أَنَا مِنَ الْيَهُود

بَيْنَمَا كُنْتُ أَسِيرُ في الشَّارِع، ارتَدَّ إليَّ النُطْقُ العربي الذي كان يَتلفظُ بِهِ جَدِّي أَنْوَر رحمة الله عَلَيه، وكَمْ حاوَلْتُ أن انتزعه مِن داخِلي، وألقي بِهِ في واحِدة من سِلال القُمامة العامَّة لكن دُونَ جَدْوَى. قصة قصيرة مترجمة عن العبرية.
ألموج بيهار

من العبرية: مُـحَـمَّـد عَـبُّـود

(١)
فِي تِلكَ الْفَتْرَةِ انْقَلَبَ لِسَانِي، وعِندَ حُلُول شَهْر تَمُّوز الْتَصَقَ بسَقْف حَلْقي، ثُمَّ رَاحَ يَنزَلِقُ بَعِيدًا على صَفْحة الحَلْق حتى وَصَلَ إلى النُطْقِ العَرَبي. وبَيْنَمَا كُنْتُ أَسِيرُ في الشَّارِع، ارتَدَّ إليَّ النُطْقُ العربي الذي كان يَتلفظُ بِهِ جَدِّي أَنْوَر رحمة الله عَلَيه، وكَمْ حاوَلْتُ أن انتزعه مِن داخِلي، وألقي بِهِ في واحِدة من سِلال القُمامة العامَّة لكن دُونَ جَدْوَى. حاوَلْتُ مخلصًا أن أُخَفِّفُ حَرْف العين مِثْل أُمي الَتي فَعَلَتْ ذلك في صِبَاها حِيَال المُدَرِّسِينَ ونَظَراتِ التَلامِيذ، لكن الغُرَباء الَمارُونَ في الطَرِيق ثبّتُونِي في مَكانِي، حاوَلْتُ أن أخفّف حَرْف الحاء، وأَنْطَقَهُ خاء، حاوَلْتُ أن أُبُاعِد بَيْنَ الصادِ والسّين، حاوَلْتُ الفَرَارَ مِن هذه القاف العِراقِيَة، لكن لَمْ تَنْجَح مُحاوَلاتِي. وَبَدَأَ رِجال شُرْطة يكسو الحَزْم مَلامِحَهُم، يَمُرُّونَ أَمامي في شَوارِع القدس، يُشِيرُونَ إلَيّ، وإلى لِحْيَتِي السَوْداء بِأَصابِع مُتَوَعَدة، يَتَهامَسُونَ فِيمَا بَيْنَهُم داخِل سَيَارَاتِ الدَوْرِيَّة، وبَدَءُوا يُلْقُونَ القَبْضَ عَلَي، ويَسأَلُونَنِي عَن اسْمِي، وهُوِيَّتِي. أَمَّا أنا فَكُنْتُ أَرِيدُ أن اسْتَوْقَفَ كل شُرْطِيِّ يَمُرُّ أَمامي، وأُشْهِر في وَجْهِهِ بِطاقة الهُوِيَّة، مُشِيرًا إلى خَانِةِ القَوْمِيَّة، لأقُولَ لَهُمْ، وَكَأَنَنِي أَبُوحُ بِسِرّ سَيُنْقِذُنِي مِن تُهمَةٍ بَشِعَة: “أَنَا مِنَ اليَهُودِ، أَنَا مِنَ اليَهُودِ”.

