من قال بأنه لا يمكن الخلط بين الرياضة والسياسة: عودة إلى مقاطعة 1968

في عام 1968 شهدت نيويورك احد أهم الاحتجاجات السياسية في عالم الرياضة وفي تاريخ النضال الاسود ضد عنصرية المؤسسات الرياضية الأمريكية. عودة إلى حراك المقاطعة وقبضة اليد التي رفعها تومي سميث وجون كارلوس. الجزء الثاني.
يوسي ادري

 

للإطلاع على الجزء الأول من الملف. 

عام 1968 محفور في الذاكرة الجماعية الأمريكية كعام مليء بالتوترات الاجتماعية، المظاهرات الجماهيرية وتمرد جيل شاب وراديكالي ضد المؤسسة. الضال من أجل الحقوق المتساوية بالحلبة الاجتماعية انتقل أيضاً إلى عالم الرياضة الذي وقف في ذلك العام أمام تحدي ضخم فرضه رياضيون سود من كل أنحاء الدولة، وعلى رأسهم نشطاء حركة “Olympic Project for Human Rights “: الحملة التي قادها هؤلاء لمقاطعة الألعاب الاولمبية في مكسيكو سيتي في ذلك العام احتجاجاً على العنصرية والتمييز ضد المجتمع الاسود القت بظلالها على تحضيرات البعثة للألعاب الاولمبية.

في شهر تموز، حوالي ثلاثة أشهر قبل افتتاح الألعاب، حصلت حملة المقاطعة على دعماً مفاجئاً منحها دفعة أخرى: خمسة من أصل الأعضاء الثمانية لمنتخب التجديف التابع لهارفارد، الذي تم اختياره لتمثيل الولايات المتحدة بالألعاب الاولمبية، عقدوا مؤتمراً صحافياً مشتركاً مع هاري ادواردز، قائد ال- OPHR. الرياضيون صرحوا في اعلانهم المشترك، من ضمن أمور أخرى، بأن “الروح الاولمبية لا يمكنها أن تتماشى مع النفاق الكائن في عدم الاعتراف بأن الانجاز الرياضي الأرفع حتى ليس باستطاعته أن ينقذ الرياضي الاسود من الظلم التي يلحق به بسبب كونه انساناً أسوداً”.  كانت أهمية هذه الوقفة لأعضاء منتخب التجديف مع أعضاء ال- OPHR بأنه لا يمكن الادعاء بأن الأوائل متشددون او رادكاليون يبحثون عن اثارة المشاكل مثلما اتهم الآخرون. المجدفون كانوا بيضاً متعلمين من ابناء الطبقة الوسطى ومثلوا احدى المؤسسات الاكاديمية المعتبرة في العالم، لهذا أيضاً فقد نجح موقفهم بلفت الانظار واعتبر بمثابة تهديد كبير على اللجنة الاولمبية.

تحليل احتجاج سميث وكارلوس يؤكد، بنظري، بأن مصدر قوته نبع بالأساس من طابعه الهادئ: الاثنان احترما قواعد الطقوس، لم يحملا أية لافتة أو يطلقا النداءات بس استغلا اللحظة، التي تمثل أكثر من أي شيء آخر انتصارهما الشخصي وانتصار الشعب الذي يمثلونه، لكي يستأنفا على المسرحية الوطنية التي كان من المتوقع منهما بأن يعرضاها.

مع اقتراب شهر ايلول، مارست اللجنة الاولمبية الأمريكية الكثير من الضغط على نشطاء ال- OPHR ومؤيديهم في محاولة منها لإلغاء المقاطعة. داخل الحركة، كان هناك من بدأ ينتقد القيادة المركزية لادواردز، وتعامله المستهتر بالرياضيات وعدم اشراكهن باتخاذ القرارات في الحركة. مع ذلك، فقد نبعت الصعوبة المركزية في تحقيق فكرة المقاطعة من التوتر الكائن بين رغبة كل رياضي كفرد بأن يشارك في الألعاب الاولمبية، المسابقة الأهم من ناحية الرياضي الاولمبي والتي يخصص لها جل مجهوده، وبين شعور الالتزام بالنضال من أجل الحقوق المتساوية للرياضيين السود خاصة وللمجتمع الأسود بعمومه. بنهاية المطاف، بعد أن أدرك بأن المقاطعة لن تخرج إلى حيز التنفيذ بصيغتها الكاملة، أعلن ادواردز بتاريخ 1 أيلول بأن المقاطعة الغيت، وبأن نشطاء ال- OPHR سيحتجون بشكل فردي خلال الألعاب نفسها.

