في بث خاص بقضية الاولاد اليمنيين المختطفين: القناة الاولى مستمرة في تعاونها مع المؤسسة!

البث الخاص الذي أعدته القناة الاولى حول قضية الاولاد اليمنيين افتقر لوجهة النظر النقدية ولا عجب بأنه توصل إلى نتيجة تقول بأنه “لا توجد قاعدة أدلة لاختطاف الأولاد”: السؤال لماذا تقوم القناة بتكرير مواد ممضوغة وروايات قديمة رغم الشهادات الكثيرة والهامة التي تراكمت بالسنوات الأخيرة؟
شوشانا مدموني جربر

 

من قام منكم بمشاهدة البث الخاص حول قضية الاولاد اليمنيين المختطفين على القناة الاولى المحتضرة، لم يفاجئ بالطبع بأن هذه المؤسسة البالية لم تظهر، حتى وهي على فراش الموت، القليل من الاستقامة الصحفية لتبعد اصبع الاتهام عن الأهالي اليمنيين وتوجهه إلى ممثلي الحكم. ما قدم ك”بث خاص لقسم وثائقي يحاول وضع الأمور في نصابها”، بما يشمل فحص الأسئلة العالقة من جديد، كان عملياً استعراضاً لمواد ممضوغة ومكررة، مليء بالأخطاء وعدم الدقة، أولى القليل من الانتباه لوجهات نظر حاسمة: المقابلات التي أجريت مع الصحافية والناشطة ياعيل تسادوك والقانوني بوعز سنجرو لم تتعدى ال-13 دقيقة من ضمن ال-90 دقيقة التي خصصت للبث كله.

مقدم البرنامج، ايتاي لاندسبرغ، ارتقى ربما بالقضية من مكانتها كشيء يخص اليمنيين فقط لمكانة “قضية قومية”، حتى أنه وصف اختفاء الأطفال والأولاد كأمر “غير قابل للإنكار”، إلا أن الاطار العام استند رغم ذلك عل نظرية الفوضى القديمة التي تنسب لبدايات الدولة. على الرغم من الشهادات الجديدة والمدهشة التي تراكمت مؤخراً، اختار معدو البرنامج أن يضعوا في المركز البرنامج الذي بث عام 1986 عن القضية- وكأن المرة الأولى لم تكن سيئة بما فيه الكفاية. صحيح بأن هناك في هذه المرة لهجة متعاطفة أكثر مع ضائقة الأهالي لكن البرنامج انتهى بمضغ نفس الرواية القديمة والمستعلية التي ترى بأن القضية كانت نتيجة عدم فهم وقع خلال الفوضى الكبيرة التي رافقت استيعاب موجات الهجرة.

משדר מיוחד
صورة من البث الخاص للقناة الأولى

بحسب هذا التوجه، الاولاد الذين أرسلوا للتبني انقذوا عملياً بيد أناس خيرين وحصلوا على عائلات جديدة كانت أفضل لمصلحتهم. بحسب هذا التوجه أيضاً، فالأهالي اليمنيون يميلون للشك ولمطاردة “أصحاب السحنة اليمنية” حتى لو لم يكونوا أولادهم. اضافة إلى ذلك، فان الغالبية العظمى من الاولاد المفقودين قد توفوا، وللممرضات والأطباء الذين كانوا منشغلين كلياً بإنقاذ الحياة لم يكن هناك وقت لإبلاغ أهاليهم.

المستند الوثائقي المكرر لفيرد بيرمان وروني سرنت ركز على الزاوية المؤسساتية\الاشكنازية، وتتبع، من ضمن أمور أخرى، قصص ثلاث نساء يمنيات ارسلن للتبني في مصغرهن. التحرير المتقطع اورد شهادة مؤلمة لأب يمني يبحث عن ابنته إلى جانب بنت يمنية سعيدة تبنتها عائلة اشكنازية. بدل تقصي ادعاءات المئات، ان لم تكن الآلاف، حول اولاد اختطفوا من أهاليهم، اختار بيرمان وسرنت أن يدمجوا في معرض شهادات الاهالي صور لأولاد جوعى وقصص عن آخرون يتامي: ما العلاقة بين هذا وذك؟ كما قالت ياعيل تسادوك: “لا شك لدي بأن بعضهم توفوا ولكنني أتحدث عن هؤلاء الذين اختطفوا”. طريقة العرض هذه تذر الرماد في عيون المشاهدين وتسلط الضوء على البلبلة المختلقة، وهي بهذا تقوم بتكريس وتبرير تصميم الحكومة على القاء واجب الاثبات على عاتق الأهالي: وهو المطلب غير الممكن وغير العادل بوضوح كما ادعى سنجرو.

