"ميرتس"- يسار العالم القديم

البلاغيات المعادية للتدين، التي تقترب من اللغة اللاسامية أحياناً، تليق ربما باليسار في العالم القديم الذي كان بحاجة لأن يؤكد على علمانيته. أما في العالم الجديد فيتوجب على اليسار الاعتراف بخصوصية الآخر وعدم قمعها. البلاغيات التي تستخدمها “ميرتس” لا تثير التعاطف بل تعمق النفور تجاهها أيضاً وسط الشرقيين غير المتدينين.
جال ليفي

 

سوف أبدأ بالقول بأن هناك شيء حزين في طابع الخلاف وفي النقاش الذي يجري في الجانب الأيسر من الخارطة السياسية. هذا الحزن يكمن، من جهة، في ما يسمى عادةً “انكماش” اليسار في إسرائيل. اليسار (تحفظات على التسمية تورد لاحقاً) آخذ بالتقلص على المستوى السياسي الرسمي، أيضاً من ناحية الحجم وأيضاً من ناحية الفكر. من جهة أخرى، من المحزن بأن الصحوة التي يشهدها اليسار، كفكرة سياسية، في العالم لا أثر لها هنا تقريباً. ذلك بالأساس بسبب خوف من يعملون كيسار من عرض أنفسهم كيساريين.

احدى مشاكل اليسار هنا، كما نسمع تكراراً ومراراً، بأنه لا يتواصل أو غير قادر على التواصل مع الشعب، مع الشعبية. بكلمات أخرى، اليسار منقطع عن الشرقيين وعن الرواية الشرقية. اذا كان هناك شيء تعلمه السياسيون من المعركة الانتخابية الأخيرة لدورة الكنيست ال-20، بعد المحاولة الفاشلة لإقامة حكومة خالية من الشرقيين، فهو بأن الشرقيين هم المفتاح. على ضوء الصحوة الحاصلة في “ميرتس”، والتي تشمل محاولة لإجراء انتخابات داخلية مفتوحة، بهدف التواصل مع الضواحي (حيث يسكن معظم اليهود الشرقيون)، أو كيفما أردوا تسميتها، من المهم بأن نفهم ما هي الامكانيات التي تقف أمامه في هذا الصدد.

الفنتازيا التي يحلم بها “ميرتس”، كما في الشعار المعروف “أموال للأحياء وليس للمستوطنات”، هو تجنيد الأحياء لليسار، لمحاربة المستوطنات. لكن الأحياء وبلدات التطوير لن تصبح مجمع أصوات جديد ل”ميرتس” ما دامت لغتة الاقتصادية تتراوح بين النيوليبرالية وبين الكيبوتسات الحصرية

اذا ما كنا على استعداد لأن نعتبر بأن هناك يسار في الخارطة السياسية بإسرائيل (وهو الأمر غير المفهوم ضمناً حيث يرى لف غرينبرغ مثلاً بأن هذه ليست إلا وسوم تميز القبائل المختلفة وليس المواقف السياسية الايديولوجية، وأنا أوافقه الرأي)،  ف”ميرتس” هو، بحسب ادعائه، “بيت اليسار”. في لا لا لاند السياسة الإسرائيلية، يكفي بأن يكون جل ما تريده هو الانفصال عن أراضي 1967 وعن الفلسطينيين لكي تسمى يساراً. اذا كنت احد الجنرالات المتخوفين من تحول أحمد الطيبي رئيساً للحكومة فأنت يسار-مركز (أي حزب “العمل”.. عذراً، “المعسكر الصهيوني”)، واذا كنتم ضباط (غالباً أصحاب رتب غير رفيعة) تطالبون بوقف الاحتلال (وهو الهدف اللائق بلا شك) فأنتم يسار صهيوني (والذي يسمى متطرفاً أحياناً باللغة الدارجة اليوم). أما اذا كنت تدعمين أيضاً الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، بما يشمل حق تقرير المصير (وهو، مرة أخرى، الأمر اللائق بحد ذاته)، فأنت “ميرتس”. في كل الأحوال، موتيف الانفصال، أي الرغبة لعدم الخلط بين العرب واليهود قدر الامكان، تسبق تقريباً كل الاعتبارات الأخرى. برأيي، هذا يسار بمعنى معين وضيق جداً جداً، فعندما ننظر خارجاً إلى العالم، نرى بأنه لكي تعتبر يساراً عليك أن تستوفي معياراً ايديولوجياً آخراً أو اثنين.

