انتقام أولاد القرية الجميل

بمرحلة معينة قرر سكان “رجافيم” قضم بضعة أمتار أخرى من أراضي القرية، حرفوا مسار الوادي ووسعوا حقول القطن. بعد عام، جف الوادي تماماً تقريباً. سلطة الطبيعة التي لاحقت سكان القرية الذين كانوا يلقطون الشومر والزعتر والعكوب بالمنطقة لم يسمعوا عن هدم الطبيعة والبيئة الذي قام به الاشتراكيون المتنورون.
أبو ليلى (سمير الأحمد)

 

“اذا لم نستغل هذه الفرصة سيكون علينا ضمان تشغيل العرب في الوظائف العامة وإيجاد ترتيب لهم بعد فترة بمكان آخر. الأمر الذي سيكلف المالية وسينطوي على عدم راحة بدرجة معينة”.

هذه الامور كتبت ب-3 تموز 1950 بيد ز. ليف الذي أشغل منصب مستشار شؤون الأراضي في مكتب رئيس الحكومة، كجزء من اقتراح لترحيل سكان كفر قرع وطردهم إلى الأردن. وقد أرسلت هذه الرسالة لرئيس الحكومة ولوزير المالية ووزير الخارجية. وكما يوضح ز. ليف في رسالته، فلأن سكان القرية بقي في ايديهم 20 بالمئة فقط من الأراضي التي كانت بملكيتهم:

“لا توجد لديهم.. امكانية للعيش من الزراعة التي كانت مصدر رزقهم بالأوقات العادية (..) يجب علينا ألا نحيد عن المبدأ فيما يتعلق بسكان هذه القرية أو قرى شبيهه ضمت إلى مساحة إسرائيل بموجب اتفاق وقف اطلاق النار مع المملكة الأردنية، والذي ينص على عدم السماح لهم بالعمل في أراضيهم التي تقع ما بعد خطوط النقاط التي سيطر عليها جيش الدفاع لإسرائيل، لأن هذا سيشكل سابقة ليست لمصلحتنا وسيقوي الطرف الآخر (…) بغياب أراضي يعملون بها، سيكون علينا توجيه سكان القرية لمصادر معيشة أخرى وايجاد عمل من أجلهم. لكن تواجد قرية كاملة بالمنطقة الحدودية، فيها أكثر من 1700 نسمة يسكنون في مكان اقامتهم السابق بلا أرض أو مصدر رزق لغالبيتهم، هو أمر غير محبذ من جميع النواحي، ولهذا تصبح مسألة نقلهم وايجاد ترتيب لهم لا بد منها”.

كفر قرع تتواجد منذ أكثر من 400 سنة. قبل أن تؤسس الكولونيالية الصهيونية، كان في ملكية السكان 28 ألف دونم: اليوم بقي بأيديهم أقل من 8000 دونم. في المدرسة الابتدائية كنا نختبئ في المغر التي تتواجد بمنطقة المفاحر، هناك كنا نحلم ونخطط لجرائمنا الصغيرة. في المرحلة الاعدادية تجرأنا أكثر وصرنا نقضي الوقت في جبل المكايل في الطرف الغربي للقرية، وأحياناً أقدمنا حتى على اقتحام حقول القطن أو الذرة التابعة لجيراننا من كيبوتس “رجافيم”، ولقطنا السيسع والشومر لكي نسكت جوع امعائنا.

جلسنا تحت شجرة السنديان في جبل المقايل، وجربنا حظنا في تحضير غلايين مرتجلة من كؤوس البلوط. كان ذلك في الصيف. “رأس الملفوف” كان أول من حضر غليونه وبدأ بالتدخين. ضحكات مجموعة من تلاميذ الثانوية، وبينهم أخي الكبير، قطعت علينا خلوتنا. بعد ان انتهوا من التهكم علينا، نادونا لمرافقتهم وجعلونا نقسم بالله وبكل الأنبياء قبل أن يشاركونا بسر “عسكري”. أمرونا بأن نبحث عن كوشوك وأن نحضره إلى نقطة لقاء في منحدر الجبل الذي يطل على حقول الحنطة الذهبية في أراضي منطقة الحوارنة. أِشعلنا الكوشوك، دفعناه في منحدر الجبل حيث استمر بطريقه مباشرةً إلى حقول الحنطة التي راحت تعلو باللهب.

