"لا توجد محكمة للإنتاجات الأدبية"!

لا مكان لإدانة أي شاعر بسب نص كتبه، حتى اذا كان هذا النص مليئاً بالتصريحات الاشكالية: روسيا القيصرية، ومثلها الانتداب البريطاني وكذلك دولة إسرائيل حتى اللحظة تركوا الشعراء وشأنهم حتى عندما احتوت أشعارهم على نداء للعنف وتشجيع له. مقتطفات من محاكمة الشاعرة دارين طاطور هذا الأسبوع.
عوفرا يشوعا-ليت

 

المحاكمة الرنانة والعبثية التي تديرها دولة إسرائيل ضد الشاعرة دارين طاطور وصلت هذا الأسبوع لمرحلة شهود الدفاع. اخصائيان اكاديميان قدما من مركز البلد لكي يشرحا للمدعية الينا حردك وللقاضية عدي بمبيليا في محكمة الصلح بالناصرة بأن لائحة الاتهام التي حرمت ناطور من حريتها منذ اكتوبر 2015، منقطعة عن الواقع من أساسها.

البروفيسور بمجال الأدب نيسيم كلدرون كتب في ورقة الرأي التي قدمت للمحكمة بأن لا مكان هناك لإدانة أي شاعر بسب نص كتبه، حتى اذا كان هذا النص مليئاً بالتصريحات الاشكالية: روسيا القيصرية، ومثلها الانتداب البريطاني وكذلك دولة إسرائيل حتى اللحظة تركت الشعراء وشأنهم حتى عندما احتوت أشعارهم على نداء للعنف وتشجيع له. د. يونتان مندل، مختص باللغة العربية وصاحب تجربة كبيرة بالترجمة ومن يترأس مركز فان لير للعلاقات اليهودية-العربية، أكد في وثيقة قدمها هو الآخر للمحكمة بأن القصيدة التي قرر شرطي اسرائيلي بأنها تنطوي على “تحريض للعنف” هي قصيدة قومية حماسية كما هو متبع باللغة المحلية دون أي نداء لامساك السلاح أو سفك الدماء.

طواحين العدل على ما يبدو تعمل ببطيء: الأكاديميين ومعهم محامي الدفاع جابي لسكي ونري رمتي، الشاعرة المتهمة، أبناء عائلتها ومؤيديها اضطروا للانتظار قرابة الثلاث ساعات في الأروقة الفخمة لمبنى المحكمة الضخم بما يشبه الاضراب القسري عن الطعام: الكافيتاريا التي عملت بالمكان أغلقت قبل عدة أشهر ولا يوجد حتى جهاز مياه للشرب ولا ماكينة قهوة بالطبع- هذا ما يحدث عندما تجتمع اخفاقات الجهاز القضائي بالتعامل المستهتر مع “الضواحي”. الجلسة التي كان من المخطط بأن تبدأ الساعة 11:30، بدأت الساعة 14:30 بعد الظهر واستمرت حتى ال-20:30 مساءًا. وقد خصصت الجلسة كلها للتحقيق المضاد مع الخبراء حول أوراق الرأي المنمقة التي تقدموا بها كل في مجاله المهني. المدعية حردك بذلت كل ما في وسعها لكي تطعن في استقامة وأمانة الاثنان.

“(المغني) أريئيل زيلبر نشر قصائد أيدت قاتل رابين (رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق). لم يقم أحد بتقديمه للعدالة ولا حاجة لتقديمه للعدالة، لقد حظي بحماية كل أمناء الشعر.”

