أبطال في الحلبة الرياضية أما خارجها فليسوا إلا مجرد "زنوج"

في عام 1968 شهدت نيويورك احد أهم الاحتجاجات السياسية في عالم الرياضة وفي تاريخ النضال الاسود ضد عنصرية المؤسسات الرياضية الأمريكية. عودة إلى حراك المقاطعة وقبضة اليد التي رفعها تومي سميث وجون كارلوس. الجزء الأول.
يوسي ادري

 

في الشهر الماضي، وتحديداً في 16.2، مرت 49 سنة على المقاطعة التي نظمتها حركة Olympic Project For Human Rights للمسابقة السنوية لنادي نيويورك للألعاب الرياضية الذي رفض قبول السود واليهود لصفوفه. قد تكون هذه الذكرى فرصة جيدة للتذكير بالنشاط الهام والريادي لتلك الحركة التي طمحت للإجراء مقاطعة كاملة من قبل الرياضيين الأفرو-أمريكان للألعاب الاولمبية في مكسيكو-سيتي عام 1968، احتجاجاً على التمييز العنصري المستمر ضد السود في الولايات المتحدة، ولتفنيد التوجه الذي يصور الحلبة الرياضية في الولايات المتحدة على أنها حيز للتقدم الاجتماعي والانسجام بين الأعراق.

حركة OPHR معروفة بالأساس بفضل اثنان من نشطائها، العدائين تومي سميث وجون كارلوس، اللذان قاما بعد حصولهما على الميداليات الذهبية والبرونزية برفع قبضتهما التي ارتدت قفازات سوداء من على منصة التتويج وبطأطأة رأسيهما عندما أسمع النشيد الوطني الأمريكي (الحدث الذي تم تداوله مؤخراً في أعقاب العرض الذي أداه يوسي تسباري وتامر نفار في حفل جوائز اوفير). إلا أن احتجاج العدائين من على المنبر قد كان عملياً أوج حملة استمرت لأكثر من عام أدارها نشطاء الحركة الذين سعوا إلى جمع رياضيي الولايات المتحدة السود في اطار نضال شامل ضد التمييز والعنصرية في المجتمع وفي عالم الرياضة. بودي أن اتوسع هنا في حيثيات هذا النضال.

في بداية سنوات الستينات العاصفة في الولايات المتحدة، كان يبدو بأن وضع الرياضي الأسود لم يكن يوماً أفضل مما هو عليه: الفرق المهنية بفروع الرياضة المركزية مرت بعمليات دمج لتضم الرياضيين السود المركزيين في مجالاتهم: ويلي ميس سطع نجمه في دوري كرة القاعدة، جيم براون برز في دوري كرة القدم الأمريكية أما بيل راسل ويلت تشامبرلين ففرضا حضورهما في دوري كرة السلة. هؤلاء النجوم لم يكونوا إلا رأس الحربة لكتلة كبيرة من الرياضيين السود الذين شكلوا نسبة معتبرة من مجمل الرياضيين في المنتخبات المهنية المختلفة. الجامعات التي فتحت أبوابها أمام الطلاب السود شهدت هي الأخرى ارتفاعاً كبيراً في عدد الرياضيين-الطلاب السود في الحرم.

اولمبية1

بالإمكان القول عملياً بأنه في كل ما يتعلق بالدمج في أماكن العمل والحصول على فرص لتحقيق الموهبة الفردية، كانت المؤسسة الرياضية في الولايات المتحدة السباقة في تلك السنوات. لكن الارتفاع العددي الكبير بعدد الرياضيين السود بعالم الرياضة كان مضللاً أيضاَ فالرياضي الاسود المتوسط كان يعاني من عدم مساواة في الأجور، تعامل مهين من قبل المدربين والمدراء وعنصرية فظة بالطبع في الملعب وخارجه. أما الرياضيين-الطلاب السود فكان عليهم مواجهة عدد من التحديات التي صعبت من اندماجهم في الجامعات المختلفة: معظمهم اضطروا لان يعتاشوا من منح جزئية فقط اجبرتهم على العيش بقلة حيث عانوا من ظروف سكنية متردية جداً على الاختلاف من الطلاب البيض كما أنهم اضطروا للمبيت بأماكن منفصلة عن زملائهم البيض خلال سفرهم للمشاركة في مسابقات بدول الجنوب.

