القاسم المشترك بين ميري ريجف وبيني

تعامل اليهود الأشكناز مع الشرقيين على مدى ال-70 سنة الأخيرة يذكر كثيراً بالعلاقات بين الكولونياليين والأصلانيين: الفرق بأن الشرقيين والاشكنازيين من المفترض بأن يكونوا جزءاً من نفس المجموعة الدينية، الاثنية والقومية. عالمة الاجتماع ايفا ايلوز حول أكثر فضيحة مغيبة عن التاريخ اليهودي الإسرائيلي.
ايفا ايلوز

 

بين وزيرة الثقافة ميري ريجف وبيني هناك الكثير من اختلاف الرأي بالمواضيع العامة: هي تعرف نفسها مع اليمين السياسي، مع القوة العسكرية، مع الطابع اليهودي للدولة ومع الصيغة الحالية للصهيونية التي تنفذ كمشروع يلتهم الأراضي: أما أنا فأعرف نفسي مع اليسار العالمي، مع يهودية المنفى، مع الصهيونية الاشتراكية ومع الثقافة والسياسة الاوروبية العلمانية. مع ذلك فهناك قواسم مشتركة فيما بيننا بثلاثة مجالات: كلتانا نساء من أصول مغربية تعشن في إسرائيل. امرأة من أصول مغربية في المجتمع الإسرائيلي هو تصنيف اجتماعي قوي جداً، لدرجة أنه لم يكن من المفاجئ بأن أجد نفسي اتفق مع ما شاركته ريجف عبر الفيسبوك بتاريخ 20.2:

“حول العمى. يبدو بأنه حتى في عام 2017، حوالي 70 عام منذ اقامة الدولة، لا يمكن ايجاد ااس مناسبين بالجمهور من أبناء الشرق، أسبانيا والوسط غير اليهودي للحصول على جائزة إسرائيل. اقصاء أبناء الشرق، أسبانيا، المتدينين الاورثوذكسيين والوسط غير اليهودي لا يتخطى، على ما يبدو، جائزة إسرائيل- الجائزة التي من المفترض بأن تمنح، تحت سقف واحد، التمثيل اللائق للمجموعات التي تركب المجتمع الإسرائيلي.. في دولة إسرائيل هناك أكثر من 50% من القادمين من أسبانيا والشرق لم يتم ايجاد مكان لهم- لا في لجان الجائزة ولا وسط الفائزين.”

ريجف تسائلت “لماذا لم يتم تطبيق التوصيات التي قدمها مراقب الدولة بالموضوع قبل عدة سنوات حتى الآن؟”، وتأملت بأكثر من بعض السخرية بأنه “ربما يتحسن حظنا في العام القادم أو تتغلب اللجان على عماها”. السؤال متى- والأهم كيف- سيضع حد لهذا العمى هو سؤال مثير.

أي يهودي مغربي، من أية مكانة إجتماعية، ان كان يعرف القراءة والكتابة أم لا، ان كان قد حصل على تعليم عالي أم لا نجح في أية دولة مسيحية أكثر من إسرائيل. هو\هي نجح\ت أكثر ليس فقط اقتصادياً واجتماعياً انما كإنسان- أي بأن الاحتمال بأن يعترفوا به كمتساو مع المواطنين الآخرين في أية دولة مسيحية كان أكبر منه في إسرائيل- دولة اليهود.

لا يبدو بأن هذا العمى يقترب من نهايته الآن. أقوال وزيرة الثقافة قوبلت بصمت صارخ لليسار الليبرالي الاشكنازي التقليدي. باستثناء مشاركة قصيرة لزهافا جلؤون، التي عبرت عن موافقتها على ما طرحته ريجف، لم يعقب أحد على الحقيقة المذهلة بأن حوالي نصف السكان اليهود هنا يحصلون على تمثيل بأحيان نادرة فقط في أكثر جوائز مرموقة بمجالات الثقافة والتعليم. سواء كان هذا الصمت ينبع من ارتباك، غضب او عدم مبالاة، من الواضح بأن اليسار الليبرالي لا يدرك حتى الآن بأن مسألة التمييز الطائفي هي العامل المركزي لهزيمته التاريخية، والمحرك الخفي للسياسة الإسرائيلية.

شعبوية اليمين لم تكن لتنتصر في إسرائيل لو أنها لم تعتمد على الاقصاء المنهجي للشرقيين، والإنكار المستميت لهذا الاقصاء. عدا عن بعض الحالات الشاذة (مثل الاعتذار السطحي لايهود براك)، فغالبية الأشكناز ادعوا ويدعون بأنه لم يكن هناك تمييز ضد الشرقيين وحتى اذا كان فهو لم يعد قائم. انظروا مثلاُ إلى رد وزارة التربية المسؤولة عن توزيع جائزة إسرائيل التي جاءت لتكحلها فعمتها بجوابها القائل: “جائزة اسرائيل تمنح لمن يحققون التميز والريادية في مجالهم.”.