“هل، بحسب رأيك، كل شخص يكتب قصيدة أو مجموعة قصائد هو شاعر يستحق الحصول على حقوق فائضة أكثر من غيره من السكان؟”، سألت حردك بروفيسور كلدرون الذي رد بإيجاب وأكد بأن كل نص يكتب كشعر “يستحق الحصول على كل الحقوق التي تعطى عادةً للشعر في ثقافتنا، وبكل الأحوال، فإن مسؤولية الكاتب تجاه هذا النص مثلها مثل مسؤولية الشاعر”. “بحسب رأيك حتى النداءات للعنف تمنح (كاتبها) حصانة من المقاضاة؟”، ضغطت المدعية أكثر. “ليس بحسب رأيي انما بحسب معرفتي”، أجاب كلدرون وأضاف: “اذا كان حاييم نحمان بياليك قد كتب “بقسوة وغضب سنشرب دمكم، لن نرحم، واذا ثار كل الشعب وقام وقال انتقم”- ذلك يعني بأن الحصانة التي تمتع بها تشمل مقولات مثل شرب دماء الأغيار (غير اليهود) ونداءًا للانتقام منهم. في العرف الإسرائيلي، هناك حصانة للشاعر الذي ينادي بالعنف غير القانوني. فحتى في أغنية عيد الأنوار اليهودي (“حانوكا”) نحن نطلب من الله أن “يذبح” أعدائنا(!).”

المدعية ادعت بأن قصيدة طاطور نشرت في الفيسبوك برفقة مقطع فيديو، لكن كلدرون أوضح بأنه لا تأثير لهذه الحقيقة على رأيه. “الشعر هو شعر. الفيديو هو ربما شيء جديد ولكن استخدام الشعر في سياق هو أمر متبع منذ زمن طويل. هل كنت لتتطرقين لسياق قصيدة لاوري تسفي غرينبرغ يذكر فيها بشكل واضح الكلمات “تحالف المتنمرون” مع العلم بأنه كان عضواً في هذه المنظمة التي نادت بإجراء عمليات غير قانونية ضد الحكم البريطاني في البلاد؟ غرينبرغ، أشار كلدرون، لم يكن يوماً هدفاً لشرطة الانتداب على الرغم من النصوص الفظة في أشعاره والتي ألهمت الحركات السرية التي انتهجت العنف ضد حكم الاحتلال. تماماً مثل حكم القيصر الروسي الذي لم يرى حاجة للعمل ضد بياليك على الرغم من نداءه للانتقام العنيف.

“أنت لا تتظاهر بعرض نفسك كشاهد موضوعي”، اتهمت المدعية البروفيسور الذي أسرع إلى الموافقة: “لا يوجد شاهد موضوعي في الأدب، لا توجد محكمة للإنتاجات الأدبية، لقيمتها ولمعناها”. في وقت لاحق، ادعت حردك بأن كلدرون اعتمد على كتاب كلاسيكيين من الماضي البعيد ولم يستحضر في ورقة الرأي أمثلة راهنة. “اذا ما قمنا بتبني وجهة نظرك، سيستطيع أي شخص يتظاهر بأنه شاعر بأن ينشر ما يخطر له حتى اذا كان ذلك بمثابة مخالفة جنائية!”، وبخته المدعية. “نعم”، قال البروفيسور بكل أريحية، “(المغني) أريئيل زيلبر نشر قصائد أيدت قاتل رابين (رئيس الحكومة الإسرائيلي الأسبق). لم يقم أحد بتقديمه للعدالة ولا حاجة لتقديمه للعدالة، لقد حظي بحماية كل أمناء الشعر.”

المدعية قامت بكل ما في وسعها أيضاً لإظهار الخبير الثاني، د.مندل، كشاهد “غير موضوعي”. حيث استعرضت كدليل يثبت “الادانة” مقالاً كان قد كتبه في الماضي واعتبر حركة حماس في معرضه كمنظمة سياسية وليس كمنظمة ارهابية (في جولة التحقيق التالية أوضح مندل بأنه لم يخرج بهذا التعريف من رأسه بل استعاد رأي الجنرال الأمريكي كولن باول ورئيس “الموساد” السابق افرايم هليفي). مندل أقر أيضاً بأنه كتب مقالاً حول التفسير المغلوط للغاية لكلمة “شهيد” وسط الإسرائيليين، فبينما تعني هذه “القتيل” أو “الضحية”، يقوم متحدثي العبرية بتعريفها بشكل اوتوماتيكي مع الإرهاب. الفلسطينيون، قال مندل، يتطرقون للشهداء “كضحايا أكثر منهم كمعتدين. فالشهيد هو ليس فقط من قام بعملية ارهابية انما أيضاً مريض السرطان الذي يموت على الحاجز. معظم من يسمون شهداء هم مدنيين لم يحاولوا المس بالإسرائيليين. في “الجرف الصامد” أو في “الرصاص المصبوب” (الحروب على غزة) قتل حوالي ال-2000 شخص في قطاع غزة، ومن ناحية الفلسطينيون كلهم شهداء، مدنيين كانوا أم مقاتلين.”