أمام المكانة المتدنية للطلاب السود في الحرم عامةً وللرياضيين-الطلاب على وجه الخصوص، قرر سوسيولوجي شاب وناشط سياسي يدعى د.هاري إدواردز أن يشكل حركة جديدة ترتكز على الرياضيين-الطلاب السود وتجند تميزهم وهيمنتهم في الحلبة الرياضية لإحداث تغيير راديكالي في الأحرام المختلفة بأنحاء الولايات المتحدة يمتد أيضاً إلى عالم الرياضة المهني. إدواردز شكل من حوله مجموعة صغيرة من النشطاء كان مركزها حرم جامعة سان خوسيه التي درس فيها بتلك الفترة اثنان من أفضل العدائين بالعالم- تومي سميث، بطل العالم في سباق ال-200 متر، ولي ايفانز، بطل العالم في سباق ال-400 متر. الاثنان شكلا، برفقة عدائين متفوقين آخرين، “سبيد سيتي”- منتخب العدائين الأبرز في رياضة الكليات بالولايات المتحدة، والذي كان من المفترض بأن يقود أعضائه الولايات المتحدة للفوز في سباقات المسافات القصيرة في مكسيكو سيتي.

في أيلول 1967، بعد أن أدت مظاهرة قادها إدواردز لتحسين الظروف المعيشية للطلاب السود إلى الغاء المباراة الافتتاحية لموسم كرة القدم الأمريكية في سان خوسيه، اكتشف الرياضيون-الطلاب الذين شاركوا في الاحتجاج بأن الحراك السياسي الذي يهدد الانخراط “الاقتصادي، والديني بعض الشيء” للإنسان الأبيض في مؤسسة الرياضة بالولايات المتحدة، بكلمات إدواردز، بإمكانه أن يحقق لهم انجازات هامة. وقد كانت مقابلة أجراها سميث- “أسرع انسان بالعالم”، حامل الارقام العالمية القياسية والمرشح المركزي للفوز بالذهبية في سباق ال- 200 متر في الألعاب الاولمبية- مع مراسل من طوكيو بمثابة الفتيل الذي أشعل حملة المقاطعة للألعاب الاولمبية. حيث سأل سميث إن كان هناك احتمال بأن يقاطع الرياضيين السود الألعاب في مكسيكو سيتي وأجاب بأن “هذا صحيح. عدد من الرياضيين السود يناقشون امكانية مقاطعة الالعاب للاحتجاج على عدم العدل العرقي في أمريكا”. سميث علل رغبته في مقاطعة الألعاب بقوله: “من المحبط جداً بأن تتسابق مع رياضيين بيض. على مسار (الركض) أنت تومي سميث، أسرع انسان في العالم، ولكن خارجه فأنت لست إلا زنجي آخر.”

“أمريكي أولاً”؟

بعد الغاء مباراة كرة القدم في سان خوسيه، انضم سميث وايفانز لإدواردز لكي يقوموا بإنشاء OPHR التي ستعمل على تشجيع الرياضيين السود على مقاطعة الألعاب الاولمبية في مكسيكو سيتي. بعد أن تمت المصادقة بشكل رمزي على اجراء المقاطعة في مؤتمر “الشباب السود” في لوس أنجلوس، بدأ نشطاء الحركة في تجنيد التأييد الجماهيري لبرنامجهم، وتشكيل جماعة رياضية سوداء تعمل سوية على احداث تغيير اجتماعي راديكالي.

فكرة مقاطعة الألعاب الاولمبية اعتمدت على مركزية هذه الألعاب كحدث استعراضي يشد أنظار العالم مرة كل أربع سنوات. تحول التلفاز لمنتج استهلاكي رائج وتطوره السريع كوسيلة اعلام مركزية جعلت الألعاب منتج تلفزيوني مطلوب وغالي. اضافة إلى ذلك، فقد تحول التفوق الرياضي للرياضيين السود الذي وصل أوجه في الالعاب الاولمبية في طوكيو عام 64 (من ضمن وفد ضم 362 رياضيي امريكي كان في طوكيو 50 رياضي أسود، 22 منهم فازوا بميداليات لصالح الولايات المتحدة)، تحول لورقة مساومة قوية بيد الرياضيين السود في ظل تحول الألعاب لحلبة تشابك أخرى بين الدول العظمى ولأداة دعائية ناجعة على خلفية الحرب الباردة. هكذا، بمساعدة مقاطعة الألعاب كان من المفترض بأن يقلب الرياضيون السود الأمور رأساً على عقب: لن يكونوا اداة دعائية بيد النظام لكي يظهر هذا الجانب الجميل للمجتمع الأمريكي وقيمه. غيابهم سيمرر الرسالة العكسية ويمس بالصورة المحرفة التي اضطر الرياضيون السود الذين مثلوا الولايات المتحدة للتعاون معها حتى تلك النقطة.

