حتى متى تتعرض الشرطة للاثيوبيين؟

شرطة إسرائيل هي من بين المؤسسات الوحيدة في الدولة التي تشغل اثيوبيين بنسبة أعلى من نسبتهم بين السكان إلا أن هذه الحقيقة لا تمنعها من التعرض للاثيوبيين والتواجد المكثف في أحيائهم. لا حل دون معالجة العنصرية المتفشية عميقاً في الثقافة التنظيمية لجهاز الشرطة.
مبرطو مشاشا

 

الساعات الاولى من العاشر لآذار، 2017. عائلة مكونن تتنفس الصعداء بعد ليلة من النضال المضني مقابل محطة الشرطة في كرميئيل. القصة هي كالتالي: الابن، في أول سنوات الثلاثين من عمره، يخرج من الكنيس مسرعاً لعكا لكي يعيد والدته إلى البيت. في طريقه إلى السيارة يلتقي بأصدقاء من الحي ويبادلهم السلام عندما تصل إلى المكان دورية شرطة. الشرطيون يقومون بتوقيفه ويبدؤون بإجراء تفتيش. بعد بضعة دقائق، بدل أن يصل إلى عكا، يجد الشاب نفسه في تحقيق بمحطة الشرطة. بحسب الشرطيين: “وجد بين الأعشاب كيساً يحتوي على مادة خطرة”.

تسلسل الأحداث فيما بعد ينجح في مفاجأة الشرطة بكرميئيل: الأخوات مكونن يقمن بالاتصال بمحامي والذي يتحدث بدوره مع الضابط بمحطة الشرطة- بعد أن حذرهن الأخير من “القيام بأية أعمال خرقاء”، تدخلن الإعلام في الصورة وتتوجهن لمسؤولين في الشرطة. في نهاية المطاف، بعد حوالي ثلاث ساعات من التحقيق، يتم إطلاق سراحه دون تثبيت أي شيء. خلال التحقيق، قام الشرطيون بالضغط على مكونن لكي يوقع على استمارة بثلاث لغات يعترف فيها بحيازة “مادة خطرة”. لكنه واصل تأكيده على الحقيقة حتى لحظة إطلاق سراحه: “لا علاقة لي بالموضوع”، قال لهم. وليذهبوا ويثبتوا بكل الادوات المتواجدة بيد الشرطة بأن له علاقة. كل ما فعله بأنه مشى من الكنيس إلى سيارته حتى تم توقيفه بشكل عشوائي تماماً من قبل الشرطيين- بشكل غريب، كان ذلك تماماً بالقرب من “مادة خطيرة” ادعوا بأنهم وجدوها.  

משטרה
احتجاجات الاثيوبيين عام 2015 (تصوير مكتب الناطق بلسان الشرطة)

مكونن خرج نظيفاً لأنه اثيوبي صاحب امتيازات. لديه أخوات استخدمن كل قوتهن وشبكتهن الاجتماعية لكي لا يحدث له أي مكروه- لولا ذلك لقاموا بتكسير عظامه. إطلاق سراح مكونن جاء بعد أن عرفوا في محطة الشرطة بأن هناك صحافي محلي يتابع القضية، ثلاثة أشخاص يتظاهرون خارج المحطة وآخرون بالطريق للانضمام إليهم، محامي يتصل كل ربع ساعة وأطراف من داخل الشرطة تقول لهم بأنهم يتعرضون للأثيوبي الخطأ. لم يبق أمام الشرطة إلا القول: كانت هناك شبهه، أوقفناه، حققنا معه وأطلقنا سراحه.

لأسفنا الشديد فان هذه النهاية لقصة الأخ مكونن لا تمثل قصص أخرى كثيرة للقادمين الأثيوبيين الذين يلتقون بالشرطة بأنحاء اسرائيل، وهم يلتقون بها كثيراً. في اللغة الأكاديمية يسمون ذلك “over-policing” (نشاط شرطي مكثف بحق أبناء مجموعات وأقليات معينة). بحث لبروفيسور جاي بن بورات ود.فني يوفال من جامعة بن غوريون، على سبيل المثال، قارن بين نظرة الأقليات (القادمين الاثيوبيين، المتدينين الارثوذكسيين، العرب والقادمين الروس) تجاه الخدمة التي يتلقونها من الشرطة وبين بقية السكان. وقد وجدوا، من ضمن أمور أخرى، بأن الشعور الذي يسود بين العرب بأن هناك نشاط شرطي منقوص في المدن والقرى المتجانسة (اثنياً) ونشاط مكثف خارجها. أما بين الاثيوبيين فيبرز الشعور بالتفرقة- 26% يعتقدون بأنهم سيحصلون على معاملة سيئة من الشرطة و- 42% يعتقدون بأن الشرطة تعتقل أشخاصاً من بيئتهم دون سبب (ذلك مقابل 20% وسط العرب). نتائج البحث نشرت عام 2014 وحصلت على تأكيد لها بالاحتجاجات التي انطلقت عام 2015 (تظاهرات الشارع، الأكبر للأثيوبيين بتاريخ الدولة، التي انطلقت احتجاجاً على العنف الشرطي).  