ما هي مشكلة “ميرتس”، “بيت اليسار”، اذاً؟ أريد أن أبدأ بالذات بالبلاغيات. لا أريد أن أكتب كل ما أعرفه عن مشكلة اليسار الصهيوني مع الشرقيين، فهذه نجدها في نهاية كل جملة تكتب بالصهيونية. أيضاً في اليمين، الصهيونيون ليسوا أقل اوروبية من اخوانهم في اليسار. لكنني أعتقد بأن البلاغيات السائدة في “ميرتس” والتي عادةً ما تثير غضبي هي تلك المعادية للتدين، وليس بالضرورة المعادية للشرقية. أعتقد بأن أساس العداء الذي يكنه “ميرتس” لحزب “شاس” لا ينبع من شرقية الأخير انما من تدينه. احد الأمثلة الواضحة هي قضية يوسي سريد-مشولام نهاري التي دارت حول الأموال المخصصة للمتدينين وليس حول “لون” نهاري. البلاغيات المعادية للتدين، التي تقترب من اللغة اللاسامية أحياناً، تليق ربما باليسار في العالم القديم الذي كان بحاجة لأن يؤكد على علمانيته. أما في العالم الجديد فيتوجب على اليسار الاعتراف بخصوصية الآخر وعدم قمعها. شخصياً، لدي الكثير من الخلافات السياسية مع الأحزاب المتدينة إلا أن البلاغيات التي تستخدمها “ميرتس” لا تثير التعاطف بل تعمق النفور تجاهها أيضاً وسط الشرقيين غير المتدينين.

من البلاغيات إلى الممارسات. عداوة “ميرتس” على هذا المستوى موجهه، بشكل مباشر أو غير مباشر، للشرقيين، وبإمكان العامل الطبقي أن يساهم في فهم جوهر المشكلة. الفنتازيا التي يحلم بها “ميرتس”، كما في الشعار المعروف “أموال للأحياء وليس للمستوطنات”، هو تجنيد الأحياء لليسار، لمحاربة المستوطنات. لكن الأحياء وبلدات التطوير لن تصبح مجمع أصوات جديد ل”ميرتس” ما دامت لغتة الاقتصادية تتراوح بين النيوليبرالية وبين الكيبوتسات الحصرية (التي تقتصر بمعظمها على الاشكنازيين وتستثني الشرقيين).

الامكانية المتبقية اذاً بأن تتوجه “ميرتس” للطبقة الوسطى الشرقية. وذلك ما يجري بدرجة معينة، فهناك شرقيون يصوتون ل”ميرتس” لمجرد كونهم جزء من الطبقة الوسطى المتعارف على كونها “حمامة سياسية”. هؤلاء يعتبرون شرقيون بأصولهم غالباً لا بوعيهم، كما أن تصويتهم يحمل طابعاً طبقياً لا طائفياً. بين هؤلاء بإمكاننا أن نجد الشرقيين الواعين أيضاً الذين لا تتعلق هويتهم بتصويتهم السياسي. نظرياً، قد أكون أنا واحداً من هؤلاء. ولكن من ناحية من يشعرون بأن كينونتهم الثقافية شرقية، وبأن الشرقية بالنسبة لهم ليست خياراً إنما جزءاً من تربيتهم، الشرقية السياسية هي بمثابة اضطرار تجسد كما هو معروف في “الليكود” وليس في “مباي”. فكيف لك أن تخرجهم من هناك الآن وتتوقع منهم بأن يصوتوا ل”ميرتس” المعرفة بالدرجة الاولى مع معسكر “مباي” وكل ما تشتمل عليه هذه الرزمة.

بعد ساعتين من كتابتي لهذه الأفكار قرأت في الفيسبوك بأن دودي مزراحي، الناشط الموقر، أعلن عن انضمامه ل”ميرتس”. لا أستطيع أن أتحدث من مكان دودي، وليس بإمكاني أن استهتر في محاولة تغيير “ميرتس” من الداخل حتى ان لم أكن شريكاً بها. بإمكاني فقط بأن آمل بأن يفهم اليسار في إسرائيل، أي اليسار الأشكنازي-الصهيوني، بأن هناك حاجة لاستيضاح ما هو اليسار من جديد (اليسار الشرقي فهم ذلك منذ مدة). الفوضى التي خلقت لدينا بين اليسار واليمين تثبت بأن اليسار بحاجة إلى بيت حقاً- بالوقت الحالي ليس لديه إلا سقيفة بصعوبة كبيرة!

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.