اولمبية2
جون كارلوس وتومي سميث في الألعاب ما قبل الاولمبية في سان خوسيه

الردود على حملة المقاطعة لم تتأخر: المعارضة الاولية لمسعى المنظمة الاولمبية لحقوق الانسان جاءت من رياضيين سود آخرين لم يوافقوا على قرار مقاطعة الألعاب. بطل القفز رالف بوستون ادعى بأنه ليس لدى نشطاء ال- OPHR أية صلاحية لاتخاذ قرار نيابة عن بقية الرياضيين السود. العداء تشارلي غرين عارض المقاطعة هو الآخر وادعى بأنه “أولاً أمريكي” وبأنه ينوي المشاركة في السباق. مقابل بوستون وغرين، محمد علي الذي ادار في تلك الفترة نضالاً ضد تجنيده للجيش عبر عن دعمه غير المشروط ل- OPHR. أما اللجنة الاولمبية الأمريكية فعبرت عن قلقها من قرار المقاطعة لكنها أوضحت: “اذا ما تنازل المقاطعين عن مكانهم في الألعاب فسوف يشغلها من يأتي بعدهم”. إلا أن ردود الفعل الأصعب للمقاطعة قد جاءت من الجمهور الواسع حيث بدأ إدواردز، ايفانز، كارلوس وسميث يتلقون تهديدات على حياتهم وحياة عائلاتهم. سميث حصل على النصيب الأكبر من هذه بصفته الرياضي الأشهر والأكثر صخباً في المجموعة. في رسائل الذم والقذف التي وصلته وصف سميث، من بين أمور أخرى، ب”زنجي ناكر للجميل”، وكان هناك من طالبه بالعودة إلى افريقيا ومن ادعى بأنه هو بنفسه عنصري وبأنه يجب اطلاق النار عليه وتعليقه(!).

ردود الفعل السلبية والتهديدات عززت من شعور الأعضاء بأن عليهم البحث عن ارشاد واستشارة من اطراف مجربة أكثر بإمكانها أن توجههم كيف يتصرفون أمام الهجوم على المنظمة وعلى فكرة المقاطعة. لهذا فقد توجه ادواردز لد.مارتن لوثر كينغ ليساعده على صياغة المطالب من اللجنة الاولمبية وليقدم له النصائح حول الاستراتيجية المستقبلية للمنظمة. في 15 كانون اول التقى الاثنان في نيويورك: اللقاء بينهما حمل أهمية من ناحية ال- OPHRليس فقط من الناحية التنفيذية والإستراتيجية بل أيضاً بسبب الأهمية الرمزية للاعتراف الذي حصلت عليه من د.كينج وحركته بأهمية نضال الرياضيين السود من اجل المساواة والمقاطعة. انخراط كينغ بحملة المقاطعة أثار أصداءاً وتساؤلات كثيرة وسط الاعلام والجمهور الأبيض حول تأييده لحركة عدوانية ومثيرة للجدل كما تم تصويرها. كينغ بدوره فسر دعمه لمنظمي المقاطعة بقوله بأنهم “يمثلون روح جديدة وسط الرياضيين السود يجب تشجيعها”، وبأنه “على الرغم من الصعوبة التي ينطوي عليها التنازل عن ميدالية ذهبية فإن وضع الانسان الأسود في أمريكا يستوجب تضحية من هذا النوع”. انخراط كينغ أكد على جدية المسعى لتنظيم مقاطعة للألعاب الاولمبية وكذلك أعطى دفعة للحركة التي حصلت للتو على أصداء اعلامية وجماهيرية واسعة.

على مدى فترة نشاط المنظمة الاولمبية لحقوق الانسان، دمجت الحركة بين التقاليد السياسية لحركة حقوق المواطن وبين تبني الخط البلاغي لحركة Black Power: بكلمات أخرى، استخدام المقاطعة كاحدى الممارسات التقليدية لحركة حقوق المواطن بقيادة كينغ إلى جانب استخدام البلاغيات القتالية والتهديدات باتخاذ كل “الوسائل المطلوبة”، بما يشمل الأعمال العنيفة، لتحقيق أهداف المنظمة. عدا عن ذلك فقد تبنى أعضاء الحركة جماليات شكلية تشابهت بدرجة كبيرة مع تلك المعرفة مع الفهود السود، والتي ضمت ملابس سوداء، نظارات شمسية سوداء، قبعات بيرية وقلائد خرز أفريقية. تبني بلاغيات عدائية وأسلوب لباس لحركة سياسية مثيرة للجدل مثل الفهود سهل على منتقدي ال-OPHR الكثيرين تصنيفها كحركة “قوة سوداء” واستغلال العدائية والخوف التي أثارتها هذه الحركات في الجمهور الأمريكي الأبيض.

