هل بإمكاني أن أطالع صحيفة "هآرتس" وأن أبقى شرقياً؟!

هل بإمكان اليساري الشرقي أن يشعر في البيت بين طيات صحيفة “هآرتس”؟ فهذه لا تكتفي بعرض الآراء اليسارية بل تتوقع من القراء بأن يلتفوا حول أسلوب حياة وعالم ثقافي موحد كشرط، بمعنى معين، لآرائهم السياسية.
ران شمعوني

 

بدأت مطالعة صحيفة “هآرتس” خلال خدمتي العسكرية. احد الأصدقاء كان يحضر الملحق من البيت في كل أسبوع، واذا كان يعود في يوم الخميس كان يحضر الصحيفة اليومية معه. لم نفهمه، نحن مجموعة الأصدقاء من الجيش، ما خطبه- فتقطيعة الصفحات تثير الجنون عدا عن أننا لم نفهم لماذا يصممون على كتابة “ليفربول” (بالعبرية) بالواو بدل الباء وكانت المرة الاولى التي نسمع فيها عن صحيفة تخصص زاوية أسبوعية للنبيذ(!). أسأل نفسي اليوم لماذا شعرت بأن الصحيفة كانت غريبة بهذة الدرجة؟ لست واثقاً عملياً ان كان لدى ذلك الصديق تفسيراً لمطالعتها بحماسة. أفترض بأنه، مثل الكثيرين غيره، ببساطة ولد ليكون أحد قراء “هآرتس”.

أنا لم اولد لأكون أحد هؤلاء فلا والديَ ولا أحد من عائلتي الموسعة كانوا يحضرون “هآرتس” يوماً إلى البيت، لا من منطلق ايديولوجية منمقة ولا من منطلق كراهية متقدة- هذه الصحيفة ببساطة كانت خارج نطاق اللعبة، وكأنها لم تكن قائمة بتاتاً. أنا (يهودي) شرقي. ولدت في البلاد- مع ذلك فأنا شرقي. لم أتعرض للتمييز مرة بسبب ذلك، على الأقل ليس بطريقة كنت واعياً لها، ولكنني لطالما أدركت هويتي الشرقية، للسلب والايجاب: تعرفت على شرقيتي  عندما قاموا بالتشديد على حرف العين باسم عائلتي في محاولة للتحبب (وهي طريقة النطق التي من المفترض بأنها تميز اليهود ذوي الأصول اللشرقية)، تعرفت اليها عندما غاروا مني لأن لدي الكثير من أولاد الأعمام، تعرفت اليها في دروس التاريخ وفي يوم ذكرى الكارثة في المدرسة الابتدائية عندما اختلقت قصة تربطني أنا أيضاً بهذا الحدث، على ما يبدو، لكي أشعر جزءاً من القصة التي أدركت في حينه بأنها من المفترض بأنها تخصنا “جميعاً”.

شرقيتي تجر خلفها افتراضاً اجتماعياً يتعلق بآرائي السياسية، فكما هو معروف هناك في إسرائيل توقع لوجود تماثل بين الاثنية والآراء السياسية يتساوى في اطاره الشرقي واليميني. الناس غير قادرة على استيعاب من يخرج عن هذا الاطار وعلى ايجاد حل لما يبدو لهم كتناقضاً تاماً- الشرقي غير اليميني. بالإمكان تفسير هذا الشذوذ بنظرهم فقط بواسطة نموذج “التشكنز”، أي أن يقوم شخص ذو أصول شرقية بالتثقف وتبني أسلوب حياة “أشكنازي”. فقط هكذا من الممكن بأن يصبح يسارياً. بالإمكان الاطمئنان: جذور اليسارية لدى الشرقي لا تنبثق عن أسس فكرية تتعلق بتراثه وتاريخه- بل ببساطة عن تشكنزه(!).

معسكر السلام لا يشعر بأنه أخطأ بالطريق، وقد يكون غير محبط حقاً من عدم قدرته الثابت والمستمر على استقطاب جماهير المصوتين والمصوتات- ففقط هكذا سيبقى أعضائه مميزين في تنورهم، مثل الأبطال التراجيديين للتاريخ: متعلمين، مثقفين وليبراليين خرجوا من الكهف ولكنهم لم ينجحوا في اخراج الجماهير معهم

“هآرتس” كوسية الاعلام الأبرز والمعرفة بأكبر درجة مع اليسار الإسرائيلي تعكس هذا التوقع الذي لا يمت للواقع بصلة. فالصحيفة لا تكتفي بعرض آراء يسارية اجتماعية وسياسية: من خلال عناصر مرافقة وثانوية للمضمون ظاهرياً، هي تجسد مطلب اليسار الإسرائيلي لوجود تجانس ثقافي بين اليساريين كلهم. التوقع من القراء، “الناس الذين يفكرون” (كما يقول اعلان الصحيفة)، بأن يلتفوا حول أسلوب حياة وعالم ثقافي موحد كشرط، بمعنى معين، لآرائهم السياسية، هو أمر متأصل في اليسارية التي تطرحها- أشكنازية، بعيدة ومستثنية.