مكانة اليهود الشرقيين في المجتمع الإسرائيلي هي الفضيحة التي يتم التطرق لها بأقل درجة ممكنة بالتاريخ اليهودي-الإسرائيلي، في البلاد وفي الجاليات اليهودية خارجها. بالإمكان تلخيص هذة الفضيحة بكلمات بسيطة: تعامل اليهود الأشكناز مع الشرقيين على مدى ال-70 سنة الأخيرة كما يتمثل في اللغة، وجهة النظر والسياسة، يذكر كثيراً بالعلاقات بين الكولونياليين والأصلانيين. الفرق بأن الشرقيين والاشكنازيين من المفترض بأن يكونوا جزءاً من نفس المجموعة الدينية، الاثنية والقومية.

في وثائق حكومية رسمية ووجبات عشاء غير رسمية، وصف الاشكنازيون اخوتهم الاسبان بأوصاف مثل “متدنيين”، “أغبياء”، “بدائيين”، “جاهلين” و”يعانون من تخلف ثقافي” (وقد سمعت بنفسي هذه الكلمات بعدد غير قليل من وجبات العشاء!). الأشكنازيون عزفوا في الاوركسترات السمفونية وقصدوا العروض الموسيقية صبيحة أيام الجمعة بينما قامت نساء شرقيات بتنظيف بيوتهم، الاعتناء بأطفالهم، تحضير وجباتهم، أو عملن في مصانع بوظائف لا تتطلب مهارات معينة.

أكثر فضيحة مذهلة بأقل تطرق ممكن في تاريخ اليهودية الحديثة هي هذه: أي يهودي مغربي، من أية مكانة إجتماعية، ان كان يعرف القراءة والكتابة أم لا، ان كان قد حصل على تعليم عالي أم لا نجح في أية دولة مسيحية أكثر من إسرائيل. هو\هي نجح\ت أكثر ليس فقط اقتصادياً واجتماعياً انما كإنسان- أي بأن الاحتمال بأن يعترفوا به كمتساو مع المواطنين الآخرين في أية دولة مسيحية كان أكبر منه في إسرائيل- دولة اليهود. هذه الحقيقة البسيطة مكنت الشعبويين من اليمين، أمثال بنيامين نتنياهو غير القلق بشكل خاص على مصير طبقة العمال او الشرقيين، من الامساك بالحكم والتمسك به كل هذه المدة.

الديمقراطية الليبرالية مبنية على أربعة أسس: برلمان مركب من منتخبي الجمهور: محاكم مستقلة: صحافة حرة وجهاز تعليم عالي يروج لمعرفة بروح المبدأ الاساسي للمساواة بين الناس. الأكاديميا الإسرائيلية خانت واجبها في تحديد اتجاه اخلاقي لبقية المجتمع. منذ بدايتها وهي تعمل كنادي “جنتلمن” كولونيالي. كما أنها كرست الاسطورة التي تفترض بأنه اذا لم يتم ايجاد أي شرقي مناسب لأن يكون عضواً في أكاديمية العلوم، لأن يحصل على جائزة روتشيلد، لأن يقف برأس لجنة جائزة إسرائيل أو لأن يقود جامعة إسرائيلية فهذا لأنه.. كيف يمكنني أن أصيغ ذلك؟ لأننا نحن الشرقيين ببساطة “غير جيدين بما فيه الكفاية”.

تصدق ريجف عندما تتهكم على الصلاحية الأخلاقية للجان الأكاديمية. فالعالم الأكاديمي هو أكثر جسم غير شفاف بالمجتمع لأن كافة القرارات فيه تتخذ من قبل لجان مجهولة الهوية غير ملزمة بتقديم حساب لأحد. هذه اللجان من المفترض بأن تتخذ القرارات فقط بناءً على التحصيل والانجازات ولكن عندما تنجح مؤسسة في اقصاء نصف السكان (بشكل لا مثيل له في الدول الغربية)، لا يمكن بألا نشك بأن هناك اعتبارات أخرى تؤثر على قرارات هذه اللجان.

النخبة الأشكنازية، الليبرالية ظاهرياً، لم تأبه يوماً بالتظاهر حتى بأنها تمثل مصالح، طموحات ووجهات نظر الشرقيين، وتعاملت معهم باحتقار، بنفور وفي أحسن حال بوصاية “محسنة”.