البرنامج حاول دحض اتهامات العائلات من خلال التأكيد، مرة تلو الأخرى، بأن اولاد مرضى لم تعرف هويتهم وصلوا بشكل يومي لمعسكرات الاستيعاب، وكثيرون منهم ماتوا أو اهملوا أو هجروا من قبل أهاليهم. ما حصل في معسكرات الاستيعاب وصف خلال البرنامج كأمر فظيع. صور أولاد مرضى وقادمين (جدد) قرويين مرتبكين ساهمت في رسم صورة لكابوس لوجستي اختلطت فيه الأمراض. احدى الممرضات قالت بأن الأطفال اليمنيين “ماتوا مثل الذباب ولم يكن لدينا وقت لنبلغ الأهالي”. ممرضة أخرى قالت بأن الأهالي اليمنيين لم يريدوا استرجاع اولادهم الذين تعافوا لأن “أحدهم كان يعرج والآخر كان بلا يد.. الأهالي لم يريدونهم”.

على هذه الخلفية وصفت في البرنامج قصة دافيد شوكر المعروفة الذي بحث عن ابنته منذ اختفائها بسنوات الخمسين. البحث الذي أجراه كان واسع النطاق، موثق جيداً وبنهاية المطاف- تكلل بالنجاح. إلى جانب ذلك، تم وصف قصتين عن عمليات تبني شبه-قانونية لبنات عشن بسعادة مع العائلات التي قامت بتبنيهن. وقد كان من المضلل بشكل خاص البلبلة بين اسم تمار تسوكر ودافيد شوكر (في احدى المرات حتى ظهر على الشاشة اسم شوكر عندما كانت تسوكر تتحدث). تمار التي تبنتها روت تسوكر من حيفا حصلت على الكثير من الوقت على الشاشة بينما تم تقليص حجم القصة التراجيدية لشوكر بحيث كانت النتيجة التي يتم التوصل اليها بأن الاولاد اليمنيين الذين هجرهم أهاليهم كان وضعهم أحسن مع العائلات التي تبنتهم.

فصل أولاد عن أهاليهم مع سبق الاصرار دون تسجيل تفاصيلهم هي ليست قصة عديمة الأهمية وبالتأكيد ليس عذر شرعي بل أنه عمل عنصري وجنائي كان يجب التحقيق فيه منذ سنوات الستين. لكن تحقيقا من هذا النوع لم يجري في حينه ولا يجري الآن.

استخدام مواد قديمة بهذا الشكل هو أمر مثير للتساؤل بدرجة كبيرة خاصة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار بأن مقابلة كاملة أجريت مع شوكر، مع ابنته مريم وأمها بالتبني ببرنامج “عوفدا” عام 1996، والتي عرضت صورة مركبة أكثر، من ضمن أمور أخرى، للملابسات التي تثير الكثير من الأسئلة حول تبني البنت بشكل “قانوني”. في حينه تم الكشف عن السهولة التي وصلت فيها العائلة المتبنية لمريم بواسطة علاقة شخصية مع طبيب المعبرة (معسكر القادمين الجدد). كما تم الكشف عن عملية شبيهة وغريبة أخذ فيها الأهالي المتبنين الولد من بيت الاطفال دون أية مستندات: كلا الحالتين وصلتا في وقت لاحق للمحكمة، على الأقل بحسب ادعاء الدولة، وتمت المصادقة على اعتبارها اجراءات تبني “قانونية”.

“البث الخاص” قبل بأريحية كبيرة رواية الانقاذ المعروفة. بدل توجيه أسئلة ثاقبة للأطراف المؤسساتية والطبية، استغل بيرمان وسرنت مواهبهم الاستقصائية ل”كشف” العائلات التي تبحث عن أبنائها بكل ما اوتي لها وعرضها كغبية أو واهية. أين المقابلة مع رئيس الحكومة آنذاك، شمعون بيرس، التي تواجهه مع سؤال رفض الحكومة اجراء تحقيق جنائي جدي كل هذا الوقت؟ لماذا اتلفت المستندات بالأراشيف؟ لماذا لم يتم استدعاء شهود مركزيين للجان (التحقيق)؟

“الباحثون نجحوا في حل الأحجية”

