ماذا حدث عندما تجرأت على الكتابة بالعربية

أستغرب من ظاهرة الخوف من اللغة العربية ومن كل لغة ليست العبرية او الانجليزية. اسأل نفسي ما الذي يجعل الأسياد المهيمنين يخافون بهذه الدرجة من وجود لغات أخرى في الحيز العام؟ الناشطة خلود خميس لم تتوقع التعقيبات العنصرية بالذات من طرف نساء يعتبرن أنفسهن نسويات.
خلود خميس

 

كامرأة فلسطينية تحيى بين أربع لغات وبين عدة ثقافات، أنا أكتب بلغات مختلفة، في كل مرة أختار اللغة بحسب السياق. اختيار لغة الكتابة على الشبكة الاجتماعية قد يكون عشوائياً أحياناً أما في أحيان أخرى فقد ينبع من اعتبارات معينة تتعلق بالمضمون والسياق.

أنا استخدم العربية في سياق نشاطي لمحاربة العنف الجنسي بالمجتمع العربي، ومن ضمن ذلك صفحة “تسكتيش” (مبادرة لمناهضة العنف الجنسي) التي أكون أحد مؤسساتها. لكنني أكتب عن هذا الموضوع بأحيان أخرى بالعبرية أيضاً لأن الشراكة العربية-اليهودية مهمة بالنسبة لي، وأنا أدرك بأن الكثير من الناس ما زالوا لا يتقنون العربية ومن المهم بأن أجعل هذه المضامين في متناول يدهم بين الحين والآخر.

بالأمس بحثت عن أدب أطفال بموضوع العنف الجنسي فكتب مشاركة بهذا الخصوص بالعربية شاركتها بعدة مجموعات على الفيسبوك. وقد تفاجأت فيما بعد لوجود تعقيبات عنصرية في إحدى هذه المجموعات، والتي تسمى “خطاب نسوي”، منها: “هل تحاولون أن تفرضوا سيطرتكم هنا أيضاً؟”، “ما العبرة من الكتابة بالعربية في غير مكانها؟” أو “انت فقط تبحثين عن انتباه”. تعقيب آخر أشار لحقيقة كتابتي “بلغة أجنبية”.

المحو الرمزي للعربية يجسد بشكل بشع الرغبة في عدم رؤيتنا، الغاء وجودنا في الحيز وتكريس دولة كل يهودها. لا حاجة لأن نذكر هنا بأن هذه الرغبة تتجسد أيضاً بالأعمال الجلية، الأكثر عنفاً، والقاتلة أحياناً. ولكن الاسكات بالحيز الافتراضي الذي يكون كل هدفه القول: اغربي عن وجهنا، أنت ولغتك، خذي أحرفك المبهرجة واختفي عن نظرنا، قد يكون مرعباً بنفس الدرجة.

فكرة وجود نساء بالذات في مجموعة مثل “خطاب نسوي”- نساء يعرفن أنفسهن كنسويات وكمهتمات بالخطاب حول القمع، الطبقات وعلاقات القوة- يهمهن بهذه الدرجة أن يسكتن اللغة غير السيادية ويتعاملن مع المضامين التي طرحتها امرأة فلسطينية على أنها غريبة هي فكرة مفزعة بكل معنى الكلمة. هذا الهجوم جعلني أترك المجموعة على الفور ولكن شعور الصدمة والألم لم يتركني بنفس السهولة.

أستغرب من ظاهرة الخوف هذه من اللغة العربية ومن كل لغة ليست العبرية او الانجليزية. اسأل نفسي ما الذي يجعل الأسياد المهيمنين يخافون بهذه الدرجة من وجود لغات أخرى في الحيز العام؟ وبهذه الحالة التي أمامنا، كيف تستطيع مشاركة كتبت بلغة غير مفهومة للبعض أن تزعزع شعورهم بالحصرية، السيطرة، اليقين والأمن. بغض النظر عن هذه المشاركة العينية، الحديث للأسف الشديد عن ظاهرة قائمة وبقوة في الحياة العامة. قبل بضعة أشهر، كنت أقف في طابور الانتظار بشبكة الأغذية. الزبونة التي كانت أمامي تحدثت مع عاملة الصندوق بالروسية، فبدأت زبونة أخرى تصيح: “انتم في دولة إسرائيل. هنا يتحدثون بالعبرية”(!). تماماً كأننا نعيش في فترة “حرب اللغات”، وكأن اليعزر بن يهودا عاد إلى الحياة لكي قمع كل ما هو غير العبرية وسط أصدقائه اليهود.

من نافل القول بأن أجيالاً وراء أجيال من البشر غير اليهود عاشوا في هذه الدولة. ليس من المفترض بأن تهدد حقيقة استخدامهم للغتي- العربية- أحد أو تخيفه. هذا الخوف من اللغة العربية، من مجرد وجودها، هو خوف غير مبرر. اللغة العربية هي لغة رسمية بهذه الدولة، وأكثر من 20% من السكان هم من متحدثي ومتحدثات العربية. لدي حق كامل للتحدث، القراءة، الكتابة والحلم بلغتي تماماً كما يوجد لكل انسان حق كامل للتحدث، القراءة، الكتابة والحلم بلغته.

أحزنني بشكل خاص التعقيب الذي اعتبر اللغة العربية “لغة أجنبية”. لغة محلية، لغة يتحدث بها كل جيراننا، أصبحت “لغة أجنبية”. كيف حصل ذلك؟ بعشرات السنوات من التخويف والتحريض ضد مجتمع كامل. سنوات من اسكات اللغة العربية في الحيز العام، من محاولات اسكات اللغة بأماكن معظم العاملين والعاملات فيها من متحدثي ومتحدثات العربية. المثال الذي اوردته يعكس واقع أوسع بكثير.

المحو الرمزي للعربية يجسد بشكل بشع الرغبة في عدم رؤيتنا، الغاء وجودنا في الحيز وتكريس دولة كل يهودها. لا حاجة لأن نذكر هنا بأن هذه الرغبة تتجسد أيضاً بالأعمال الجلية، الأكثر عنفاً، والقاتلة أحياناً. ولكن الاسكات بالحيز الافتراضي الذي يكون كل هدفه القول: اغربي عن وجهنا، أنت ولغتك، خذي أحرفك المبهرجة واختفي عن نظرنا، قد يكون مرعباً بنفس الدرجة. ليس لدي ما أقوله لهؤلاء النساء اللواتي يسمين أنفسهن نسويات إلا: لن نذهب إلى أي مكان، بالعكس. العربية هي جزء من حيزكم الثقافي حتى اذا كنتن ترفضن الاعتراف بذلك. أو بالإشارة الى مايا انجيلو “بإمكانكم السب، التشهير، الاهتياج، أنا رغم ذلك سأنتصب وأقوم”.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.