موقد القبيلة المشتعل لن يسعفه العلاج!

بالامكان تلخيص نتائح الاستطلاع الذي نشرته الحركة الجديدة “بنيما” بجملة واحدة: “كراهية الآخر هي الموقد الذي تجتمع حوله القبيلة الإسرائيلية”. لكن اللقاءات التي تقترحها الحركة بين المجموعات المختلفة لا تستطيع التغلب على الكراهية والآراء المسبقة: من أجل ذلك يجب التعامل مع عدم المساواة بين المواطنين.
يوسي دهان

 

“بنيما” (بالعربية: “نحو الداخل”)، الحركة الجماهيرية التي اقامها رئيسا الأركان العامة السابقان جابي أشكنازي وبني جنتس، وزير التربية السابق شاي بيرون، رجال أعمال ونشطاء اجتماعيون،  نشرت نتائج استطلاع جديد حول المجتمع الإسرائيلي. بالإمكان تلخيص هذه بجملة قالها أحد المشاركون في البحث: “كراهية الآخر هي الموقد الذي تجتمع حوله القبيلة الإسرائيلية”.

النتائج تؤكد أقوال رئيس الدولة ريفلين حول “النظام الإسرائيلي الجديد” الذي يضم أربعة قبائل- العلمانيون، المتدينون، الارثوذوكسيون والعرب- الذين تتسع حدة العداء فيما بينهم. إلا أن أن الاستطلاع يصف واقعاً قبلياً ومجزئاً أكثر من ذلك أضيفت له أيضاً تقسيمات الأشكنازيون والشرقيون، اليساريون واليمينيون، دولة تل أبيب والضواحي، القادمين الروس والقدمين الأثيوبيين. وفي حين استخدم ريفلين المصطلح المخفف نسبياً “عداء” لوصف العلاقات بين القبائل المختلفة، عبر المشاركون في الاستطلاع عن آراء مسبقة ومشاعر سلبية قوية مثل الخوف، الغضب والكراهية تجاه الآخر. العنصر المركزي الذي يوحد أعضاء المجموعات المتشددة هو التهديد من الخارج، أما تعريفهم كمجموعة فيعتمد على التناقض بين هوية مجموعتهم وهوية المجموعات الأخرى.

عدا عن السياسيين الذين يتحملون جزء من المسؤولية عن تحطيم المجتمع الإسرائيلي، فإن ما يؤدي إلى وجود كراهية، جهل وآراء مسبقة هو الواقع الإجتماعي، السياسي، الاقتصادي والثقافي: واقع من عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية بين العرب واليهود، الرجال والنساء، الأشكازيين والشرقيين، المركز والضواحي

بحسب الاستطلاع، العامل المركزي الذي يلهب الكراهية هم السياسيون الذي يهيجون المجموعات الإسرائيلية ضد بعضها البعض، ويعتاشون من التفتت الاجتماعي: ابتدءا برئيس الحكومة الذي زرع في فترة الانتخابات الخوف والكراهية تجاه المواطنين العرب وتجاه اليسار من أجل أرباح سياسية، مروراً بالسياسيين العلمانيين الذين يجندون المصوتين على أساس كراهية المتدينين الأرثوذكسيين او محاربتهم وانتهاءا بالسياسيين المتدينين الذين يقارنون المثليين بالبهائم ووزير التربية الذي يعارض “معرفة الآخر”.

رؤساء حركة “بنيما” مذعورون من التطرف والعنف بالمجتمع الإسرائيلي، ويحاولون تجنيد مليون إسرائيلي يوافقون على الالتقاء، الاستماع وتبادل الحديث- لصياغة أجندة جديدة وبناء هوية مشتركة تستبدل فيها الثقة والتضامن بين القبائل الكراهية والخوف. هم يؤمنون بأن “اللقاء وجهاً لوجه يلين “عضلة الخطاب” ويخلق وكلاء تغيير”.

يبدو بأن رجال “بنيما” حاولوا الامتناع عن التعاطي مع النزاعات السياسية ولهذا اكتفوا بنداء لعقد لقاءات. ربما لهذا السبب أيضاً لا يوجد في الاستطلاع أي ذكر لمصطلحات مثل “الاحتلال” أو “يهودا والسامرة” التي تشكل احد محاور النزاع والعداء بين “قبيلة اليمين” و”قبيلة اليسار” وبين “اليهود” و”العرب”.

من الصعب معارضة مبادرة تشجع خطاباً يسعى إلى تحرير الناس من الآراء المسبقة وجعلها تتعامل مع الآخرين ومع المجتمع بشكل تضامني أكثر. ولكن كما أشار عالم النفس جوردون البورت في دراسته “عن طبيعة الرأي المسبق”، فاللقاءات العرضية بين الناس غير كافية للتغلب على التصورات النمطية. عوضاً عن ذلك، يتطلب التغلب على الآراء المسبقة لقاءاً يعتمد على وجود مكانة متساوية للناس، مساواة بين المواطنين تدعمها مؤسسات القانون، العادات والثقافة المحلية: بغياب هذه الشروط قد تؤدي هذه اللقاءات إلى النتيجة العكسية وتعزز الآراء السلبية لأعضاء المجموعات المختلفة تجاه بعضهم البعض.

لا بد من الاشارة بأنه عدا عن السياسيين الذين يتحملون جزء من المسؤولية عن تحطيم المجتمع الإسرائيلي، فإن ما يؤدي إلى وجود كراهية، جهل وآراء مسبقة هو الواقع الإجتماعي، السياسي، الاقتصادي والثقافي: واقع من عدم المساواة الاقتصادية والاجتماعية بين العرب واليهود، الرجال والنساء، الأشكازيين والشرقيين، المركز والضواحي: واقع من الفصل في التربية حيث يتم صقل الجهل والعنصرية في التيارات التربوية المختلفة وفي المدارس الخاصة، التوراتية والعلمانية: واقع من الفصل والتمييز بين الضواحي والمركز، بين بلدات التطوير والمدن، الموشافيم والكيبوتسات وبين أحياء الضائقة وأحياء الرقي: واقع من الفصل والعزل في سوق العمل ووجود نخب متجانسة في أجهزة القضاء والاكاديميا. هذا هو الواقع الذي يجب التعامل معه للتغلب على الكراهية، العنصرية، الغضب والاغتراب وإلا فلن تكون هناك أي قيمة للقاءات “العلاجية” بين أعضاء القبائل المختلفة.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.