كما تظهر الكثير من الأبحاث التي أجريت في العالم، فهذه القرارات تتأثر بالعديد من العوامل: العلاقات او الصداقات، السمعة، الانتماء العائلي، هرمية الفروع المعرفية والمواضيع، وبالأساس- التصنيف غير الواعي (وأحياناً الواعي) للناس بحسب الجندر، الدين والأصول. تصنيف من هذا النوع يعطي أعضاء اللجان شعور ب”القرب” من الفائز، شعور بأن الشخص الذي يستحق الجائزة أو القيادة هو “واحد منا”. أي أن قرارات اللجان الأكاديمية تعكس روح الجماعة والشبكات المترابطة للنخب التي تسيطر على الأكاديميا الإسرائيلية منذ سنوات ال-20. رجال أشكناز أبناء حسب ونسب سيعتبرون دائماً لائقين أكثر من أبناء الأقليات كالنساء، الشرقيين والعرب، لأنهم يبدون مألوفين وجديرين أكثر بنظر هؤلاء الذين يجلسون في اللجان- مع العلم بأن هؤلاء أنفسهم هم بالأساس رجال أشكناز(!).

الصلاحية الأخلاقية للعالم الأكاديمي تعتمد فقط على الميرتقراطية، على القدرة على خلق مواهب والاعتراف بها بغض النظر عن الانتماء الجندري، الاثني او الديني. هذه الصلاحية الأخلاقية للأكاديميا تتقوض عندما تبرر هذه، وعملياً تخلد، عدم المساواة والتمييز. ليس من قبيل الصدفة بأن الشرقيين القلائل الذين وصلوا لقلب المجتمع الإسرائيلي وحظوا باعترافه قاموا بذلك بمجالات لا تتعلق بتقديرات لجان أشكنازية: الأعمال والسياسة (بالأساس عن طريق أحزاب دينية). كما أنهم نجحوا في الاندماج بالدرجات الرفيعة في الجيش فقط من اللحظة التي بدأ يفقد فيها حظوته في عيون الأشكناز.

هذا هو السبب بالضبط لسيطرة الشعبويين واليمين المتطرف على إسرائيل كل هذه المدة: لأن النخبة الأسكنازية، الليبرالية ظاهرياً، لم تأبه يوماً بالتظاهر حتى بأنها تمثل مصالح، طموحات ووجهات نظر الشرقيين، وتعاملت معهم باحتقار، بنفور وفي أحسن حال بوصاية “محسنة”. الشرقيون لم يثيروا في يوم من الأيام في النخبة الأشكنازية الشعور الطبيعي بالأخوة والصداقة الذي يجب أن يقف في قلب التضامن الاشتراكي والقومي.

الأكاديميا الإسرائيلية لعبت دوراً مركزياً في تبرير وتخليد الاحتقار الثقافي للشرقيين. لهذا، فهي لم تستطع، وما زالت لا تستطيع، أن تكون مصدر صلاحية أخلاقية لبقية المجتمع، بالتحديد لأنها- كما يبين تصريح وزارة التربية- غذت وصقلت الفكرة القائلة بأن الشرقيين متدنيين من ناحية ثقافية وفكرية، وبأنهم لا يكافئون لأنهم لا يستحقون بأن يكافئوا. للإقصاء الثقافي العميق للشرقيين من الأكاديميا والثقافة الاوروبية الليبرالية هناك نتائج سياسية بعيدة المدى: فقد جعل الشرقيين يشعرون بجفاء تجاه القيم الثقافية للديمقراطية والليبرالية المعرفة مع النخب الجوفاء.

وقد كان لهذا نتيجة مشابهة لتلك التي شهدناها في الولايات المتحدة: الأمريكان البيض أبناء طبقة العمال انتخبوا دونالد ترامب لأنهم فضلوا تأييد مجموعة سياسية قامت باستغلالهم، رغم كذبها، طالما أن هذه تبدو كمن تعترف بألمهم وبوضعهم البائس. هم انتفضوا ضد المؤسسة الليبرالية واستسلموا للسياسة الشعبوية والمعادية للديمقراطية فقط لأنها وعدت بأن تحقق لهم العدل- الذي بدا الليبراليون لا مبالين تجاهه. تراجيديا السياسة الإسرائيلية تشبه تراجيديا العالم الليبرالي كافة اليوم: ليس الممثلين التقليديين للديمقراطية الليبرالية انما السياسيون المعادون للديمقراطية هم من يعدون بمحاربة عدم العدل الذي نخر، شرخ ومزق قلب المجتمع بهدوء.

*نشرت المقالة للمرة الاولى بصحيفة “هآرتس” باللغة العبرية بتاريخ 09.03.2017.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.