لَكنَّ بطاقة الهُوِيَّة اخْتَفَتْ فُجْأَة، اختفت في اللَحْظة الَتي كُنْتُ في أَمَسّ الحاجة إِلَيْها. فبدأ رجال الشرطة يَعْتَقَلُونني صَباحًا وَمَساءً، ولا يُوجِدُ في مِحْفَظَتي شَهادةٌ واحِدةٌ ترضى الدِفاع عَنِي. في البيت، كُنْتُ أجد بطاقة الهوية مطوية بين وَصْلَيْنِ، أَنْظُرُ إِلَى جَيبِ المَحفَظَةِ الخَارِجِي فَاكتَشِفُ أَنَّ رُخْصَةَ القِيادة تُطِلُّ مِنه وَكَأَنَنِي كنت على وُشْك إِخْراجها لأَمْر ما، وفي الحَقِيبة التي أحملها على ظَهْري، وَجَدَت شَهادة خِدْمة الاحْتِياط مُتَوَارِيَة بين كَوْمة من الوَثائِق، وكأنني نَسِيتُها هُناكَ دون قَصْد. لكن عندما تسمّر رجال الشرطة أمامي، لَمْ أعثُر على شهادة أو وَرَقة واحِدة تُخبِرهُمْ عن مَاضِيِيَّ ومُسْتَقْبَلِي، حينها كنتُ أَشرَعُ في اسْتِخْدام الهاتِف؛ أَقُولُ لِلْشُرْطِيّ، اسْمَعْ: أَمْسِ فَقَطْ تَبدَّلتْ لكْنَتي وصارَت أَشْبَهُ بِاللغة العربيّة، أَمْسَى لِسَانِي ثَقِيلا، لكِنَها ليست لكْنة فلسطينية، إنها عراقية، وأَنْتَ أَيضاً، لا يَبْدُو لِي أَنَكَ تَعَلَّمَتَ “اليديشية” فِي بَيْتِك، رَبَّمَا تَعَلَّمَتَهَا فِي مَكَانٍ خَارِجِي، وعُمُومًا رُبَّمَا كَانَ جَدَّكَ يَتحدثُ بلكْنة مُشابَهةٍ للكنتي. اسمع، سَأَتَّصِلُ حالا بِأَصْدِقائِي، وَسَتسمع بِنَفْسك طَرِيقة نُطْقهم الرائِعة، أنهم يَتَحَدَثُونَ العِبْرِية كَما يَجِبُ أن تكون، بِدُونَ أَيّ لكْنة، وَإِذا كَانَ هؤُلاء هم أصدقائي فَلَكَ أن تَتَخَيَّلُ مَنْ أَكُونُ.

لكن فجأة أصدقائي الاَشْكِنازيم – اليهود من أصل أوروبّي – لم يُجيبونني أَلْبَتَّة، لَمْ يُنصِتٌوا لِجَرَسِ هَاتِفِي المُتَوَسِلِ، كَانُوا يعاودون الاتصال بي في المَساء، أَوْ صَباح اليَوْم التَّالي، يسألُونني ماذا كُنْتَ تُرِيد، وَيَرْفُضُونَ تَمْيِيز نَبْرة صَوْتي. وظَلَلْتُ واقفا أَمامَ رِجال الشُرْطة وَحِيدَاً، وَشَرَعْتُ أتصل بأصدقائي التونسيين والحلبيين والطرابلسيين، وأَقُولُ رُبَّمَا لا يَنْطِقُ هؤلاء العِبْرِية الأَنْقَى، ليست العبرية كما يَجِبُ أن تَكُون، لكنها على كل حال أَفْضَل من العبرية الَتي أَنْطِقُها الآن. وَالْحَقُّ، أنهم كانوا يجيبونني فَوْرًا، لَم يَتَلَكَئُوا في الاسْتِجابة لِجرس هاتفي، لكن فَجْأَة  صَارَ نُطقُهم عَرَبِيَاً ثَقِيلاً جِدًا، وَفِي تلك اللَحْظَةِ بِالذَات تَرَدَّدَت ورائهم تَقَاسِيمُ عُودٍ مُتَعَثِرَة، أَو رُبَّمَا نَشَاز عَلَى القَانُون. كَانُوا يُحَيُّونَنِي- بالعربية-: “أهلا بك”، ويُنَادُونَنِي “يَا حَبِيبِي”، ويَسأَلونَنِي “إِيش لُونَك”، ويُودّعُونَنِي بـ”سَلامتَك”. ماذا يَفعَلُ رجالُ الشُّرطة، بَعْدَ أن أَضَاعَني أصدقائي؟ كيف يُصَدِّقُونَ أنني ابن يعقوب، ولست من أبناء إسماعيل؟!

رأيت هناك مُجددًا أَثْرِياء فلسطين، كانوا هناك مثلما كانوا قبل حرب ٤٨، كما لو أن حرب ٤٨ لم تحدث. أراهم يسيرون في الساحات بين أشجار الفَاكِهَة، يَقطفُون الثِمار، وكأن الصُحُف لم تحذّرهم من التسبُّب في ذُبُولِها، لأن الأرض سَتمتلئ بِاللاجِئِين.

