تسع وتسعون بالمئة

“جاء الكساد، ألغي الحكم العسكريّ، قُتل مارتن لوثر كينج، اندلعت الحرب، اندلع النقاش حول الأراضي المحتلّة- وظلّ خالو أوري صامتًا.. إلى أن جاء اليوم وحكى فيه أكثر قصصه غرابة وإدهاشًا. أم الحكايات.” أول قصة قصيرة للباحث والمترجم اليهودي العربي يهودا شنهاف- شهرباني.
يهودا شنهاف- شهرباني

 

خالو أوري من أولئك الناس الذين تُحكى عنهم الحكايات.

كان يُعتبر في تلك الأيام أعزبَ شابًا، قال وفعل أمورًا لم تكن لتخطر في بال أحد. فقد درج على الحديث عن مشاركته في فيلم “التلّ الرابع والعشرون لا يردّ”، وعن صداقته التي تطوّرت أثناء التصوير مع شوشَناه دماري وأريك لافي وحايا هراري الأسطوريّة[1]. وقد ادّعى مرةً، وبحماس شديد، أنّ العائلة ستحصل قريبًا على ميراث كبير، لكنّه رفض أن يوضح حيثيات هذه المسألة. وبعد ضغوطات شديدة ومتواصلة رضي بالكشف عن أنّ جدّ العائلة الأكبر، بابا موشيه، يأتي من ذريّة الأخوة ليفي الأثرياء، الذين ساعدوا المملكة البريطانيّة على حفر قناة السويس: “والله، أنّ الأحجار الكريمة التي على تاج الملكة فيكتوريا تتبع لورثة بابا موشيه!” ثم أجبرَنا فورًا على التعهّد والقسَم بألّا ننشر الخبر بين الناس، لأنّ المعركة ما زالت في بدايتها. ونحن أطعناه، رُغم درايتنا بأنّه يقوم بنفسه بسرد هذا السرّ أمام أيّ شخصٍ يصادفه.

وبسهولة بالغة عُيّن الخال أوري عضوًا في “لجنة استعادة الممتلكات” التي كان من المفترض أن تفاوض بنك إنجلترا. وقد أضحى اسم الشارع الذي يقع فيه مقرّ البنك اسمًا يردّده الخال أوري بتفخيم: “أوك  –سوفورد —  ست —  ريت” ((Oxford Street. لم يُفاجأ أحد بهذا التعيين. فخالو أوري كان يتمتع بمكانة خاصّة في المجتمع اليهوديّ العراقيّ وكان وجهاؤه يرتادون الكراج الذي يعمل فيه بشكل دائم لتصليح سياراتهم بأسعار بخسة. زِدْ على ذلك أنّ والد خالو أوري، الجدّ سليم، كان الجابيَ المحترم في كنيس الطائفة البابليّة، كما سُمّي المجتمع اليهوديّ العراقيّ. وفي إطار عضويته في اللجنة، اتبع خالو أوري توجّهًا صارمًا ضدّ المملكة المتّحدة، وأصرّ على أن تكون كلّ مرحلة في المفوضات مكشوفة للعيان. “والله، وإلّا سأستقيل”!

انشغل خالو أوري في مسألة مجوهرات التاج لأشهر طويلة، إلى أن صرّح مُحامٍ عراقيّ متمرّس سبق وكان في منصب وزير في الحكومة لصحيفة معريف: “هذه خرافة ترافق المهاجرين من العراق منذ عشرات السنوات، بلا هوادة. هناك 750 عائلة عراقيّة تدّعي وجود علاقة بينها وبين الأخوة ليفي، إلّا أنّنا لم نسمع عن دليل واحد يثبت أنّ الكنز يعود إلى عائلة بعينها”.

رُغم خيبة الرّجاء إلّا أنّ أحدًا لم يُشكّك في أحقيّة تعيين الخال أوري عضوًا في “لجنة استعادة الممتلكات”، إذ أنّه كان معروفًا بقدرته الكبيرة على الإقناع، وخصوصًا بمعلوماته الواسعة. فقد كان عضوًا في نادي الكِتاب الجيّد التابع لدار النشر م. مزراحي، وكان بوسعك أن تجد على الرفّ في غرفته الكائنة في بيت والديْه كتبًا رائجة عن ” تمرّدات الشبيبة” و”ابن حور” و”دوريان جراي” و”بايتون بليس” و”سبارتاكوس” و”ذهب مع الريح” و”الأرض الطيّبة”. كانت الكتب الأكثر مبيعًا تصطفّ في نظامٍ أشْبهيٍّ على الرفّ لسنوات طويلة، ويبدو أنّ أحدًا لم يقضّ سكينة الغبار الذي كان يغطّيها.