كفر قرع
“بعد عشرات السنين من النضال المستمر، نجحنا مؤخراً في استرجاع الأرض وتحريرها من ايدي هؤلاء الاشتراكيين”، كفر قرع (تصوير رؤوف أبو فنه)

لم نفهم ماذا يحصل. سألت أخي لماذا. فسألني بدوره: “ما اسم هذه المنطقة؟”، قلت: “الحوارنة”. أخي: “لمن تعود هذه؟”، أنا: “لكيبوتس رجافيم”، أخي: “ما علاقة الاسم العربي بمستوطنين جاؤوا من شمال أفريقيا وايطاليا؟”، أنا: “ما القصد؟”، أخي: “اسأل والدك هذا المساء عن سكان كنير”. لكن والدي- مثله مثل غالبية أبناء جيله، جيل النكبة والحكم العسكري، حافظ على صمت تام تقريباً ولم يحكي لنا شيئاً.

كيبوتس “رجافيم” أقيم بسنة 1949 على أراضي قرية كنير الفلسطينية بعد طرد سكانها، وهو يتواجد شمال غرب قريتنا. الواد بالطرف الشمالي لكفر قرع فصل بيننا وبينهم. كأولاد عرفنا بأن ما يقع شمالي الوادي هو لهم وما يقع جنوبه هو لنا. الاشتراكيون، الجيران الجدد الذين فرضوا علينا، لم يكتفوا بغنائم الأرض التي كانت من نصيبهم بل طمعوا أيضاً بأراضي قريتنا. لا أذكر متى بالتحديد ولكنهم بمرحلة معينة سيطروا على أراضي الحوارنة: أرض حبيسة جنوبي الوادي داخل القرية. بعد عشرات السنين من النضال المستمر، نجحنا مؤخراً في استرجاع الأرض وتحريرها من ايدي هؤلاء الاشتراكيين الذين مروا بعملية خصخصة منذ ذلك الحين.

الوادي كان مكاناً لقضاء الوقت تعلم به معظم أولاد القرية السباحة. كان وادي جميل محاط بالنباتات، العصافير والحيوانات. وقد تشكلت به بركتين كان علوها يصل بعد المطر إلى متر وأكثر. بمرحلة معينة قرر سكان “رجافيم” قضم بضعة أمتار أخرى من أراضي القرية، حرفوا مسار الوادي للجانب الجنوبي ووسعوا حقول القطن التابعة لهم ببضعة مئات من الأمتار. بعد عام، جف الوادي تماماً تقريباً، البرك اختفت ومعها النباتات أما العصافير والحيوانات فهجرت المكان الذي تم هدمه. سلطة الطبيعة التي لاحقت سكان القرية الذين كانوا يلقطون الشومر والزعتر والعكوب بالمنطقة لم يسمعوا عن هدم الطبيعة والبيئة الذي قام به الاشتراكيون المتنورون.

في أيام الربيع، كان معلم الرسم ينادينا ويشير إلى الزهور البرية بالطرف الشمالي من القرية ما بعد بئر القرية والوادي. من شبابيك الطابق الثاني كان بإمكاننا أن نشاهد الازهار الملون والمدهش، والموقع الذي يظهر كله مغطياً باللون الأحمر وبداخله بعض النقاط بالأبيض والأصفر. بعد ذلك كان يطلب منا أن نرسم المنظر. تحت هذا الموقع الساحر، تواجدت حقول الذرة التابعة ل”رجافيم”. نفس المعلم كان يأخذنا في جولات بالطبيعة كنا نمر خلالها بحقوق الذرة في بعض الأحيان. كثيرون منا كانوا يستغلون المخبئ الذي منحته لهم نباتات الذرة العالية لاستراق قبلة او ضمة من إحدى بنات الصف. معظمنا تذوقنا القبلة الاولى في حقول الذرة التابعة لجيراننا الكولونياليين.