عندئذ، كَانُوا يَشرَعُونَ في تَفْتِيشِي بِبُطْء، يفتشون مَلابِسي، يعبرون على جَسَدِي بِكَاشِف المَعَادِن، يجردوني بصَمْتهم المُطْبَقِ من كَلِماتي وأَفْكاري. يفتشون تَحْتَ طَبَقات جَلْدي عن حِقْدي الدَفِين، يَركضُون بأَقْصَى سُرْعة وَراءَ الأحزمة النَاسِفة، الأحزمة الناسفةُ التي في قلبي، ويفرحون كُلَّمَا أَبْطَلُوا مَفْعُولَ رَغْبة مَشْبُوهة بِداخِلي. كَانَ رِجَالُ الشّرطَة يَقتَربُونَ مِني مَثْنَى مَثْنَى، وَعِندَمَا يَطُولُ وَقْتُ التَفْتِيش، يَقُولُ أَحَدهم لِزَمِيلِهِ: انْظُر إِنَّه مَخْتُونُ، حَقَّا يَبْدُو يَهُودِيًا هَذَا العَرَبي، فَيَرُدُّ زَمِيلُهُ: العَرَبُ أَيْضًا يَخْتِنُونَ، والأحزمةُ الناسِفةُ ليس لَها عَلاقة بالخِتانِ، ثُمَّ يُوَاصِلُونَ التَفْتِيش. والحَقِيقة أنني في تِلكَ اللَحْظة التي أَسْلَمْتُ لَهُمْ فِيها جَسَدي، رَاحَت تَتَكَاثَرُ حَوْلَ قَلبِي أَحْزِمَةٌ نَاسِفَة، أَخَذَت تَتَوَرَمُ وتَنتَفِخُ، وتَأْبَى أن يبطل مَفْعُولَها، وشَرَعَتْ تَزْأُرُ وتزأر. لكن لأنها لم تكُن مَصْنُوعَة من الصُلْب، أو البَارُود، أَفْلَحَت في التَمَلُّص من أَجْهِزة كَشْف المَعادِن.

أخيرًا، عِنْدَما كان رجال الشرطة يتركونني وشأني طليقًا، لكن لست بريئًا، كنتُ أُوَاصِل طَريقِي وأَسِيرُ في شارع “مَارْكُوس” المُؤَدِي لمَسْرَح القدس مُرُورا بِمَبْنى القنصلية البلجيكية الفَخْم، والمَيْدان المطْل على شارع جابوتِنْسْكِي. كُنْتُ انتظر هناك لِمُشاهدة فيلم أمريكي حاصِل على عِدَّة جَوائِز أوسكار، لكن فُجْأَة لم يكن هناك مَسْرَح في نِهاية الشارع، وفجأة لم يَكُن هذا شَارِع “ماركوس”، كان شَارع يَحمِل اسما عربياً، وعَادَت البيوت لتكون عربية، وكذلك القنصلية البلجيكية، والناس في السَاحَاتِ، والعَائِلات، حتى العَائِلات أَصبَحَت عربية، ليسوا مُجَرَّد شُبَّان يعملون في المِعْمار، وليسوا مجرد جامعي قمَامَة، أو عُمَّال تَرمِيم.


(٢)

ذَهَبْتُ لأتجول في شوارع حَيّ القَطَمون وفي شوارع الطالبية والبقعة، وبَدَلا من أن أرى أَثْرِياء القدس يَجلِسُون في البيوت الرَحبَة، وبدلا من أن أقرأ أسمَاء الشَّوارِع العِبرِية: “كُوفْشي هَقَّطمُون- غُزَاة  القَطَمون”، و”يُورْدي هَسِّيرَا- مفقودي القارب”، رأيت هناك مُجددًا أَثْرِياء فلسطين، كانوا هناك مثلما كانوا قبل حرب ٤٨، كما لو أن حرب ٤٨ لم تحدث. أراهم يسيرون في الساحات بين أشجار الفَاكِهَة، يَقطفُون الثِمار، وكأن الصُحُف لم تحذّرهم من التسبُّب في ذُبُولِها، لأن الأرض سَتمتلئ بِاللاجِئِين. وبدا وكأن الزَمَن سار باِتِّجاه تارِيخ مُغاير، مُخْتَلِف، وتَذكَّرتُ أنني سألتُ أُمِي لِماذا نَتحدَّث كَثِيرًا عن التاريخ، كَفانا تاريخا، يكفينا ما حدث لنا من التاريخ، هذا التاريخ يَكبِلني ويكبلك، لا يترك فِيَّ شَيْئًا، ولا يترك لَكِ شَيْئًا أَيْضًا.