بدا واضحًا في تلك الأيّام أنّ مخزون الادعاءات لدى خالو أوري صار أكثر دقّة وتفصيلًا. ففي السابق كان يكتفي بقول “اليهود الشرقيين”، والآن صار يقول: “يظلمون السُّود”. ومرةً كان يقول: “جهاز الأمن”، والآن يقول: “جهاز الظلام”. ومرة كان يقول: “دولة إسرائيل”، والآن بات يقول: “الدولة الصهيونيّة”. وزدْ على ذلك انتشار الأخبار الجديدة وقتها عن القنابل التي ألقيت على المؤسّسات اليهوديّة في بغداد عام 1951، والتي منحت خالو أوري فرصة ذهبيّة للتعبير عن معتقداته.

في المساء، وبعد يوم عملٍ مُضْنِ في الكراج، درج خالو أوري على الخروج من الحمّام — مرتديًا بنطالًا قصيرًا وفانيلا بيضاء — بشعره الرطب، فيما كانت طبقة سميكة من بودرة التّلك تغطّي أصابع رجليْه. وحين كان ينحني أمام مذياع “الفيلكو” الموضوع في الصالة، ويدير القرص الكبير للعثور على المحطّة الملائمة، كان بالإمكان رؤية طبقة سوداء من الوسخ تحت أظفار أصابعه الطويلة. وفي النهاية كانت تُسمع من المذياع أصوات البثّ من صوت لبنان أو صوت القدس بالعربيّة، كما كانت تُسمّى المحطة الكائنة في رام الله وقتها، وكان خالو أوري يجلس على الكنبة ويتناول وجبة العشاء التي قدّمتها له والدته فرحة: يحتسي قنينة بيرة سوداء من صنع شركة “نيشر مالط”، ويمضغ كبّة قرع حامضة وهو يمصّ عظمة دجاجة بشراهة. وفي تلك الأثناء كان طائر الوقواق يخرج من بيته الخشبيّ في ساعة الحائط ويطلق تغريدةً. مع انتهاء الوجبة، كان خالو أوري يتصفّح صفحات الأخبار الرياضيّة وصحيفة “يديعوت أحرونوت” ، وكانت جبهته العالية تنقبض وتتسّع تباعًا. كنّا ندرك أنّ آراءه القاطعة والعميقة في مسائل السياسة والصحافة والرياضة، وفي سائر المسائل الأخرى، تتبلور في هذه اللحظات بالذات. وكان على كلّ شخص يقترب منه أن يستمع إلى حديثه عن “المؤامرات الإمبرياليّة في الشرق الأوسط”، أو أن يواجه ادّعاءه بأنّ “أيسار هرئيل[2] هو كلب بن غوريون الوفيّ”. وعلى الأرض بجانب سريره، في غرفة نومه، روكمت أعداد قديمة من مجلة “هَعُولام هَزِيه”[3]، التي كانت مجلة خطرة للقراءة في ذلك المكان والزمان.

سرت في المدينة تلك الأيام شائعة تفيد بأنّ خالو أوري انضمّ إلى حزب “هَعُولام هَزِيه”وأصبح شيوعيًّا. وتناقلت الألسن الخبيثة النميمة بأنّهم رأوه مجتمعًا بشالوم كوهِن[4]، محرر “هَعولام هزيه”، الذي كان يزور الكراج بشكل دائم. كان والد خالو أوري يعمل مراقبًا دائمًا من حزب “العمل” في كلّ معركة انتخابيّة، وعندما سمع بتلك الشائعات استشاط غضبًا. قام الجدّ سليم، جلس، ثم قام ثانية، وذرع الغرفة من جانبها الأول إلى جانبها الآخر، وصرخ: “شيوعي ها؟ يا نغل!” حاولت فرحة، زوجة سليم، أن تهدئ من روع زوجها: “وماذا يعني هذا؟ لقد أصبح مثقفًا وكلّ المثقفين يصبحون شيوعيّين! سينسى الأمر بعد فترة. ألم يحدث هذا مع كلّ الشباب في بغداد؟”

وبالفعل، بدا واضحًا في تلك الأيّام أنّ مخزون الادعاءات لدى خالو أوري صار أكثر دقّة وتفصيلًا. ففي السابق كان يكتفي بقول “اليهود الشرقيين”، والآن صار يقول: “يظلمون السُّود”. ومرةً كان يقول: “جهاز الأمن”، والآن يقول: “جهاز الظلام”. ومرة كان يقول: “دولة إسرائيل”، والآن بات يقول: “الدولة الصهيونيّة”. وزدْ على ذلك انتشار الأخبار الجديدة وقتها عن القنابل التي ألقيت على المؤسّسات اليهوديّة في بغداد عام 1951، والتي منحت خالو أوري فرصة ذهبيّة للتعبير عن معتقداته.