عندما تم بث هذا الاستقصاء للمرة الأولى كانت القناة الاولى القناة الوحيدة في إسرائيل وكانت بمثابة واجهة المؤسسة. وعليه، كان من الواضح لماذا غابت وجهة النظر النقدية عن الاستقصاء ولماذا استوى معدو البرنامج مع صيغة المؤسسة للقضية: السؤال لماذا يتم تكرير هذا الادعاء المخجل الآن بعد الشهادات الكثيرة والهامة التي تم الكشف عنها مع فتح الأراشيف؟ كيف يمكن بعد كل هذه السنوات الاعتماد على الوصف الذي يعلن بصوت يرون لندن الرنان: “الصحافة كشفت.. الكنيست ناقشت.. الباحثون نجحوا في حل الأحجية..”، عذراً؟! فمنذ سنوات التسعين كشفت شهادات لممرضات، سائقي باصات وأمهات شهدن بأنه كان هناك أناس ابدوا اهتماماً بالأولاد وبأن هناك اولاد أصحاء أخذوا من بيوت الأطفال. فقط مؤخراً كشف ايهود عين-جيل من موجودات الأرشيف بأن اجراء “التسجيل اللاحق” (للأولاد) أفسح المجال، كما يبدو، لدمج أطفال بعائلات غريبة من خلال الالتفاف على اجراءات التبني القانونية وتحويل الولد المتبنى لولد “طبيعي” لهذه العائلات”. كيف يمكن تجاهل هذه الحقائق التي تثبت الادانة؟

هدف البرنامج من عام 1986 كان تحجيم القصة وعرض مطلب اليمنيين بلجنة تحقيق رسمية كغير ضروري وغير شرعي. هذه الاجندة التلفزيونية حصلت على دعم واسع بالصحافة التي مدحت البرنامج بوصفه “استقصاءاً ممتازاً”. تحت عنوان “بدون لجنة تحقيق أخرى” (30 أيلول 1986) اشارت صحيفة “دفار” مثلاُ إلى “الازمة النفسية التي ستعصف في نفوس هؤلاء الذين يفترض بأنهم مفقودين” كسبب للامتناع عن التحقيق. حتى هدا بوشز المعروفة بشدة لسانها عادةً وصفت البرنامج في مقال تحت عنوان “الاشكناز غير مذنبين هذه المرة” ك”تقرير توثيقي ممتاز ومشوق” وكمن “يعبر بشكل مثير جداً عن الجانب الإنساني” (هآرتس، 26 أيلول 1986).

فصل أولاد عن أهاليهم مع سبق الاصرار دون تسجيل تفاصيلهم هي ليست قصة عديمة الأهمية وبالتأكيد ليس عذر شرعي بل أنه عمل عنصري وجنائي كان يجب التحقيق فيه منذ سنوات الستين. لكن تحقيقاً من هذا النوع لم يجري في حينه ولا يجري الآن. واجب التحقيق والإثبات يقع على عاتق الدولة التي فصلت أولاداً وأطفالاً عن أهاليهم. ولكن كما لخص سنجرو، فحتى لجنة التحقيق الرسمية انطلقت من “عدم وجود شبهات”. في تحليله الممتاز، أظهر سنجرو التناقضات الكثيرة التي استخدمت ك”إثبات” في نتائج اللجنة التي توصلت إلى أن معظم الأطفال توفوا، وشكك بهذا في عمل اللجنة من أساسه. رجاءً توقفوا عن وصف هذا التقرير المخجل كتحقيق. لا تتهموا الأهالي وتوقفوا عن محاولتكم للاقتناع. رغم أقوال تسادوك وسنجرو الثاقبة، لخص لاندسبرغ بقوله: “النتائج واضحة. لا توجد هناك قاعدة أدلة لاختطاف الأولاد”. خطأ! الأمر الواضح بأنه لم يجري أي تحقيق جنائي بعمليات الاختطاف حتى الآن، ولم يبذل أي جهد للاعتراف بالتراجيديا. اذا كنتم تستطيعون الوقوف في الطرف الآخر وعدم تصديق مئات الأهالي كسيري الفؤاد الذي شهدوا بأن اولادهم اخذوا منهم فمن الأجدر بأن تسألوا أنفسكم لماذا.

محاضرة بالصحافة والاعلام في جامعة “Suffolk” في بوسطن. كتابها “Israeli Media and the Framing of Internal Conflict – The Yemenite Babies Affair”  صدر عن دار نشر “Palgrave Macmillan” عام 2009.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.