المناضل السلمي متهم بإلقاء الحجارة!

قائد الحراك الشعبي في نعلين الذي تمسك بالنضال السلمي على مدى سنوات ومنع القاء الحجارة والتصعيد خلال المواجهات، مقيد الآن لسرير في المستشفى بعد أن أصيب في رأسه خلال المظاهرة الأخيرة- ومتهم بإلقاء الحجارة!
يورام شورك

 

الخبر المقتضب حول قوة الجيش التي أطلقت النار واعتقلت “مخرباً” قام بإلقاء الحجارة في نعلين نشر فقط بمواقع إخبارية غير مركزية لأن المواقع الكبيرة لم تعتقد، على ما يبدو، بأن هذه المعلومات عديمة الأهمية تستحق حتى سطراً في خانة الأخبار الموجزة. “للمخرب”، كالعادة، لا يوجد اسم، عائلة أو مهنة. عدا عن القليل من الاستغراب لاستخدام وصف “مخرب”- الذي كان يطلق مرة على من يضعون العبوات المتفجرة ويمسكون الرهائن أما اليوم فيطلق على أشخاص عاديين يقومون بإلقاء الحجارة- قد تمر العين عن الخبر دون التوقف عنده. روتين عادي. لكن “المخرب” هذه المرة هو محمد عميرة (أبو ناصر)، معلم بمهنته ومن قادة الحراك الشعبي في نعلين والذي تمسك على مدى سنوات النضال، منذ أن صودرت أراضيه وجزء كبير من أراضي بقية السكان لصالح مستوطنة “حشمونئيم”، بالنضال السلمي ومنع أكثر من مرة القاء الحجارة والتصعيد خلال المواجهات بين شباب نعلين والجيش وحرس الحدود.

معرفتي بمحمد عميرة بدأت بسنة 2011، عندما وصلت للمرة الاولى إلى نعلين للمشاركة في مظاهرة يوم الجمعة. رأيته وهو ينظر إلى حقل الزيتون التابع لعائلته والذي يظهر من الجانب الآخر للجدار، وليس بيده إلا مراقبة الأشجار التي تحتضر ببطيء جراء الاهمال المستمر. على عكس كل ما يمكن توقعه، الظلم، السرقة والإهانة لم تتحول لديه يوماً إلى كراهية او تلهف للانتقام.

توجيه الاتهام بحجة “القاء الحجارة” يأتي ليبرر بأثر رجعي اطلاق نار أخطر بكثير، لهذا فمن المتوقع بأن يكون هناك نضال قانوني صعب مقابل جهاز قضائي تحتل فيه الحقائق والأدلة مكانة هامشية فقط.

عندما كانت تتسع غيوم الغاز المسيل للدموع من حوله وتقطع خطاباته بالقنابل الصوتية، كان يتوجه مرة تلو الأخرى لضمير وفكر الجنود الذين يقفون قبالته. وقد نجح لاضطلاعه بالسياسة الإسرائيلية في الربط بين الظلم الذي وقع عليه وبين مظالم أخرى: تحدث من صميم قلبه عن التمييز ضد الأثيوبيين، البدو والدروز حتى عندما وجه أبناء هذه المجموعات فوهات بنادقهم نجوه. هناك جنود سمعوا منه حتى عن متضرري الاسكان الجماهيري وإهمال نجاة المحرقة في إسرائيل.

في السنوات الست التي شاركت خلالها بمظاهرات نعلين، كسبت كوني تلميذاً لأبو ناصر. منه تعلمت بأن النضال العنيد، المثابر والجريء يمكن أن يتم ليس فقط دون عداوة وعنف إنما حتى من خلال التعاطف وإبداء الحساسية للألم والظلم الذي يعاني منهما من يقف أمامك. في سنة 2009، حول محمد احدى غرف بيته لمتحف صغير للمحرقة: غرفة فيها صور ومعروضات أخرى حصل عليها من “ياد فاشيم”. موقع التعليم والتخليد الوحيد للمحرقة بأراضي فلسطين. تعليم المحرقة والتعاطف مع ضحاياها كجزء من النضال السلمي والإنساني هي المبادرة الطلائعية لمن يقيد الآن لسرير في مستشفى بطريقه إلى الاعتقال.

أول أمس (السبت) رأيت أبو ناصر للمرة الأولى بالجانب الغربي من الجدار. دخلت إلى قسم جراحة الأعصاب، هناك استقبلني شرطيان مسلحان من حرس الحدود. يتضح بأن هذا الرجل، حتى وهو مقيد بالسرير، ينجح في خلق الكثير من العمل ل”قوات الأمن” التي دافعت ببطولة عن دولة إسرائيل أمام الخطر الذي قد تتعرض له لتحية يلقيها شخص مصاب على أصدقائه وعائلته الممنوعة من زيارته ومن الحصول على معلومات حول وضعه.

كنت قد فوت المظاهرة التي أصيب فيها محمد واعتقل لكني سمعت التفاصيل من شهود عيان. ابو ناصر انفصل عن مجموعة المتظاهرين ووقع في كمين لوحده: الجنود أطلقوا رصاصة إسفنجية من مسافة قصيرة في رأسه، جروه على الأرض ومن ثم اعتقلوه. اطلاق الرصاص الاسفنجي الأسود كوسيلة للعقاب، الانتقام او تحرير المشاعر ليس جديداً على الجنود. وثقت بالماضي سيارة واقفة هشم زجاجها بالرصاص الإسفنجني من مسافة قريبة جداً. توجيه الاتهام بحجة “القاء الحجارة” يأتي ليبرر بأثر رجعي اطلاق نار أخطر بكثير، لهذا فمن المتوقع بأن يكون هناك نضال قانوني صعب مقابل جهاز قضائي تحتل فيه الحقائق والأدلة مكانة هامشية فقط.

النضال لإطلاق سراح ابو ناصر يهمني كصديق شخصي ولكن أهميته كبيرة لكل من يؤمن بإمكانية النضال السلمي: الطريق التي يرفع أبو ناصر رايتها منذ حوالي العقد. نجاح الاحتلال في تلفيق ملف لمحمد واثبات التهم عليه سيكون بمثابة ضربة مؤلمة لكل من يؤمن بهذه الطريق أما وقف النضال الشعبي في أعقاب اطلاق النار والاعتقال فستكون خبطة أثقل. في كل يوم جمعة يتوجه محمد عميرة لجيرانه بنداء “انضموا الينا”. الآن علينا أن نوجه هذا النداء لأنفسنا وبأن نظهر تضامننا مع أبو ناصر في يوم الثلاثاء بمعسكر عوفر او في يوم الجمعة في حقول نعلين.

شريط فيديو يوثق جنود الجيش وهم يطلقون النار على محمد عميرة ويعتقلونه:

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.