لقد كانت هذه العاصفة الأكبر على الإطلاق التي تعصف بكنيس الطائفة البابليّة. فجأة برزت الخلافات القديمة، ونشأت عداوات جديدة، وغلى الدمّ في عروق المُصلّين. وقد اتخذ خالو أوري موقفًا واضحًا لا هوادة فيه، في أعقاب الكشف عن الحقيقة التاريخيّة: لم يكن الضباط العراقيّون هم الذين ألقوا القنابل كما ادّعى كلب بن غوريون الوفيّ، بل ناشطون صهاينة كانوا يرغبون بتخويف اليهود البغداديّين الذين لم يرغبوا بالهجرة إلى إسرائيل. وبعد أن تعمّق أكثر في تفاصيل المسألة بمساعدة معلّمه ودليله شالوم كوهِن، قال خالو أوري إنّ مردخاي بن بورات[5] كان مَن أصدر الأمر، ومن ألقى القنبلة اليدويّة الأولى على كنيس مسعودة شِم طوف، وأدّى إلى مقتل فتًى في الرابعة عشرة. “أقسم بالله، أنّ والد بن بورات كان يدير بيت دعارة في بغداد”، قال خالو أوري بثقة وحسم.

نحن نتحدّث عن سنوات الستين، الفترة التي توقف فيها سير الزمن. كانت أقوال خالو أوري نسمة عليلة في المدينة المخنوقة. كان معتادًا على قطع كلّ حديث بجملة انفعاليّة ومثيرة، وكان يبدو أحيانًا أنّ كلّ غايته تكمن في قلب صفحة أخرى من الحبكة، وأغلب الظنّ أنّه كان يفعل ذلك تيمّنًا بأن يكون هو أيضًا واحدًا من أبطالها. كان يبدأ تصريحاته بكلمة “والله”، التي كان يقولها كقسم أو كالتزام. “والله، لا يمكن إلّا لعميل موساد أن يقتل كندي!”، كان يقول فجأةً، ثم ينتظر برهة وكأنّه لا يدري هو أيضًا إذا كان سيكمل الجملة أم لا، ثمّ يصلح قليلًا من الضرّر الذي لحق بمصداقيّته ويقول ما يمكن أن يكون مؤامرة أكثر دقة: “والله، عميل الموساد لن يكون لي أوسوولد! لا. سيكون جاك روبي الذي سيقتل لي أوسوولد الذي سيقتل الرئيس كندي.”

كانت تصريحات خالو أوري المِقدامة تنجح دائمًا في إدهاش سامعيه. وكان هناك من أسماه “مُغاليًا”، وقال آخرون إنّه لا يأبه بالذاكرة أو بتفاصيلها. كانت مقولاته تتناقض تناقضًا تامًّا مع الحدس، وكانت تثير نقاشات محتدّة في كلّ مرّة حاول أحدهم أن يواجهه بالحقائق. وأكثر ما أتذكّره ردّ فعل مادلين على تصريحه الدائم، “والله، أنا مثّلت في فيلم التلّ الرابع والعشرون لا يردّ!” فمادلين التي كانت تعلم أنّ كلّ هذه القصة مختلقة من أساسها، كانت تورد ادعاءً ماحقًا: اسم الخال أوري لا يرد في قائمة الممثلين. وكانت جلاديس تهبّ للدفاع عنه فورًا: “أوري لا يكذب أبدًا!”، وبعد تردّد بسيط تضيف: “قد يبالغ قليلًا في بعض الأحيان، لا أكثر”.

كانت غلاديس في هذه الحالة هي المُحقّة، وليس مادلين. صحيح أنّ اسم الخال أوري لم يظهر حقًا في قائمة الممثلين، إلّا أنّه شارك في الفيلم كممثل كومبارس: كان واحدًا من ثلاثين جنديًّا بهيئة شرقيّة خصّصهم الجيش للإنتاج “الكبير”، كي يلعبوا دور العدوّ العربيّ.