هكذا، على سبيل المثال، تقوم زاوية لجنة تقييم البرامج التلفزيونية التي تظهر في الملحق بكل أسبوع بتحديد ما هو جيد وما هو رديء، ما الذي يعتبر رفيعاً وما الذي يعتبر متدنياً. على قراء “هآرتس” الالتزام بعالم ثقافي معين إلى جانب الالتزام بآرائهم السياسية: من لا يعرف شيء ما تم تعريفه كجيد ورفيع أو من يستلطف شيئاً عرف كرديء ومتدني يجب أن يراجع نفسه وأن يحاول أن يفهم لماذا لا تستوي خياراته الثقافية مع آرائه السياسية. مثال آخر. مثل كل جسم تجاري، تظهر في النشرة المطبوعة ل”هآرتس” اعلانات تجارية بوفرة هي جزء لا يتجزأ من مطالعة الصحيفة: من خلال الاعلانات المختلفة بالإمكان تمييز جمهور القراء وكذلك الطريقة التي تنظر فيها هيئة التحرير إلى جمهورها وتتخيله. في حالة “هآرتس” يتم تخيل الجمهور على أنه معني بتذاكر للاوركسترا السمفونية، بمعرض لطرطكوفر (فنان إسرائيلي) او بأحدث اصدار لأدباء وأديبات معينين. شخصياً، لا أعرف من هو طرطكوفر، ولن أذهب على ما يبدو للاوركسترا في حياتي ولا فكرة لدي ما هو أحدث اصدار لأدباء لم أسمع بهم. ما زلت يسارياً ولكني ببساطة لست صورة عنكم ولا أريد أن أكون كذلك. بالإمكان الظن، بحسب الاعلانات في صحيفة “هآرتس”، بأن القائمين عليها نسوا للحظة طويلة جداً بأن الزمن عفا عن الهيمنة الاوروبية-الاشكنازية في الجزء الأكبر من البلاد. من ناحية الصحيفة، العالم الثقافي الذي تمثله يعتبر شفافاً وبديهياً بينما يتم التعامل مع ما هو غيره كظواهر أو مجالات اهتمام محددة جداً بالمجتمع الإسرائيلي.

مع ذلك، وعلى الاختلاف من صحف كثيرة، لا يمكن القول بأن “هآرتس” تقصي التمثيل الشرقي: هناك تعاطي، موسع أحياناً، في المقالات والملاحق مع الثقافة الشرقية والأسئلة والقضايا المتعلقة بالنضال الشرقي. حتى أن الصحيفة تخصص للشرقية زاوية تسمى “شرقية محكية” تكتبها اينس الياس، وهي الزاوية التي استمتع بها وأواظب على قراءتها. مع ذلك، اتسائل في كل مرة لماذا أعطيت هذا الاسم بالذت- “شرقية محكية”- والذي يذكرنا بسهولة ب”العربية المحكية”. هل علي أن أفهم من ذلك بأن الشرقية هي مثل لغة شعبية ولكن مع ذلك أجنبية، وبأن وظيفة الزاوية أن تقدمها للقراء (من الواضح هنا بأن أحداً لن يفكر في تخصيص زاوية للأشكنازية وحتى اذا حصل ذلك فهذه لن تسمى بالطبع “أشكنازية محكية”). العالم الاشكنازي النخبوي شفاف بعيون محرري الصحيفة، هو المفهوم والواضح، وهو أيضاً القاعدة. هو يظهر بالنشرة المطبوعة على صفحات الأخبار وفي غالبية مقالات الرأي أما الاعلانات بين بين فهي أذرعه التجارية. في المقابل، بقية المضامين، مثل التقارير عن مصر، عن الموسيقى العربية الأفريقية أو السياسة الشرقية، ولو أنها تحصل على منصة إلا أنها تعرض كموضوع للنقاش، كعالم يجب تحليله وبحثه.

بواسطة عناصر مرافقة للمحتوى الجوهري، يصبح من الواضح للقراء الجدد أو المختلفين الذي ابدوا اهتماماً بالصحيفة بأنهم “ليسوا في البيت”. فاذا كانوا يريدون حقاً الانتماء لليسار السياسي في إسرائيل- عليهم أن يتغيروا بمستويات أوسع بكثير. اليسار الإسرائيلي لا يكتفي بصياغة رأي سياسي متين او حتى شعور بأن الحق معه. بل أنه مغرم في رغبته بالشعور بأنه محق وأخلاقي، ولكنه وحيد، كالقديسين في عالم من الخطيئة. واليسار الاسرائيلي وحيد بالفعل. على الرغم من المظاهر الاعتذارية والمخجلة هنا وهناك، معسكر السلام لا يشعر بأنه أخطأ بالطريق، وقد يكون غير محبط حقاً من عدم قدرته الثابت والمستمر على استقطاب جماهير المصوتين والمصوتات- ففقط هكذا سيبقى أعضائه مميزين في تنورهم، مثل الأبطال التراجيديين للتاريخ: متعلمين، مثقفين وليبراليين خرجوا من الكهف ولكنهم لم ينجحوا في اخراج الجماهير معهم: فقط هكذا لن يكون عليهم أن يقبلوا على أنفسهم اسرائيلية مشتركة ومتساوية بالفعل- شعبية ومحقة، جماهيرية ومتنورة.

طالب في قسم التاريخ الشرق الاوسط في جامعة تل أبيب.

المزيد:

“مطلوب معسكر ديمقراطي وغير نخبوي!”، توم مهاجر. 

“هكذا ينفض “اليسار” الإسرائيلي يده من المسؤولية”، سمير الأحمد. 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.