حَقًّا، لقد تَجمَّدنا في تاريخنا، لكن ها هُوَ التاريخ سار للَحْظة فِي اتجاه مختلف. وصِرتُ أتجول في شوارع أَثْرِياء فلسطين، وَظَنَنْتُ أنهُمَ رُبَّمَا يُعامِلُونني بِاحْتِرام، على عَكْس رجال الشرطة، وتَمَنّيتُ أن أحكي لَهم كَم قرأت عن الأدِيب والمُرَبِّي خَلِيل السَكَاكِينِي، وكم وَدَدْتُ أن أُصَادِق أَحْفاده، كُنْتُ أسير بينهم، أقترب من الأَفْنِية لكن لم أَسْتَطِع الاندِمَاج معهم، فَكُل مَا بِحَوْزَتِي العبرية فَقَط بلكْنة عربية، أَمَّا لُغَتي العربية، التي لم أتعلمها في البيت، بل تعلمتها في الجيش، أصبحت فُجْأَة خَرْساء، مَخْنُوقة فِي حَلْقي، تَلعَن نفسها دُونَ أن تَصدُر كَلِمَة، تَنَامُ فِي الهَواءِ الخَانِقِ الذي يَجرِي فِي مَلاذَاتِ نَفْسِي، تَخْتَبِئ عن أَنْظار أَفْراد أُسْرَتِي خَلْفَ سَتَائِر اللُغة العبرية. وكُلَّما حاوَلْتُ أن أتحدث إليهم بِبَعْضِ الكَلِمات العربية القليلة، المُتَلَعثمة التي تعلَّمتها، كانَت تَخْرُج من فمي عبرية بلكنة عربية، حتى ظَنُّوا أنني أَسْخَر مِنهم، ولَوْلا أن لكنتي بدت عراقية جِدًا، لولا هذا فَقَط، لَتَأَكَّدُوا أنني اسْتَهْزَأَ بهم حقًا.

لكن هذه اللكنة حيَّرتهم، ظنوا أنني أسخر من العِرَاقِيِين، وَالصَدَّام حُسينيين، أَوْ رُبَّمَا أنا عراقي قدِيم، ضاعَتْ لُغَته، وبَقِيَتْ لكْنَته. لم اكتَسِب أَصْدِقاء هُنَاك، رَغْمَ رَغْبَتِي فِي ذَلِك، وتَذكَّرت أنني سمِعت عمًّا لي يقول ذَاتَ مَرَّة إن هؤلاء العرب المُقيمون في أَحْياء القدس المُوسِرة “أَفَنْدِيَّة”، يَرْتدون بِذَلات غربية ويَعْتَمِرُون الطَرْبُوش، وسَمِعتُ يَوْمَئِذ كلمة “أَفَنْدِيّ” بِنَبرَةٍ تَشِي بالاحْتِقار، رَغْمَ أنني أستطيع أن أتذكَّر جيدا الآن، أنه لم يَقصِد ذلك، لكنني سمِعتُ فِيها نَبْرة احْتِقار، وكأنني أحد جُنُود “البَالْمَاح” يَنْتَعِلُ صَنْدَلاًَ، ويَرْتدي بِنْطَالا قَصِيرًا، ويَسخَر من الإقْطَاعِيّين العرب، ويَمْتَدِحُ اشْتِرَاكِيَّته المُقَدَسة، التي يؤمن بها كل الصَهَايِنَة. قال لي عمّي: هؤلاء أَفَنْدِيَّة، تَعْبِيرًا عن احْتِرامه، لكن ضَاعَت مِنِي لُغَتهم، وهم لا يَعْرِفُون لغتي، وَفَصَلَت بَيْنَنَا أَنْظِمةُ الحُكْم، وتَبَاعٌد الأَجْيال.

في طريق عَوْدَتِي لِلبَيْتِ، لم يَسْتَقْبِل لكْنَتِي جيدا سِوَى سائِقِي الحافِلات، فهم يُدْرِكُون صُعُوبة تَوَقُّع لكنة كل راكِب يَصْعَد إلى الحافِلة في القدس. ولم يَدرِ قلبي أنني عدت إلى قلبي، لم يدر، ولم تدر مَخاوِفي أنها انْقَضَّت عليَ، لم تدر.


(٣)
وَهَكَذَا تَبَدَّلَ صَوتُ جَدِّي بصَوتِي، وفجأة بدأت الشوارع التي اعْتادت مَوْته وغِيابه، تَسْمَعُ صوته من جَدِيد، وفَجأَة خرج من داخلي هذا الصوت الجميل، الذي كان مَسجونًا في ماضِيَّ، خرج لا يَتسَولَ الصَّدَقَات، ولا يَستَجدِي الفُتات، إِنَّهُ صَوتِي، صَوتٌ قَوِيٌ ومُرْتَفَع. وشَوَارِع القدس التي اعتادت صَمْتي، وصمتنا، وجدت صعوبة بَالِغة أمام هذا الحديث، وراحَت تَكتُمُ هذا الصوت، تُسكّته شيئًا فشيئًا، وتقول له احذر، وتقول لي احذر ، تقول له أنت غَرِيب عنا، وتقول لي يكفيك صمتك. وبالرَّغْمِ مِن خَوْفي، وبالرَّغْمِ مِن أَنَّ هَذا الصَوت كَانَ غَرِيبَاً عَلَي أيضاً، وداهَمنِي بعد جِيلَيْن من الغَفلة، فإنني رَدَّدتُ كل كلماتي بهذا الصوت، لأنني لم أتمكَّن من مُواصلة الصَمْت، كان بِداخلي كَلام يرِيد أن يخرُج، وكانت كلِماتي تتغيَّر لَحظة خُروجها من الحنْجَرة. وظَنَّ الغُرباءُ الذين لا يَعرِفونَني أنني حَفِيدٌ مُخْلِصٌ، ولم يُدْرِكوا كَم تَزَودتُ بالنِسيَانِ، وتَخَففتُ مِنَ الذَّاكِرَة عَلَى مرّ السنين، لم يَتَصَوَّروا إلى أي مدى انْطمستْ ذاكِرتي، وكَمْ سَنَة مَرَّت دُونَ أَنْ يَأتِي ذِكْر جَدَّي عَلَى لِسَانِي.

