدة إلى الوراء ولو أننا معتادين على أن نكون في المركز. ليس علينا أن نكون في مركز هذا الامر. نحن لسنا الضحايا هنا، لسنا المتضررين. حتى اذا لم يكن من المريح لنا بأن نسمع بأن المتسببين بهذا الضرر هم أشكناز”.

بن الول: “عميت حاي كوهين (الملحن) قال خلال العرض بأن كل واحد منا هو مختطف. هناك القصة الكلاسيكية عن اليمنية التي خطفوا طفلها ولكن عملياً هناك الكثير من العناصر للاختطاف. بمعني معين، أيضاً من يذهب إلى مدرسة داخلية في “نتيفوت” ويفصل عن عائلته هو ولد اختطف بيد المؤسسة. هذه القضية هي عملياً ال-DNA لكي شيء. ما يجري الآن بالخطاب الإسرائيلي يشبه قلع جذور الأسنان. جميعنا نخشى الاعتراف بمعاناة الآخر فماذا سيحدث اذا اعترفنا. سيأتي يوم الحسم”.

פעילי עמרם
براومان وبن الول خلال تصوير احدى الحلقات برفقة نشطاء “عمرام”

براومان: “على الأشكناز أن يفهوا بأنك عانيت كما أعاني أنا. كلانا ضحايا. هذا هو التغيير الذي يتوجب على الاشكناز القيام يه، وأنا أقول هذا كأشكنازي. اذا كانت لدي ادعاءات اليوم بحق الاشكناز فهي ليست لماذا خطفتهم هؤلاء الاولاد وإنما لماذا تشاركون في الاسكات، في انكار عمليات الاختطاف. في صفحتنا نحن لا نتلقى، لحسن الحظ، ردود فعل من أناس ينكرون كل القضية ولكن كانت هناك حالة قامت بها صبية بمشاركة احدى الحلقات فرد عليها الكثير من هؤلاء”.

ما نوعية الانكار الذي صادفتموه؟

بن ألول: “كل الامور المعروفة: بأن الاولاد كانوا مرضى وماتوا، بأنه كان من الأفضل بأن يرسلوا للتبني نظراً للظروف التي عاشوا فيها، وكيف لم يتم التعرف على أي من الاولاد الذين ارسلوا للتبني حتى الآن وبالطبع “نظرية الفوضى” (وهو والادعاء الرائج الذي يقول بأن ما حدث كان فقط نتيجة الفوضى التي سادت في تلك السنوات الني تلت إقامة الدولة)”.

كيف تم استقبال المسلسل برأيكم من قبل الدولة وتعاطيها من قبل الإعلام الجماهيري؟

بن الول: “هذة نقطة مثيرة للاهتمام فلا يمكن ألا نرى التأثير الكبير لهذه المسلسلات على الخطاب، من الصعب تجاهل كونها أكثر موضوع مثير ويحكى عنه ولكنهم لا يكتبون عنا ولا يجرون معنا المقابلات ولا يذكروننا”.

براومان: “ذهبنا إلى استوديو “Ynet” مع نعما (ناشطة في “عمرام”) حيث اعدوا تقريراً عن مسألة التجارب ولكنهم قرروا عدم نشره بالنهاية. لم يتضح لنا ما الاسباب. الاعلام يعرف بأن الموضوع حامي، وبشكل عام كل من يعمل على هذه القضية مقابل صحافي من وسائل الاعلام الكبيرة يتلقى طلبات للحصول على شهود، فقط يمنيين بالطبع، وأن يبكي هؤلاء إن أمكن(!)”.

ماذا حضرتم لنا بالحلقة الأخيرة؟

بن الول: “الحلقة الأخيرة تحكي قصة مجموعة أتت من نفس القرية، اسمها رجم باليمن. هؤلاء قدموا مع الراب، 20 عائلة، في اطار حملة “كنفي نشاريم” اولاً إلى “عين شيمر” ومنها إلى معبرة (معسكر للقادمين الجدد) في “يوكنعام”. ثماني عائلات من بين هذه فقدت اولاداً ويشمل ذلك توأم من عائلة الراب. أرادوا أن يقيموا بلدة ولكنهم طردوهم من هناك إلى المدينة، هناك أقاموا حياً وبنوا كنيساً، وواصلوا حياتهم الاجتماعية كمجموعة ضد كل الاحتمالات. الحلقة تعرض العائلات بعد أن اجتمعت كلها في الكنيس لتحكي قصصها لجمعية “عمرام”. الحلقة لا تكشف الكثير من ناحية الشهادات- أهميتها رمزية أكثر لأنها تتعاطى مع سؤال المس بالمجتمع، بمجموعة من الناس”.

براومان: “بنظري أيضاً الشهادات التي تسمع في هذه الحلقة ليست شريطاً مكسوراً. في كل واحدة منها هناك عنصر خاص بها. هناك أخوان مثلاُ توفي والدهما بعد أن سقط سقف غرفة الطعام في المعبرة- وفي نفس اليوم اختطفوا أحد ابناؤه عندما لم تتمكن الأم من الذهاب لإرضاعه. امرأة في نفس اليوم توفي زوجها وخطفوا ابنها. حلقة صعبة جداً”.

المزيد:

“الاولاد اليمنيين المختطفين: تذكرت انها حملت بين يديها طفلاً معافى ووسيم”. 

“قضية الاولاد اليمنيين المختطفين: العائلات تحمل الحقيقة”. 

“الأولاد اليمنيين المختطفين: ما وراء ال-322 صفحة لتقرير لجنة التحقيق الرسمية”.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.