كالقطيع يمشون وراء يمين مسيحاني متغطرس

اذا كانت الدولة تمر بعملية تديين بكل مجالات الحياة فمن “الجدير” بحسب هذا المنطق البسيط بأن يخضع الحيز أيضاً لعمليات تديين وتهويد: قانون الاذان هو اشارة من اليمين الإسرائيلي بأنه هو من انتصر وبأن من حقه أن يفعل ما يشاء على الأرض.
مرزوق الحلبي

 

قانون تحديد ساعات الأذان، ذلك النداء الذي ينطلق من أعلى مآذن المساجد ليدعو المؤمنين للصلاة، او كيفما أردنا تسمية تشريعه في إسٍرائيل، يمثل جيداً الرائحة الكريهة للعنصرية الإسرائيلية بأوضح حالاتها، ما بعد مغسلة الكلمات ومطريات الغسيل. فلو أن التشريع جاء لاعتبارات ليبرالية تسعى إلى الفصل بين الدين والدولة والحفاظ على حيز عام خالي من أية معالم دينية لنظرنا إلى هذه الخطوة بنوع من الاحترام حتى إن لم يرق لنا ذلك. إلا أن هذه المبادرة كلها تأتي في اطار تحويل إسرائيل لنظام اثني بين وكنس بقايا المدنية التي التصقت بالدولة بسبب الخيارات التي اتخذها المؤسسين وميراثهم.

في الطريق إلى النظام المرجو للمجموعة الاثنية المختارة لا مفر من الدوس على اية معالم معرفة مع المجموعات الأخرى في الحيز العام. وليس هناك ما يضاهي المساجد، المآذن والصلوات من ناحية بروزها في الحيز المشترك بهذا السياق. لهذا فان التشريع الذي طرح تحت ذريعة منع الضجيج هو مغسلة كلمات لا تنجح في اخفاء القصد الحقيقي لمن قادوا هذه المبادرة- هؤلاء الذين لا يضيعون أية فرصة لإظهار سيطرتهم على الحيز كله بما يشمل ذلك الجغرافي. بعد ان استولوا على ملكية الدولة ومواردها، هم يجربون حظهم الآن مع الحيز بواسطة لي ذراع من يعيشون بداخله وإخضاعهم لسيادة النظام الاثني اليهودي. لي الذراع هذا يشمل معالم هوياتية، ثقافية ودينية أخرى.

ما يدهشني في كل مرة من جديد هو قدرة الفلسطينيين في إسرائيل على التحمل ومواصلة الاحتجاج بطرق مدنية غير عنيفة، وفي المقابل، قدرة النخب الليبرالية في إسرائيل على ابتلاع الاهانة ومواصلة المشي كالقطيع وراء يمين مسيحاني متغطرس وغير مسؤول.

صحيح بأن وثيقة الاستقلال وعدت أبناء كافة الديانات بالمساواة وحرية الدين والعقيدة ولكن منذ أن كتبت ووقعت هذه تراجع النظام عن وعوده التي تبدو لي الآن- بعد موجة تشريع معادية للعرب والمسلمين- فارغة من أي معنى تماماً. فهناك من قرر المبادرة إلى خطوات تتعارض مع روح الوثيقة التي لم يعمل المؤسسون بذكاء ويحولوها لدستور يحمي حقوق الأقلية في الدولة بالأساس. حتى القليل الذي ضمنته الوثيقة قامت حكومة اليمين بإلغائه باللحظة التي قررت فيها استغلال الأغلبية في الكنيست وتبديلها باستبداد الأغلبية الاثنية لكي تضمن ليس فقط الحكم انما أيضاً السيطرة من خلال اقصاء “الآخر”وتقييد الأشكال المختلفة للتعبير الذاتي، الثقافي والديني.

اليمين في إسرائيل يستغل العداء للإسلام جيداً لكي يمرر التشريعات التمييزية ولكن هذه الخطوة تحمل خصوصية إسرائيلية- متجذرة عميقاً في ممارسة اليمين الإسرائيلي ومخططاته. نفس اليمين الذي يحاول اخفاء الاحتلال وتنظيم التواجد الإسرائيلي في الأراضي المحتلة يحاول هنا الآن اخفاء ما يفسر من ناحيته كاعتراض على السيطرة والهيمنة اليهودية. اذا كانت الدولة تمر بعملية تديين بكل مجالات الحياة، من السياسة وحتى القليل المتبقي من القضاء، فمن “الجدير” بحسب هذا المنطق البسيط بأن يخضع الحيز أيضاً لعمليات تديين وتهويد. هذه العمليات ستصطدم بديانات أخرى تواجدت هنا منذ ألفي سنة وأكثر. من “الطبيعي” بأن يحرقوا مساجد وكنائس وبأن يحاولوا التعرض لأبناء ديانات أخرى بواسطة القانون والتشريع أو بدونه. ولكن اذا كانت هناك لدى اليمين امكانية للقيام بذلك عن طريق التشريع فهذه امكانية أفضل بالطبع.

في الماضي البعيد، كان المحتلون أو المنتصرون يميلون إلى فرض ضرائب ورسوم على أبناء رعيتهم. وقد كان لهذه الضرائب وجهان: جانب اقتصادي لتعبئة خزينة الملك ومنظومة الحكم بالأموال النقدية، وجانب معنوي يوضح بشكل قاطع من السيد ومن العبد، من المنتصر ومن المهزوم. في التشريع الحاصل ضد المؤمنين المسلمين بإسرائيل هناك برأيي اعلان نوايا بهذا الاتجاه، اشارة من اليمين الإسرائيلي على أطيافه بأنه هو من انتصر وبأن من حقه- بحسب التصورات القديمة للمنتصرين بالحروب الدينية- أن يفعل ما يشاء على الأرض، مثل منع\تقييد نداءات المؤذن للأوقات المريحة له، لليمين. ومن يدري ماذا ستكون مبادرة التشريع القادمة. يمين متغطرس لا يردعه أي شيء عن إظهار انتصاره بكل الطرق، من الممكن بأن يخطأ وبأن يكون خطأه بالغاً.

قبل أقل من سنتين جرب اليمين اشعال الميدان حول مسجد الاقصى وزرع الفوضى لكي يربط من خلالها بين صراعات عادلة ضد الاحتلال، التمييز ومصادرة الحيز لتلك الحرب العالمية ضد الارهاب وخاصة الاسلامي منه. عندما لم ينجح ذلك، اكتفى اليمين بإخراج الشق الشمالي للحركة الاسلامية ومؤسساته عن القانون، عمل بطولي يميني يهودي خالص كما يليق بفكر ديني متطرف. أيضاً اليوم هناك في عمليات التشريع هذه رغبة لتسخين الأجواء ففقط بظروف من هذا النوع يستطيع اليمين البقاء وتحقيق مآربه. ما يدهشني في كل مرة من جديد هو قدرة الفلسطينيين في إسرائيل على التحمل ومواصلة الاحتجاج بطرق مدنية غير عنيفة، وفي المقابل، قدرة النخب الليبرالية في إسرائيل على ابتلاع الاهانة ومواصلة المشي كالقطيع وراء يمين مسيحاني متغطرس وغير مسؤول.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.