عِندما رجعت إلى البيت من جَوْلتي الأولى في الشوارع بطَرِيقة نُطْقي الجديدة، وبعدما فتش رِجَالُ الشُّرطة جسدي كله، انْدَهَشَت زَوْجتي من طريقة نطقي، وأَثْناء حَدِيثها معي، ونَصائِحها بأن أكَُفّ عن ذلك، بدأت تَنْتَقِل إِليها مَظاهِر العَدْوَى، وظهر على شفتيها خَلِيط من نطق يَمَنِيّ تَرجع أُصُوله لعَرَبِيَةِ أبِيها، وآخر اسْطَنْبُولي يَرجِعُ لليَهُودِيَةِ الإسبَانِيَةِ التي تَحدَثتَها أُمهَا. وبعد عدة أيام صَارَت تَعُودُ من عملها، وتَحكِي عن المَخاوِف في الأَقْسام من انْتِشار وَباء مُعْدٍ بين أفراد مكتبها، لقد بدأت طرق النطق القديمة تخرج للنور، بعد أن ظَنّوا كل الظن أنها اختفت. غير أنَّ خبراً صَغيراً في زاوِية مُهْمَلة باحدى الصُحف الكُبْرَى كَشَفَ أن مَسئولي الأمن يَتحرّون من الذي نقل عدوى طرق النطق المَحْظورة، وتَعَالىَ النُواحُ على ضَياع مَجْهود خمسين عاما من التَعْليم الناجح، وتَزَايَدت المخَاوِفُ من امتلاء البِلاد بالعرب، الكَثِير والكَثِير مِنَ العَرَبِ، لذلك قَرَّروا أن يُزوّدوا الإذاعة بقُرّاء نَشْرة يَنطِقون لغة عبرية سَليمة ومُنمّقة، حتى يضمنوا أن نَشعُر نحن بأننا غُرباء بِسَبَبِ طريقة نطقنا.

بَعدَ قَلِيل، رَاحَت زوجتي تَشرَحُ لي بصوت مُرتجف، تَارَة يَنجَذِبُ شَمَالاً نَحْوَ مَضيق البُوسْفُور، وتَارَة يَنجَرُّ جَنُوبُاً نَحْوَ خَلِيج عَدَن، أن هذه الجِنِّي تَلَبَّسَ الاَشْكِنازيم أيضا. لكنها تنبأت أن إِيقاع التَغْيِير عندهم سيسير ببُطْء، لأن أولادهم مُقتَنِعُونَ أَنَّ لَكَنَات آبائهم وأَجْدادَهم كانت في الأَصْل أمريكية، كما أن ذاكرتهم القريبة لا تَصِلَهُم بطرق النطق القديمة، ولكن عَمَّا قَرِيب سنسمع في الشوارع مُجددًا، اللكنة البولندية، والمَجَرية، والرومانية، والألمانية، والأوكرانية، وهَذَا أَكثَر ما يُخِيفُ مسئولي الأمن، إنهم خائفون فعلا، فعندئذ لن يَجِدوا قُراء نشرة يُرسِلونهم إلى جيوش الإذاعة، لن يجدوا معلمين يُلقّنون أبناءنا طريقة النطق السليم.