الاهتمام الامريكي بحملة المقاطعة لم ينبع فقط من أسباب داخلية، انما أيضاً من كون الحديث عن حدث سوف تتطلع له كل أنظار العالم. عملياً، لم يكن هناك مثيل لحجم التغطية الاعلامية للألعاب في مكسيكو سيتي،  كما خطط لها. شبكة ABC الامريكية أدركت الامكانيات التسويقية والتجارية للألعاب، ودفعت مبلغ 4 مليون ونصف المليون دولار للحصول على حقوق البث والانتاج. جمهور مكون من 400 مليون مشاهد بأنحاء العالم كان من المفترض بأن يشاهد الألعاب، بفضل استخدام أقمار صناعية متطورة سمحت ببث الألعاب لدول لم تكن قد انكشفت عليها بهذا المستوى الواسع. عدا عن ذلك فقد كانت الألعاب الاولمبية في مكسيكو سيتي المرة الاولى التي تستضيف فيها دولة “عالم ثالث” الحدث الرياضي الأكبر في العالم، وتحولت لشبة امتحان لقدرة دولة غير غربية على تنظيم حدث بهذا الحجم بنجاح.

الضغط الكبير على الرياضيين السود لم يتوقف بعد الاعلان عن إلغاء المقاطعة انما استمر بقوة أكبر في المكسيك. رئيس اللجنة الاولمبية الأمريكية، دغلس روبي، أبلغ الرياضيين برسالة رسمية بأنه “لن يكون هناك أي تسامح مع الحماقات، وبأن كل من سيشترك باحتجاج من هذا النوع أو ذك سوف يتم تعليق مشاركته في المنتخب فوراً وطرده إلى البيت”.

في 16 تشرين أول، بعد أربعة أيام من افتتاح الألعاب، حان وقت تومي سميث، من مؤسسي حركة ال- OPHR وحامل الأرقام القياسية في الركض لمأتي متر. سميث كان هناك منذ اللقاء الأول، مروراً بالاحتجاجات بسان خوسيه، مقاطعة نادي نيويورك الرياضي ومحاولات الاقناع لتأييد مقاطعة الألعاب الاولمبية. سميث أيضاً تلفى تهديدات عديدة على حياته وعلى حياة عائلته إلى جانب كل الاهانات الممكنة. اربع سنوات من العمل الصعب، شملت سنة ونصف من النضال السياسي المضني، تلخصت في سباق لا يتعدى العشرون ثانية. سميث الذي امتثل للسباق وهو مصاب، بدأ بتراجع خلف صديقه بالمنتخب جون كارلوس والاسترالي بيتر نورمان. بعد ثمانين متراً شرع بخطواته الطويلة التي تحولت لعلامته المميزة: كان اول من يصل إلى خط النهاية وحقق رقماً قياسياً عالمياً جديداً- 19.83 ثانية- قبل نورمان الذي حصل على ميدالية فضية وكارلوس الذي اكتفى بالبرونزية. مع ذلك، فسميث لن يذكر بالتاريخ بفضل الميدالية الذهبية والرقم القياسي الملفت انما بفضل ما حصل بعد انتهاء السباق.