كان اسمه بين الناس أوري، لكنّ العائلة كانت تطلق عليه “خالو بدري”. الخال هو شقيق الأم، بينما العم هو شقيق الأب. وفي العبريّة لا يمكن التمييز بين الاثنين إذ لكليهما الكلمة ذاتها، إلّا أنّ هذا التمييز هام جدًّا بالعربيّة، وقد كان على وجه خاصّ من الأهميّة في تلك الأيام، وقد يعود ذلك إلى أنّ كلّ الأعمام كانوا يبدون كالعرب تمامًا، ولجميعهم شوارب كثيفة ونظرة مخيفة. ظلّ اسمه بدري إلى أنّ تجنّد للجيش عام 1953، وهي السنة التي بدأت فيها العمليّات الانتقاميّة[6]، عندها تغيّر اسمه إلى أوري[7]. لم يكترث لهذا التغيير رُغم أنّ أمه، فرحة، رأت فيه تغييرًا مزلزلًا. إلّا أنّ لعبة الأسماء لم تُحدث أيّ تغيير يُذكر. فبعد أن تحوّل من بدري إلى أوري استمرّ الناس بتسمية والده “أبو بدري” وأمّه “أم بدري”، وأخيه “ناجي”، وابنتي أخيه “أسبرانس” و”أنجل”، وخالاته “جورجيا” و”سميرة” و”صبيحة”، وصهريه “إدوارد” و”د. منير”، ونسيبتيْه “مادلين” و”جلاديس”.

كان الكلّ مُجمعًا على أنّ اسم بدري ملائم له أكثر من أوري. فالبدر بالعربيّة يعني القمر المكتمل، وبدري يعني صاحب الوجه القمريّ المدوّر. كانت نظرته الخجلة تتناقض تمامًا مع جسده الكبير. كانت رجلاه طويلتيْن، ويداهُ غليظتيْن، وكانت سبابة يده اليمنى تحمل ما يشبه الوشم، نقشًا لزهرة ليشمانيا الكبيرة، كانت تسمى وقتها “وشم بغداد”. كان أنفه كبيرًا، وعيناه صغيرتيْن وغارقتيْن، وحاجباه كثيفيْن، وشعر رأسه الكثيف مطليًّا ببريلنطين دهنيّ، واستلقى فوق شفتيْه المكتنزتيْن شاربٌ رفيعٌ على شاكلة ديفيد نيفِن. وعندما كان يتكلّم كانت لغته غريبة؛ فقد كان يستخدم لكنة عبريّة خاصّة به. وعندما كان يقول “سيسجّل هدفًا بالمايل”، كان يقصد: “سجّل هدفًا بالمائل”. يُدخل ياء الزمن المضارع على الفعل الماضي، ويُحوّل الهمزة إلى ياء. كان الجميع يستغرب ذلك، واقترح بعض الأشخاص من أصحب الحساسيّة اللغويّة تفسيرات مختلفة لذلك: فهناك من ادّعى أنّ هذا بتأثير من اللغة العربيّة، ونسب آخرون ذلك إلى تأثير لغة الصلاة اليهوديّة. وقال آخرون، ببساطة، إنّ هذا ليس إلّا تشويشًا عاديًا لدى شخص مهاجر. ففي تلك الأيام لم يرغب أحد بأن يكون بدري-الجميع سعى لأن يكون أوري.

لاحقًا، سيتزوّج بدري -الذي أصبح أوري- من جميلة، التي أصبح اسمها يافَه، وسيَسْتتبّ كرجل عائلة. فقد ألغى الاشتراك لمباريات كرة القدم التي يخوضها فريق بيتح تكفاه، وابتعد عن شالوم كوهِن وترك الكراج الذي عمل فيه ليفتح كراجًا خاصًّا به. ويافه أيضًا تركت عملها في الغزل والنسيج في مصنع شركة “آتا”، وأصبحت بعون الله “زوجة صالحة”. وبعد أن فشلوا في الحصول على ترخيص عمل، فتحوا كراجًا مرتجَلًا في شارع صغير على أطراف الحارة التي سكنوها. كان الشارع ضيّقًا لدرجة تقتضي اليوم تحويله إلى شارع أحاديّ الاتجاه. وعندما تلاقت فيه سيارتان متواجهتان كان على إحداهما الرجوع ببطء إلى الوراء حتى زاوية الشارع. لكنّ حركة السير في تلك الأيام لم تكن مكتظّة، ولم تمرّ السيارات في الشارع إلّا نادرًا، ومن بينها الشاحنات القليلة التي كانت تُنزل بضائعها في الصباح الباكر عند بقالة سليم.