نهر دِجلة لا يجري في القدس، وهدير مِياهه لا يُلجمُ الحدُودَ التي تُغيرُ علينا، الحدود التي تَفصلُ بَينِي وبَين نَفسِي، لا أنا هُنَا ولا أنا هُنُاك، لا شَرق ولا غَرب، لستُ شَرقيًا فِي الغَرْبِ ولا غَربيًا في الشَّرْق، لَستُ صَوت الحاضر، ولا أَصوَات المَاضِي،

وعلى الرغم من تنبئِها بمَوْجة عظيمة من التغييرات، فإن والديَّ وقفا صامِدَين أمامي، وأمام ضَرَبَات الوَبَاء، ما زالا يَتذكّران السنين، والمجهود الذي بذلاه لاكتِساب طريقة نطق صافِية، ثم بدءا يلمحان لي، بحَزْم، أن أكُف عن ذلك، ويُذكِّراني بمُستقبلي الدراسي. تَوسَّلا إليّ، لكن ماذا أفعل؟ كيف أستطيع أن أُخْفِي حَنيني، وقد تَجسَّد حنيني فجأة في هذا الصوت الغَريب عني، وأَشعُر بالضِيق والأَسَى لأنه يَصدُر عني، لكنني لا أستطيع إيقافه بقَرار في لَحْظة واحدة، فَهَذا الصَّوتُ لا يَحجِزُهُ حَاجِز ولا يَعُوقُهُ عَائِقٌ. إذا واصَلت التَحدُّث بهذه اللَهْجة، لن تَحصُل على مِنح دِراسية، قالها أبي، وكان صادِقًا. إذا لم تَعُد إلى لهجتنا السَلِسة فلتَتحمَّل ما سيَحصل لك، قالتها أمي وكانت مُحِقَّة، في كل مُقابلاتي، كان المحاضرون والمحاضِرات مُندهشون من طريقة نطقي، يُحاوَلون أن يَعثُروا بداخلي على لكنة أُخرى، تكون أكثر مُلائمة للجَوّ الجامِعيّ، على الرغم من أن الكلِمات كانت هي الكلِمات نفسها لكنها ثَقيلة ومضطربة. كيف ستُواصل دراستك، إذا تحدثت بهذه الطريقة، قَالَ لِي والدي وأَلَحّا عَليّ، لكن ماذا يمكنني أن أفعل؟ إنهماَ خائفان على مستقبلي فعلاً، لكن ماذا عن سَكينة قلبي المَهْدودة، وأحجَار قلبي المنهارة وأَرْكَان قَلْبِي المَشحُوذَة، لم يتمكّنَا من مُساعدتي، ولا رفع حُكْم القَدَر عني.

في تلك الأَثْناء تزايد قَلَقُهما، لكني لم أصغ  لحديثهما، وأَصْبحت لُغَتي صمّاء، وأَصْبحت أشعر أن لهجتهما غريبة عني، وصرت اسْتمْتع بمُرور الأيام والشُهور، وراحت ِنُبوءات زوجتي تَتحقّق، وشوارع القدس تتغير أمام ناظري، لكن أبي وأمي وحدهما تَجمّدا في مكانهما بلا أي تغيير. وأطلعت زوجتي على سِرِّي: “بدأت في كِتابة قِصَصي بالحُروف العربية، سيَشعُر المسئولون في الأَقْسَامِ الكُبرَى بالصَدْمة مرة أخرى”. وعادت زوجتي بعد عدة أيام إلى البيت لتحكي لي أن رُؤَساء الأَقْسام ضَحِكوا، وقالوا، فليكتب، ليكتب قصصًا، هو وحده يستطيع قِراءتها، لن يقرأها أبواه، ولا أبناؤه، وكذلك أولادنا لن يَتعرَّضوا للخَطَر. وسنَمنِحه، لو أراد، جَمِيع الجَوائز الحكومية فِي الأَدَبِ العَرَبي، دون أن نَقْرَأ كَلِمَة مما كَتَبَهُ.

صَدَقَ رُؤَسَاءُ الأَقْسام بالطبع، وشرعت زوجتي تَتكهن بما سيحدث مستعينة بأمثال يهودية-إسبانية، وتقول لي هذا المثل كانت تردده أمي، صَحيح أنني لا أتذكر كيف كانت تَقُولُهُ بِلُغَتِهَا، لكنني اتذكر طَرِيقَة نِطقَها. “إنَِّهَا حَلاوَة رُوح” هَمَسَت بالمَثَل، ثُمَّ شَرَعَت تَشرَحه، إننا نَعِيشُ لَحَظَاتِ الاحتِضَار، لا لَحَظَات بَعْث الموتى، وكِبار المسئولين في الأَقْسام يعرِفون ذلك، لذا قرّروا أنه لا داع للقَلَق، سيكون شَرْط قَبُول الموظفين في المَناصِب هو إِتْقانهم للنطق العبري السَلِيم، وعلى كل شَخَص أن يُفكّر مَرَّتَيْن حتى يَضمَن مَصدَر رِزْقه، ولُقْمة خُبْز يُعِيل بِهَا أُسْرته، وبهذه الطَرِيقَة تَعُود اللُغَةُ العِبرِيَة المَأْلوفة، وكأنَّ شيئًا لم يكن.