شرطة إسرائيل هي من بين المؤسسات الوحيدة في الدولة التي تشغل اثيوبيين بنسبة أعلى من نسبتهم بين السكان (2.3%) إلا أن هذه الحقيقة لا تمنعها من التعرض للاثيوبيين والتواجد المكثف في أحيائهم. المشكلة ليست حقاً هوية الشرطيين إنما بالثقافة التنظيمية التي يقومون بتبنيها بعد بضعة سنوات من الخدمة في جهاز الشرطة.

الصورة الكبيرة تظهر بأن الشرطة ليست الوحيدة المصابة بالعنصرية انما كل أجهزة الرفاه والقضاء: هكذا، مثلاً، بحسب معطيات تقرير “اللجنة لاجتثاث العنصرية ضد القادمين الأثيوبيين” (تقرير بلمور”) الذي صدر قبل حوالي نصف السنة، 2.9% من مجمل الملفات الجنائية بعام 2013 فتحت ضد مواطنين من أصول اثيوبية، المعطى الذي قفز خلال سنتين إلى 3.2% (أي ضعف نسبتهم بين السكان): خلال السنوات 2014-2015، 3.5% من مجمل لوائح الاتهام قدمت ضد اثيوبيين: أما فيما يتعلق بلوائح الاتهام بين القاصرين الاثيوبيين فهؤلاء يشكلون 8.5%، أي أربعة أضعاف نسبتهم بين السكان. هذه المعطيات المتعلقة بالشرطة والسجن، بالإضافة إلى ما يجري في سجن “اوفك” للقاصرين حيث ثلث المعتقلين هم من الاثيوبيين، تبرز بتغطية الإعلام بشكل خاص ولكن لا بد من التشديد على أن جهاز الرفاه يأخذ خو الآخر دوراً في اللعبة: معطيات الدفاع العام تظهر بأنه في عام 2015، فقط 19% من القاصرين الاثيوبيين حصلوا على توصية لارسالهم للعلاج والتأهيل ذلك مقابل 55% من القاصرين العرب و- 74% من اليهود غير الاثيوبيين. أي أن احتمال الفتى الاثيوبي الذي تمت إدانته بأن يدخل السجن أكبر بثلاث مرات من احتمال بقية الإسرائيليين وبمرتين من المواطنين العرب.

الحقائق واضحة وكذلك المشكلة: هناك من يعتقد بأن الاثيوبيين و\او الأحياء التي يسكنون بها، وهي أحياء مستضعفة على الأغلب، يخلقون سلوكيات خارجة عن القانون (أو بكلمات قائد الشرطة العام روني الشيخ: “في المشتبه، يشتبهون أكثر”!). لكن لا أساس لهذا الادعاء سوا الأساس العنصري. جزء من “معالجة” المشكلة كما يقترحون في الشرطة هو نفسه عنصري، مثل الترجمة اللغوية والثقافية لعمل الشرطيين والتي تعني بكلمات أخرى: متحدثي امهارية بمركز الشرطة الهاتفي، شرطيين من أصول أثيوبية كوسطاء بين ثقافات جانحة. هم يسمون ذلك “تنويعاً” لكن التجربة في العالم تثبت بأن التنويع لوحده ليس حلاً للنشاط الشرطي المكثف، وهو الأمر الذي نستطيع استنتاجه أيضاً من الحالة الإسرائيلية: فشرطة إسرائيل هي من بين المؤسسات الوحيدة في الدولة التي تشغل اثيوبيين بنسبة أعلى من نسبتهم بين السكان (2.3%) إلا أن هذه الحقيقة لا تمنعها من التعرض للاثيوبيين والتواجد المكثف في أحيائهم. المشكلة ليست حقاً هوية الشرطيين إنما بالثقافة التنظيمية التي يقومون بتبنيها بعد بضعة سنوات من الخدمة في جهاز الشرطة. لا معنى للانتظار وتضييع الوقت والموارد على برنامج لم يكن وليس لديه انجاز واحد ليعرضه، حتى بعد سنتين من العمل

لمكونن لا توجد مشكلة من ناحية اللغة ولا الثقافة او السلوك. هو ليس بحاجة للتوقيع على استمارة بالامهارية يعترف فيها بمخالفة لم يقم بها. المشكلة هي بتصرف الشرطة. واذا كانوا يفكرون هناك ويعملون وفق نتائج “اللجنة لتعزيز الثقة بين الشرطة والاثيوبيين”، دون أي تطرق للمشاكل على متسوى التوجه الاساسي، إلى جانب الممارسات المتبعة تجاه الاثيوبيين- فسنستمر برؤية وسماع المزيد من القصص مثل قصة مكونن وغيره. حتى الانفجار القادم، والذي سيأتي لا محال إذا لم يتغير الواقع، ويصفعنا بقوة أكبر بكثير. 

المزيد:

“المجتمع الأثيوبي يستفيق من الأكاذيب ويخرج إلى الشوارع”، آفي يلاو. 

“كل الاخفاقات كلها: 900 يوم على أسر الشاب الأثيوبي أفرا منجيستو”، طلاينش يونيت فنتا. 

“الفلاش مورا بدعة”، يتسحاق مولا. 

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.