خالو بدري
خالو بدري (يجلس متربعاً) قبل أن يصبح خالو أوري ويعود ليكون خالو بدري! (من ألبوم الصور العائلي)

ضخّ كراج خالو أوري الحياة في الشارع الكسول. كان أوري ميكانيكيًّا ممتازًا وفنانَ ماتورات، لكنّ السبب من وراء شعبيته كان الأسعار المنخفضة التي يأخذها من الزبائن. فهو واصل الادعاء بأنّه اشتراكيّ وكان يتمتم كلمات عن “التسعيرة حسب فائض القيمة”. أمّا زوجته يافَه فقالت إنّ هذه هراءات شالوم كوهِن، الذي يفيض بالتُرّهات كي يحصل من أوري على التخفيضات. ومهما يكُنْ السبب، إلّا أنّ الشارع كان يمتلئ كلّ صباح بالسيارات على اختلاف أنواعها وطرزها -كونتسا، أوستين، سيمكا، صبرا، سوسيتا، ميني ماينور- وكانت الفوضى تعمّ وتفيض. كان السائقون يطلقون صفارات سياراتهم مرة واثنتيْن ويعلنون قدومهم بالصراخ. كانت صيحات “أ-و-ري” تملأ الشارع، وكانت يافه تخرج إلى الشرفة وتطلب منهم –بصوت عال أيضًا- رَكن السيّارة جانبًا وترك المفاتيح تحت السجادة، “وليس في داخل السويتش!”. كانت تدير المصلحة بدراية عالية؛ تذهب إلى البنك وتودع الشيكات وتجادل الزبائن وتنظم الأوقات. كانت تخرج إلى الشرفة في الطابق الثالث، مرة أو مرتيْن في اليوم، وتُدلّي حبلًا طوله ستة أمتار في طرفه سلة بلاستيكيّة بيضاء، وتنادي على سليم صاحب البقالة في الطابق الأرضيّ، بصوت عالٍ جدًا. بعدها تشدّ الحبل مع السلة وفيها قنينتا حليب “طارا” ورغيف خبز أسود. في ذلك الوقت تمامًا كان الخال أوري يستلقي على حصيرة ملطّخة بالشحم تحت سيارة تبعثرت أشلاؤها على الرصيف، والمذياع فيها مفتوح على أعلى صوت. كان هو صامتًا دائمًا، ويبدو أنّه ترك كلّ مهمات الحديث لزوجته. وفي المرّات القليلة التي تكلّم فيها كانت كلماته تخرج كتقليد مزعج لمقولاته التي كان يطلقها في السابق. لقد تلاشى بريق خالو أوري.

قالوا إنّه تهاوى تحت ثقل أكل العيش. قالوا إنّه تقدّم في العمر. قالوا إنّه تعلّم الدرس على جلده. أمّا الحُسّاد فقالوا إنّ السبب هو سيطرة يافه عليه. قيل ما قيل، لكنّ خالو أوري صمتَ. جاء الكساد، ألغي الحكم العسكريّ، قُتل مارتن لوثر كينج، اندلعت الحرب، اندلع النقاش حول الأراضي المحتلّة- وظلّ خالو أوري صامتًا. وظلّ صامتًا، أيضًا، حتى حين انطلق شالوم كوهن في مسار جديد، ودعم الفهود السود ومزّق بطاقة هويّته من على منبر الكنيست.

في معظم ساعات النهار، تحت الشمس اللاهبة أو المطر الغزير، كان يمكنك أن ترى الخال أوري ممدّدًا تحت إحدى السيارات في الشارع الضيق، لا يَبانُ من تحتها إلّا رجليه الطويلتيْن. وعندما كان يتكشّف وجهه فلم نكن نرى خالو بدري ذاته الذي عرفناه في سنوات الستين. أصبحت جبهته أعلى وخفّ شعره واستطال وجهه وصَلُب. وعندما كان يُمسّد كرشه الصغيرة بيده اليمنى، كنتَ تشعر بغياب الأصبع التي ابتلعها ماتور سيارة “خنفسة”. توقف عن قراءة مجلة “هَعولام هَزيه”، واختفت كتب م. مزراحي، وحتى المذياع في السيارة صمت. وحين اندلعت العاصفة حول منح المواطنة التركية للمهاجرين من العراق الذين وُلدوا في نطاق الإمبراطوريّة العثمانيّة لم ينبس ببنت شفة. قالوا إنّ نورَ الخال أوري انطفأ.

***

إلى أن جاء اليوم وحكى فيه أكثر قصصه غرابة وإدهاشًا. أم الحكايات.