الروس أيضاً ألغوا مشاركتهم

قبل 49 عام، في 16 شباط 1968، كان من المفترض بأن تقام في مديسون سكوير غاردن المسابقة السنوية لنادي نيويورك للألعاب الرياضية والتي خصصت أيضاً للاحتفال بمئة عام على تأسيسه. نشطاء OPHR وضعوا هذا النادي كهدف منذ الأيام الاولى للحركة على خلفية سياسته العنصرية لا سيما أنه لم يقبل، على مدى مئة عام، أعضاء سود أو يهود. إلا أن هذه السياسة لم تمنع النادي من دعوة الرياضيين السود واليهود للتسابق في اطار المسابقة السنوية التي نظمها لكي يرفع هؤلاء من جودة المسابقة والأداء ويساهمون بهذا في تعزيز سمعة النادي كأحد النوادي الرياضية المركزية والأهم في الدولة. هدف النشطاء كان تنظيم مقاطعة مكثفة للمسابقة من قبل الرياضيين السود في محاولة لإلغائها او للمس بها بشكل جسيم. عملياً، كان هذا الامتحان الاول لقوة الحركة وقدرتها على تنظيم مقاطعة على مستوى كبير حيث كان نجاح هذه مقياساً لنجاح مقاطعة الألعاب الاولمبية.

أعضاء OPHR توجهوا لمنظمات أفرو-أمريكية، رياضيين، رابطات رياضية وجامعات، وشرحوا لهم الاسباب من وراء مقاطعة نادي الرياضة النيويوركي ودعوهم للمشاركة. نداء المقاطعة بدأ بالانتشار حيث انضمت للمؤيدين منظمات يهودية مثل الكونغرس اليهودي الأمريكي ورابطة مكافحة التشهير بالإضافة إلى منظمة  NAACP المخضرمة. وقد كان أن الغت رابطات رياضية ومؤسسات مثل جامعة نيويورك، جامعة سانت جون وسيتي كولج وجامعة فيلانوفا وجامعة جورج تاون مشاركتها بسرعة. عدا عن المساس بالصيت المهني للمسابقة، نبعت اهمية الغاء المشاركة من كونها جاءت من طرف مؤسسات سوداء وبيضاء على حد سواء. لمن الغوا مشاركتهم انضم فيما بعد الوفد السوفييتي لخوفه على سلامة أعضاءه. بعض الرياضيين السود الذين فكروا بالمشاركة، وبينهم لاعب القفز بوب بيمون، تلقوا تهديدات مجهولة الهوية على حياتهم، الأمر الذي أصبح بمثابة نقطة سوداء على نشاط الحركة.

بنهاية المطاف، تسابق في مساء ذلك اليوم تسعة رياضيون سود فقط، بينهم بيمون الذي تم تهريبه إلى القاعة بالسر. المسابقة نفسها لم ترتقي لمستوى عالي والنتائج التي تم تحصيلها فيها كانت متوسطة بدرجة كبيرة. في نفس الوقت، تجمع خارج مديسون سكوير غاردن ما يقارب الألفي متظاهر والذين حاولوا بمرحلة معينة اختراق القاعة. إدواردز هدأ الأرواح قبل أن تخرج المظاهرة عن قيد السيطرة وطالب المتظاهرين بمغادرة المكان.

مقاطعة المسابقة توجت كنجاح كبير وتحولت لعلامة بارزة في منظومة العلاقات ما بين المؤسسة الرياضية والرياضيين الأفرو-أمريكان الذي أثبتوا بأن لديهم قدرة على التحرك سياسياً وبأنه لا يمكن الاستهانة بمطالبهم. علاقات القوة التقليدية بين المؤسسة الرياضية والرياضيين السود مرت بزوبعة جدية مع اقامة ال- OPHR وحملة المقاطعة. ثمانية أشهر قبل الألعاب الاولمبية، كان عالم الرياضة الأمريكي على وشك أن يمر بهزة تنفضه من أساسه بينما كان الوفد الأمريكي لمكسيكو سيتي في خطر كبير وملموس.

يتبع.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.