بينما انتظر الثلاثة طقوس توزيع الميداليات في النفق الذي يقود إلى الملعب، أخرج سميث زوج قفازات سود قامت زوجته بشرائها من مكسيكو سيتي بناءً على طلبه. سميث أعطى كارلوس القفاز اليساري وشرح له بأنه ينوي رفع قبضته وإحناء رأسه عند سماع النشيد الوطني. نورمان الاسترالي الذي سمع الحديث اقترح بأن يعلق على ملابسه دبوس ال- OPHR للتعبير عن تضامنه فقام بول هوفمان من طاقم التجديف التابع لهارفارد بإعطائه دبوسه.

الثلاثة اعتلوا المنصة وهو يضعون دبوس ال- OPHR. سميث لبس شالاً أسوداً حول رقبته أما كارلوس فوضع قلادة خرز أفريقية. كلاهما رفعا جواربهما حتى الركبتين وكانا حافيا القدمين. مع انطلاق النشيد الوطني، قام الاثنان بإحناء رأسهما ورفع قبضتهما التي لبست القفازات السود إلى السماء. بعد نزولهما عن المنصة، استمرا برفع قبضتهما حتى دخلا إلى منطقة غرف تبديل الملابس بينما بدأت الاخبار الاولى عن احتجاجهما تثير الاصداء.

كسر التابو المنافق حول خلط الرياضة والسياسة، الى جانب الاستخدام الثوري الذي قامت به الحركة بالحلبة الرياضية للاحتجاج ورفع الوعي لقضايا ترتبط بحقوق الاسنان الاساسيةـ هي ميراثها الحقيقي.

بعد يوم من السباق شرح سميث الرمزية من وراء الاحتجاج خلال مقابلة مع شبكة ABC: “القبضة اليمينية ترمز إلى القوة في أمريكا السوداء. يد كارلوس اليسرى ترمز إلى وحدة أمريكا السوداء. معاً صنعت أيدينا قوساً من الوحدة والقوة. الشال الاسود حول رقبتي رمز إلى الفخر الأسود. الجوارب السوداء والأقدام الحافية رمزت إلى الفقر الاسود في أمريكا العنصرية. كل مساعينا وجهت إلى رد الاعتبار للكرامة السوداء”.

تحليل احتجاج سميث وكارلوس يؤكد، بنظري، بأن مصدر قوته نبع بالأساس من طابعه الهادئ: الاثنان احترما قواعد الطقوس، لم يحملا أية لافتة أو يطلقا النداءات بس استغلا اللحظة، التي تمثل أكثر من أي شيء آخر انتصارهما الشخصي وانتصار الشعب الذي يمثلونه، لكي يستأنفا على المسرحية الوطنية التي كان من المتوقع منهما بأن يعرضاها. الاحتجاج الصامت من على المنصة بالذات في طقوس تشكل قمة المسابقة الاولمبية قوضت الادعاء السائد حول تشجيع الانسجام العرقي بواسطة الرياضة، وركزت الانتباه على ضائقة الرياضي الاسود بشكل خاص والمجتمع الأسود في الولايات المتحدة، بشكل عام.

في الأيام التي تلت الاحتجاج، عرض الاعلام الأمريكي سميث وكارلوس على أنهما راديكاليين سود وعنيفين مثيرين للمشاكل. الاثنان طردا من قبل براندج من القرية الاولمبية في مكسيكو سيتي وعادا إلى الولايات المتحدة. رياضيون سود وبيض عبروا عن غضبهم لاستبعاد الاثنين، ورؤوا بأنها كانت خطوة مبالغ فيها وغير ضرورية.  كان هناك رياضيون في البعثة اقترحوا حتى اعلان الاضراب إلا أن سميث وكارلوس طلبا منهم التسابق كما هو مقرر. بعد استبعادهم، استمرت الألعاب بهدوء نسبي باستثناء حالات قليلة قام فيها رياضيون سود، مثل بوب بيمون ورالف بوسطون، باعتلاء المنصة وهم حفاة ويرتدون جواربهم حتى ركبهم تعبيراً عن تضامنهم مع سميث وكارلوس.