كانت العراق تظهر على شاشة التلفاز وهي تشتعل. وتكرّر ظهور صورة صدّام حسين الذي وقع في أسر الجيش الأمريكيّ، على الشاشات، مرّة بعد أخرى. كان صدّام يبدو متعبًا ومهزومًا وذليلًا. شعره الذي استطال كان أشعثَ، ولحيته بيضاء ونبت حاجباه لكلّ صوب وكان أنفه بارزًا أكثر من المعتاد. كان قميصه مجعّدًا ولم يضع ربطة العنق، فيما كانت رجلاه مغطيتيْن ببقع من الوحل اليابس. لقد هزّ هذا المنظر الخالة فيوليت. “أليس حرامًا؟”، صرخت، ورمقتنا نحن وشاشة التلفاز بنظرات دهشة ومَهانة. كانت فيوليت مرتبطة بأرض النيل والفرات بكلّ جوارحها، تلك الأرض التي هجرتها أثناء الموجة الثانية، في نهاية سنوات السبعين. احتضنت أم بدري فيوليت الباكية برقّة، وأخذتها إلى المطبخ الصغير. وبعد فترة قصيرة سمعنا من المطبخ أصوات ضحك.

رأينا على الشاشة طبيبًا أمريكيًّا يضع قفازين أبيضيْن وينحني فوق الرجل ويدقّق في أسنانه. رافق المراسل التلفزيونيّ الصورة بصوت منفعل ولهجة جديّة: “يقولون إنّ الصورة بألف كلمة. ها أنتم ترون صورة تسوى مليونًا”.

في هذه الأثناء عاد أبو بدري من صلاة فجر السبت في كنيس الطائفة البابليّة. غسل يديْه وأشار إلى أم بدري بتقديم وجبة الفطور. وُضعت على الصواني التي أُخرجت من المطبخ أرغفة خبز عراقيّ كبيرة، وبيضٌ بنيٌّ وسلطة فيها الكثير من البصل والباذنجان المقليّ. انتشر خبر القبض على صدّام في الحيّ بسرعة، وبدأ الصالون يغصّ بالرجال والنساء، من أفراد العائلة ومن الجيران والأصدقاء. كان الجميع يتناقشون الأخبار بهمّة عالية وأفواههم محشوّة بالطعام. ومع انتهاء وجبة الفطور، سارعت نساء المطبخ الضاحك إلى تقديم وجبة الغداء: كبّة باللحم والصنوبر ومعها الملفوف المحشيّ، وبعدها “التبيت” الغارق في الزيت بسطحه المحترق، وفيه قطع الدجاج البنيّة المائلة للأحمر. مع انتهاء الوجبة دار في الصالة مرطبان من السيلان، وقالب من الحلاوة متعدّدة الطبقات وعلبة من راحة الحلقوم المحشوّة بالفستق.

عادت أنظار الحاضرين إلى شاشة التلفاز. وظهرت على الشاشة، ثانيةً، صورة صدّام الراكع أمام الطبيب الأمريكيّ الذي ينحني فوقه ويدقّق في أسنانه. بعدها ظهر جنرال أمريكيّ قصير القامة، يضع نظارة مدوّرة وعيناه مائلتان، وأثنى على الاستخبارات الأمريكيّة. ثم فتح خريطة عسكريّة كبيرة ووصف بنبرة جنرالات أمرَ حملة “أسود أحمر” للقبض على صدّام. وأنهى الجنرال كلامه قائلًا: “هذا يوم كبير للشعب العراقيّ”.

نظر خالو أوري إلى التلفاز نظرة مندهشة. قرّب كأس الشاي الصغيرة من شفتيْه المكتنزتيْن وشفط الشاي بصوت عالٍ. وبعد لحظة مدّ رجليْه بحركة حادّة إلى الأمام، واستطال وجهه المدوّر. وفجأة، لمع في عينيْه الغائرتيْن الكلامُ. وعندما سُمعت كلمة “والله”، عرف الجميع أنّ خالو بدري عاد:

“والله، كان يمكنني أن أكون شاهدَ سلوك في محاكمة صدّام.”

بدت الجملة ادّعائيّة حتى لو صدرت عن رجل مُغالٍ قديم لا يهتمّ بدقّة الحقائق. بدا الانقباض واضحًا في صوته، لكنّه حمل أيضًا إشارة على اليقظة الجديدة. لم يكن أحدٌ على دراية بما يحدث في دماغه. بدا خالو بدري هشًّا جدًّا، إلّا أنّ حديثه نشر مجدّدًا نسمة عليلة في المدينة المخنوقة.