דארין-ופרקליטיה
من اليمين: توفيق طاطور الوالد، دارين طاطور، المحامي نري رمتي، المحامية جابي لسكي وبروفيسور نيسيم كلدرون في محكمة الصلح بالناصرة هذا الأسبوع.

فيما يتعلق بالقصيدة التي كتبتها دارين طاطور، أوضح الشاهد بأن كل الضحايا الذين تحدثت عنهم هم مدنيين. “عندما أنظر إلى أسماء الضحايا الذين تذكرهم في القصيدة، فالولد الذي أحرق هو كما يبدو محمد أبو خضير: علي هو علي دوابشة: وأيضاً هديل كانت حالة شاذة جداّ حتى أن صحيفة “هآرتس” وصفتها ب”الإعدام” (هديل الهشلمون التي قتلت في الخليل برصاص جندي شك خطأً، بحسب كل الشهادات، بأنها كانت تنوي القيام بعملية).

في هذه المرحلة أخرجت المدعية مقاطع فيديو قدم فيها مخربين انتحاريين على أنهم شهداء، وحاولت أن تقنع الشاهد بأن دارين طاطور أيضاً كانت تنوي تمجيد المخربين الانتحاريين عندما ذكرت الشهداء. بعد ثلاث ساعات من الاستنزاف من على منصة الشهود وعرض فيديو يلحقه فيديو آخر، اشتكت محامية الدفاع من تعامل المدعية مع د.مندل ك”متهم”. وفعلاً فقد كررت المحامية حردك، مرة تلو الأخرى، ادعائها بأن الشاهد غير “موضوعي” بينما كان رد مندل بأنه “عندما يتم الحديث عن واقع سياسي،، لا يوجد شخص ليست لديه آراء”، وأضاف بأنه، بحسب قراءته المهنية، من ليس موضوعياً هو من قرر مقاضاة دارين اعتماداً على ترجمة تسعى للإدانة: “ترجمتي مخلصة للحقيقة، موضوعية، مرتبطة بروح الأمور كما كتبت ولم تعد لإدانة أحد. كما شعرت ففي كل مفترق كان بالإمكان فيه الاختيار لفهم القصد (من وراء ما كتبته الشاعرة)، فسر هدفها على أنه عنيف، وهذا ينم عن عدم موضوعية”.

المدعية استمرت في عرض شرائط الفيديو، واحد تلو الآخر، وسألت الشاهد “ماذا ترى في هذه الشرائط؟”. “أنا رأيت الضفة الغربية، أراضي خارج الخط الأخضر لم تضم لإسرائيل وفيها، بحسب فهمي، جنود يتصادمون مع فلسطينيين”. في موقع آخر ذكر بأن هناك في الضفة الغربية “وضع مركب جداً يعتبر الجنود فيه قوة محتلة كما يعتبر هدم بيت ما عمل عنيف”. “القاء الحجارة أو الزجاجات الحارقة هو إرهاب”، احتجت المدعية. مندل أجاب: “يجب حل الصراع دون عنف. أنا ضد العنف. في وضعية يطلق فيها طرف النار ويلقى حجر من الطرف الآخر، أعمال العنف تتم من قبل الطرفين.”. كما رد بسخرية على تعريف القاء الحجارة كإخلال بالنظام: “يجب ان يسأل أحدهم نفسه: اذا كانت الحجر تخل بالنظام- فما هو النظام؟ استمرار الوضع الذي تتواجد في اسرائيل بالضفة الغربية. القاء الحجارة هو رد على وضع محتد”.

القاضية قررت بأن الجلسة القادمة ستعقد بتاريخ 28.3. محاميو طاطور استدعوا الشرطي ينيف همي كشاهد وابلغوا بأنه قد يكون هناك شاهد آخر.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.