في أعقاب حرب الاحتلال عام 48، صادرت الدولة الكولونيالية أكثر من 80 بالمئة من أراضي قريتنا لأنها وقعت غربي خط اتفاق وقف اطلاق النار وعرفت كأراضي غائبين. “الغائبين”، أي أهالينا، لم يكونوا حقاً غائبين بل كانوا في قريتهم على مسافة مئات الأمتار عن تلك الأراضي.

أهالينا بقوا مع صدمة النكبة والحكم العسكري، وآمنوا جميعهم بأن “للحيطان آذان”(!). نحن، أولادهم، حاولنا التمرد بطريقتنا، وربما الانتقام قليلاً لأهالينا. بساعات ما بعد الظهر، كنا نتسلل لحقول القطن للجيران الجدد، نعبئ بضعة أكياس ونعود إلى القرية مع ما اغتنمنا. في المساء كنا نجلس لنستمع لقصص الجدات ونفصل ألياف القطن عن البذور والغلاف. من هذا القطن حضرت لنا أمهاتنا المخدات، البطانيات والفرشات.

منظومة الري لحقول القطن شملت خط انابيب من الاومنيوم تحركت على عجلات بلاستيكية وبخاخات مياه. القلة في سنوات الستين كانت من ناحيتنا مصدراً للوحي والابداع. فبين الحين والآخر كنا نتسلل إلى هناك، نفكك بضعة عجلات، نربطها بصناديق خشب من الأسفل، أربعة عجلات لكل صندوق، ونصنع منها عربات. في حي النزلة كنا نجتمع، عشرات الاولاد، مع عربات عجلات القطن ونجري المسابقات. الكثير من الاصطدامات وانقلاب العربات وبعض الخدوش والجروح التي كنا نعود معها والتي لم ينتبه لها أحد إلا أهالينا. في بعض الأحيان، كنا نحلي انتقاماتنا الصغيرة بأعمال مشاغبة مثل تفكيك البخاخات أو دحش الحجارة والنايلون بداخلها.

في بعض المواسم كان سكان الكيبوتس يستبدلون القطن بحقول ذرة لكن هذه الخدعة لم تعثر خططنا للانتقام. ففي موسم الذرة كان بالإمكان رؤية عشرات الاولاد يتجولون في القرية وهم يحملون الدلاء ويبيعون الذرة.

ليس من الواضح لماذا لم تخرج خطط الترانسفير التي اقترحها ز. ليف بسنوات الخمسين إلى حيز التنفيذ. في أعقاب حرب الاحتلال عام 48، صادرت الدولة الكولونيالية أكثر من 80 بالمئة من أراضي قريتنا لأنها وقعت غربي خط اتفاق وقف اطلاق النار وعرفت كأراضي غائبين. “الغائبين”، أي أهالينا، لم يكونوا حقاً غائبين بل كانوا في قريتهم على مسافة مئات الأمتار عن تلك الأراضي. الأراضي التي صودرت أهديت لسكان كيبوتس “كفر جليكسون” و”بنيامينا” التي تطوق القرية من طرفها الجنوبي. في الطرف الشمالي، أقامت الدولة معسكر الجيش “رجافيم” الذي يمتد على 70 دونم تعود بعضها لسكان القرية. المعسكر كان مؤقتاً في البداية ومن ثم تحول لمبنى ثابت ضخم، يشمل مباني تحت أرضية سرية بالإمكان أن نخمن ماذا تخبئ. الرئة الشمالية للقرية سدت تماماً بواسطة “رجافيم” ومعسكر الجيش. شارع رقم 6 استكمل التطويق من الطرف الغربي. في الطرف الشرقي من القرية تقع قرية عارة التي لم يفصل بينها وبين قريتنا شيء قبل الكولونيالية الصهيونية. لكي يغلقوا الغيتو، أقاموا لنا معسكر تدريبات للجيش يقف بيننا وبين عارة، وهكذا استكمل الحصار على القرية وتم إغلاقها بحلقة خانقة بما لا يعيب دولة إسرائيل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.