(٤)
بَدَأَ قَلبِي يَطبَعُ بَصمَتهُ عَلَى طَبقَاتِ صَوتِي، أقُولُ هذا صَوتِي، وهذا ليس صَوتِي، هذا حَرْف لام يَخرجُ من فَمِي، وهذه قَاف غَريبَة عَن قَلبِي. كنتُ أبطئ إيقاع أفكاري، لكي أفكر وأتأمّل في أفكاري نفسها، لكن لم يكن لديَّ وَقْت، فَرُحْتُ أنثر الكلمات مع الرِياح مثل مِلْح البحر الذي لا ينثره داخل البحر أحد. وكان جدي يكلمني، ويسألني بصوتي: أليس لهذه القصة نهاية؟ لماذا يختلِط تاريخي بتاريخك؟ كيف جئتُ لانتهك حياتك بهذه الطريقة؟ أنا من جِيل الصحراء، كيف تَقُومُ وتُبعَثُ فيَّ الحياة؟ إنك الجيل الذي انْتظرناه، انتظرنا ألا يفصل بين ماضيه وماضي مُعَلِّميه، لأن ماضينا مُؤْلِم جدًا، لقد بقيت في الصحراء آكل الطُيور الجوارِح من أجلك، حتى لا تتذكرني، حتى لا تتألم مثلنا، كيف تَعُضّ بالنواجِذ على كلماتي مرة أخرى؟ وأين؟ في القدس، حيث لا مقاهي، ولا نهر دِجلَة يَجرِي فِي المَدِينَةِ نَاثِرَاً الرحمَات، أنا لم أمُت في القدس، ولا في مَسْقَط رَأْسي، لقد مُتُ في الصحراءِ الفاصلة بينهما، صحراء الصَمْت.

يا حفيدي، أَعِد تقسيم قلبك، اجْعَلهُ شُعبةً شُعبةً، وأسكنني في إحدى الشُعَب الخَفِيَّة، وعش أنت في بَاقِي الشُعَب، أو اعبُر إلى شُعْبة الصمت، لأن التغيير الذي تَحسَبُ أنه يحدث بسيط لِلْغاية، وحتى لو ظهرت لَكْنَة مختلفة ماذا سيحدث، هل سأُبعَثُ من جَدِيد؟ هل ستَعِيش أنت حَيَاتِي من جَدِيد؟ كَفاكَ مَا حَدَثَ لك في الشَّوارِع، اذهَب إلى وَالديك، لن تُقنِعهُمَا طريقة نُطْقِي، إنَّهما يعرفناها جيدا، وسبق أن تمرّدا عليها ألف مرة. رّبما يَغرسُ صَمْتُك في قلبيهما خَوْف الحاضر من الماضي والمستقبل. لماذا لا تعرض عليهما قصتك، ربما يَستفِيقا. قال لي جدي هذه الكلمات وهو يَستحلِفني، تقريبا، بكل الأمْوات.

بدأت أَعُدًّ أَوْقات صمْتي: هَذَا صَمتُ يَوْم، هَذَا صَمتُ أُسبُوع، هَذَا صَمتُ شَهر مَسجُونٌ بإحْكَامٍ دَاخِل جُدْران البَيت، لا أَفتَحُ فَمِي، لا أفتحُ نَافِذة، ولا يَدخُلُ الهَواءُ غُرْفتي. انفَصَلَتُ عَن الدُّنْيَا، وَانفَصَلَتُ عَن الآخِرَةِ، لا يَزْدَادُ شَيءٌ، ولا يَنْقُصُ شَيءٌ. احْتَوَى الصَّمتُ كُل شَيء- حَتَى الصَوْت- وغَرَقَت كَلِمَاتٌ كَثِيرة فِي الصَّمْت. ولم أَعُد حَاضِرا، ولم أعد موجودا، ولم تعد هناك نهاية لقصتي، حتى بِداية القصة نفسها تلاشت.

وظَلَلتُ صامِتًا فَتْرات طويلة، حتى قال لي والدَيّ، تحدث، إذا لم تتحدث لن تحصل على منحة، كيف ستواصل تعليمك، وماذا تفعل في مستقبلك؟ أين اِبْتِسامَتك، فِي أَيِّ مَخبَأٍ اخْتَفَت؟ تحدث..تحدث، بأية لكنة لأننا أصبحنا نخاف الصمت.