“صدّام سيتعلّم معي في الصفّ ذاته في الثانويّة.”

لم يعد هناك أدنى شكّ: لقد عاد خالو بدري من عالم الكربوراتورات.

“يجلس صدام في الصف على بعد طاولتيْن مني. في الوسط، بين نجاح ابن عائلة عيدا وكمال عبودي الذي يملك اليوم دكان أحذية في تل أبيب.”

لم يترك مجالًا لأحد لهضم هذه الأقوال، وقال مسرعًا مردّدًا جملته الدراماتيكيّة: “والله، كان يمكنني أن أكون شاهدَ سلوك في محاكمة صدّام.” وبعد صمت قصير، واصل: “الآن سيشنقه الأمريكيّون الأغبياء. إنّهم لا يدركون أنّ العراق من دون صدّام أكثر خطورة! سيكون السنّة والشيعة، وسيكون الأكراد. من سيُرسي النظام؟” بدأ د. منير بالتحرّك في كرسيه بقلق. “شاهد سلوك على جزّار بغداد؟”، سأل بسخرية. “أيّ طبع يوجد لهذا الكلب ابن الكلب؟”

تجاهل خالو بدري السؤال، رُغم أنّ د. منير كان طبيبًا في صندوق المرضى العام. “قل لي يا بدري”، سألته فجأة أخته الكبرى، أسبيرنس. “أنت تعلّمت في مدرسة يهوديّة، أليس كذلك؟ ما الذي سيفعله صدّام حسين في مدرسة يهوديّة؟” ردّ خالو بدري فورًا وبانسيابيّة كَمَن كان ينتظر السؤال: “بالضبط. فرانك عيني كانت مدرسة يهوديّة، لكنّ صدام سيدخلها بالواسطة. سيأتي من تكريت، من شريحة سنيّة متدنيّة. لذلك سيسمّونه التكريتي. عمّه سيكون قائد أركان الجيش العراقيّ ولذلك سيدخله بالواسطة. ولن ينضمّ إلينا لدرس العبريّة في الصباح. سيحضره سائق عمّه بالسيارة إلى المدرسة بعد درس العبريّة”.

صوّب خالو بدري نظرَه صوبَ أولاده الأربعة الذين كانوا يجلسون مدهوشين على السجّادة الفارسيّة الملوّنة الممدودة على الأرض: “نحن أيضًا كنّا أغنياء جدًا في العراق. عمّو ناجي كان مختار الطائفة اليهوديّة في علوي. كان سائقه يأخذنا بسيارة بونتياك كلّ صباح إلى المدرسة”.

“أوستين، لا بونتياك”، صحّحه د. منير.

“لا أوستين ولا بونتياك” قال خالو بدري، الذي كان يفهم بالسيارات. “هلمَن. من نوع هلمن. كان لعمو ناجي سائقان”، لخّص. “واحد للهلمن وآخر للبونتياك”.

وفجأة فطن أحدهم وسأل: “وما دخل كلّ هذا بصدّام؟”

يبدو أنّ خالو بدري لم يكن قد قرّر بعد كيف سينهي القصّة. صمت للحظة طويلة، فيما تخبّطت الأفكار في جبهته، وقال في النهاية: “كنّا مرةً على الجسر وسيدفعني إلى الماء”. انتظر الجميع بدهشة سماع بقيّة القصّة، إلّا أنّ د. منير الذي كان معروفًا بدقّة صياغاته وتوجّهه العلميّ، أصرّ على مواجهة كلام بدري بالحقائق. “بدري، عن أيّ جسر تتحدّث؟ كانت ثلاثة جسور على طول النهر، وكان كلّ واحد منها يرتفع عشرين مترًا فوق النهر”.

كان سؤال د. منير في صالح خالو بدري: “الجسر المجاور للجامعة. لا أتحدّث عن جسر دجلة. الثاني، الذي سيسيرون عليه للتظاهر. هناك ستجري مظاهرات الشيوعيّين التي سينظّمها يوسف سلمان يوسف. وفي إحدى المرات ستجري هناك مظاهرة للطلبة على الجسر. هل تذكرون؟ كل الطلاب سيهتفون: نوري سعيد كندرة وصلاح الجبر قطنة”. انفجر الجميع ضاحكين: الكندرة هي الحذاء والقطنة هي الربّاط.

“بعدها ستأتي الشرطة وسيطلقون النار فوق رؤوسهم”.