الألعاب كانت بمثابة نجاح كبير من ناحية البعثة الأمريكية التي حصلت على مئة وسبع ميداليات، منها 45 ذهبية، منحتها المكانة الاولى بقائمة الميداليات. منتخب العاب القوى للولايات المتحدة كان رأس الحربة للنجاح الأمريكي في الألعاب بفوزه بثماني وعشرون ميدالية، 17 منها كانت بفضل رياضيون ورياضيات سود. كان هذا منتخب ألعاب القوى الأكثر تحصيلاً للولايات المتحدة. إلا ان العاصفة حول تومي سميث وجون كارلوس عتمت على الانجازات الرياضية للمنتخب ورافقته بعودته إلى البيت.

بعد عودتهم إلى الولايات المتحدة حاول سميث وكارلوس اعادة حياتهما إلى المسار اثر الاهتمام الاعلامي والجماهيري الضخم الذي حصلا عليه. إلا أنهما اكتشفا سريعاً بأنها ليست بالمهمة السهلة. سميث، الذي كان مطلوباً من قبل العديد من فرق كرة القدم المهنية، استصعب ايجاد فريق يقبله بسبب صورة “مثير المشاكل” التي القيت عليه. الضغط، التهديدات المتكررة على حياته وصعوبة ايجاد مصدر رزق اثرت كذلك على حياة سميث الزوجية التي انتهت بالطلاق. جون كارلوس عاد إلى سان خوسيه واستمر بالتسابق لعام واحد لكنه تسرب من التعليم في النهاية ولم يستكمل اللقب الأكاديمي. أيضاً هو تحول إلى لاعب كرة قدم هامشي واستصعب ايجاد رزقه في عالم الرياضة المهني. وقد وقعت عليه ضربة قاسية أخرى مع انتحار زوجته، الأمر الذي نسبه إلى الضغوطات الكبيرة التي واجهاها بعد عودته من مكسيكو سيتي. بيتر نورمان الذي وضع دبوس ال- OPHR استبعد من قبل اللجنة الاولومبية الاسترالية ولم يسمح له بتمثيل بلاده في المسابقات الرسمية حتى تقاعده.

الالعاب الاولمبية في مكسيكو سيتي كانت نقطة غليان في سنة شهدت عشرات الاحداث على خلفية عنصرية وسط فرق الرياضة المختلفة في الأحرام بأنحاء الولايات المتحدة في اطار ما سمي “تمرد الرياضي الأسود”. التحدي الذي وضعته حركة ال- OHPR أمام رؤساء المؤسسة الرياضية في الولايات المتحدة استلزم اعادة التفكير في طرق التعامل مع ادعاءات التمييز والعنصرية بعالم الرياضة. في محاولة لتدارك اشتعال التمرد من جديد على المدى البعيد، بدأت عملية اصلاح واسعة كان هدفها تحسين مكانة الرياضي الأسود، وكان أوجها تشريع قانون الرياضة الهاوية الذي منع التمييز على خلفية عرقية وجندرية في المؤسسات الرياضية بالدولة.

بمرور السنوات، مر احتجاج العدائين بعملية “تلطيف” بالذاكرة الجماعية الأمريكية التي حولت سميث وكارلوس من راديكاليين سود إلى أبطال في النضال من أجل حقوق المواطن. العبرة التي أبقتها حركة ال- OPHR، برأيي، تقول بأن مجرد النضال أحياناً، المحاولة الجريئة لتحدي العنصرية الممأسسة وخرق الوضع القائم العنصري، هو أيضاً نوع من الانتصار. كسر التابو المنافق حول خلط الرياضة والسياسة، الى جانب الاستخدام الثوري الذي قامت به الحركة بالحلبة الرياضية للاحتجاج ورفع الوعي لقضايا ترتبط بحقوق الاسنان الاساسيةـ هي ميراثها الحقيقي. هذا الذي حصل على تأكيد مجدداً مع موجة الاحتجاجات التي قادها لاعب كرة القدم كولين كافرينك بالصيف الأخير. الآن، الطريق التي هيئها نشطاء ال-OPHR مفتوحة لأي من الرياضيين لرفع القفاز الأسود الذي تركه سميث وكارلوس على المنصة في مكسيكو سيتي.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.