(٥)

نهر دِجلة لا يجري في القدس، وهدير مِياهه لا يُلجمُ الحدُودَ التي تُغيرُ علينا، الحدود التي تَفصلُ بَينِي وبَين نَفسِي، لا أنا هُنَا ولا أنا هُنُاك، لا شَرق ولا غَرب، لستُ شَرقيًا فِي الغَرْبِ ولا غَربيًا في الشَّرْق، لَستُ صَوت الحاضر، ولا أَصوَات المَاضِي، ماذا ستكون النهاية؟ أَسِيرُ في الشوارع أبْكَما، شبه أَصَم، وهذه المرة مَلامِحِي فقط هي التي تُزعِجُ رِجَال الشُّرطَة، لِحيَتِي الكَثِيفَة فَحَسْب، وإَصْرَارِي عَلَى ألا أُخرجُ كَلِمَة مِن فمي، ويَمُرُ شهر تموز مرة أخرى، ويحتضِر بداخلي. وبالرغم من الحَرِّ، ارتدي مِعْطَفا لأُخفِي الأحزمة الناسفة التي في قلبي. ونَتِيجة إِخْلاص رجال الشرطة لعملهم يَقْتادوني إلى المُعْتَقَل، ويأتي والديَّ في أثري، ليعرفا أين احتجز ابنهما.

التزم الصمت أمام والديّ، ماذا يَفْعَلان معي؟ أنا صامت في حُضُورِهِمَا، وأدفع إليهما بكل قصصي التي أخفيتها عنهما، ألمحُ لهما: هنا كتبتُ عنك يا أمي، وهنا كتبتُ عنك يا أبي. ها أنا أكتب قصائد احتِجاجية على العبريّة بالعبرية، أُزِيدُ من استخدام الرموز، فليس لدي لغة أخرى استخدمها، من شدة الخِزْي لم تورثا لي شيئا. وهذا العَصْر يحرمني من نظم الشِعْر، وفي اللحظة التي يَحْتشدون فيها ضِدّي زمرا زمرا، يحتشدون ضدكم أيضا، واللغة التي أَضحَت لغتي تلزمني أن أبث شجوني من خلالها، وأن أصيرُ نايًا أجوفًا تُرسل فيه أنفاسها، حتى نعزف مَعًا نغمة واحدة، ونَصِيرُ سوياً ناياً جَريحَاً، ونَرطُن بلغة أخرى كنا قد فقدناها. والحقيقة أن القصة نفسها تتكرّر مرات ومرات. كم قصة في ذاكرتي يا أمي، كم قصة في ذاكرتي يا أبي، كم قصة في جعبة الإنسان؟ إنها نفس القصة، يحاول كل مرة أن يَروِيها بكلمات مختلفة، يحاول كل مرة أن يَفك بعضا من شفْرة القصة المستعصية على الحل. ألا تميّزان قصتكما هنا؟! مع هذا لقد  أَخبَرنِي صَمتكُمَا ببَعضٍ مَن الإِجَابَة. الآن فقط حاولتُ أن أكتب القصة بالنطق العربي، لكن ما نتيجة ذلك، انظرا أين نقف. خذا قصتي وأقرآها، يا أمي، يا أبي، اقرءا كل قِصَصي التي أخفيتها عنكما سَنوات طَوِيلَة، فأنتما تُعانيَان من الغُرْبة نفسها، ومن الصمت نفسه، ومن نفس الشعور بالاغتراب بين القَلب والجَسد، بين التَفكِير والنطق، اقرآها فربما تعرفان كيف يمكن حل هذه العُقْدة.

وفي أول كلام يصدر عن والديَّ تنكّرا إليّ، قال أبي هذا ليس ابننا، ولم نربّي هذه اللحية، قالت أمي نحن لا ننطق بهذه الطريقة! وقالا في نفس واحد للموظفين، كيف يكون ابننا، وليس لدينا من يرث منه هذا النطق، لا من أقربائه، ولا من جده أنور الذي مات قبل ولادته، إنه ليس ولدنا، ثم ألمحا لي في كلامهما: إن لم تَتَغيَّر، سنَعُودُ إلى البَيتِ مُحبَطَين للأبد، وإذا تَحَسنَ نُطقَك وتَراجَعتَ عن القصص، عن هذه القصة، وعن هذه اللَكنة، وعن هذا الصَمت، وتحدثتَ معنًا بلغتنا، سنَبقَى هنا معك حتى يَقْضُوا بخروجَك حُرًّا، أو يَحكمُوا عَلَينَا جَمِيعًا.

ولم يدرِ والدَيّ أن مَحَبتِي عَادَت تَستَحوذُ عَلَى قلبيهما، لم يدرُوا, ولم يدرُوا أن كُل مَخَاوفهما ارتَدَّت إليّ، لم يدرُوا.

للاطلاع على الدراسة التي أعدها المترجم حول العمل.

*حاز العمل على الجائزة الاولى بمسابقة القصة القصيرة لجريدة “هآرتس” عام 2005، وصدر عام 2008 ضمن مجموعة قصصية تحمل نفس الاسم.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.