“ولماذا تريد أن تكون شاهد سلوك؟ ماذا كنت ستقول عن هذا الكلب، الذي ألقى بك إلى الماء؟”، قاطعت يافه سيل الحماس.

نظر إليها خالو بدري باستهزاء.

فجأة دخلت الصالون أنجل، أخت خالو بدري، التي كانت تعمل سكرتيرة في مكتب محامين. لوّحت بالجريدة التي تحملها بيدها وتوجّهت إلى بدري وكأنّه موجود تحت التحقيق: “أنت ابن ثمانية وستين عامًا. وفي الجريدة مكتوب أنّ صدّام عمره اثنان وستون. كيف تفسّر ذلك؟”

“أنا مستعد للخضوع لفحص جهاز الكذب”، انتفض بدري. “والله، الصحف لا تكتب بدقّة. صدّام وُلد مثلي عام 1935. ما زلت أملك أوراق السفر العراقيّة”.

“هل يعقل أنّ هذا حقيقيّ؟” سألت إحدى بنات الأخوة الصغيرات.

بتردّد وبلطف اقترحت أم بدري سلمًا للنزول عن الشجرة: “هل أنت متأكّد يا بدري أنّ صدام الذي تتحدّث عنه هو صدّام حسين بذاته؟ لقد كان الكثيرون يحملون هذا الاسم. تمامًا مثل موشيه معلم لدى اليهود”. تأملها خالو بدري كما يفعل طفل ضُبط بفعلة شائنة. وفجأة تهلّل وجهه واستدار ثانيةً. لا أحد يعرف ما إذا كان قد تراجع عن حديثه، أم أنه شعر بالإهانة وهو يحاول استرداد كرامته، إلّا أنه ردّ على والدته قائلًا: “تسع وتسعون بالمئة”.

يهودا شنهاف- شهربانيّ: يهوديّ عربيّ، بروفيسور لعلم الاجتماع في جامعة تل أبيب، ومترجم أدبيّ من العربيّة إلى العبريّة. يشغل مهام المحرّر الرئيس لسلسلة “مكتوب”، المخصّصة لترجمة الأدب من العربيّة إلى العبريّة.

عن العبريّة: علاء حليحل. 

[1] “التلّ الرابع والعشرون لا يردّ” فيلم إسرائيليّ معروف أنتج عام 1955، أخرجه المخرج البريطاني تورولد ديكنسون ويتحدّث عن معركة في حرب 1948 دارت على تلّ اسمه 24. كان الفيلم الإنتاج الإسرائيليّ الأكبر وقتها وشارك فيه كلّ النجوم الإسرائيليّين في تلك الفترة: أريك لافي وحايا هراري وشوشناه دماري. كل الهوامش من المترجم.

[2] كان رئيس جهاز المخابرات الإسرائيليّ (شباك) الأول، ورئيس الموساد الثاني ومقرّبًا من بن غوريون.

[3] أسبوعيّة نقديّة على النظام الإسرائيليّ، والمجلة الأولى التي كشفت مجزرة كفر قاسم عام 1956، ثمّ تحوّلت إلى حزب يحمل الاسم ذاته. لم تكن مجلة شيوعيّة أو ماركسيّة، بل قامت بالأساس بمهاجمة بن جوريون وطرق التعامل مع العرب واليهود الشرقيّين.

[4] يهوديّ من مواليد بغداد، ماركسيّ ومحرّر “هعولام هزيه”. كان عضوًا في “الفهود السّود”.

[5] كان وزيرًا في الحكومة الإسرائيليّة، من مواليد بغداد ويُعتبر الرأس المدبّر من وراء اقتلاع يهود العراق وهجرتهم إلى إسرائيل.

[6] كنية تلطيفيّة مُنحت لسياسة القبضة الحازمة التي اتبعها رئيس الحكومة دافيد بن جوريون ورئيس الأركان وقتها، موشيه ديان. فيما بعد سُميت “حروب إسرائيل الحدوديّة”. والقصد طبعًا منع “المتسلّلين” من الدخول إلى إسرائيل، والمقصود هنا اللاجئون الفلسطينيّون. وأشارت الأبحاث إلى أنّ أكثر من 90% من المتسلّلين كانوا لاجئين يسعون للعودة إلى أراضيهم والتقاء عوائلهم، أو أخذ ممتلكات خلفوها وراءهم.

[7] كان الاسم “أوري” أكثر الأسماء الممنوحة للذكور رواجًا في جيل 1948. والاسم مرتبط أكثر من غيره بصورة “الصبّار”، الإسرائيليّ “الحقيقيّ”.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.