شظايا "مقالة هآرتس" والصهيونية المسيانية

ما دام هناك اجماع على الاحتفاظ بالحقوق الفائضة لليهود وإخراج الصهيونية الى حيز التنفيذ كمشروع استيطاني ستستمر مجموعة المتعصبين المسيانيين في املاء الاستراتيجية الصهيونية.
ليف جرينبرج

 

القذائف التي تفجرت في أعقاب مقالة يوسي كلاين المثيرة للجدل “نخبتنا المنافقة” في “هآرتس” تثبت بان ادعائه المركزي القائل بأن هناك معسكر سياسي شديد وعنيف جداً يسيطر على إسرائيل ويقودها نحو الهلاك، هو صحيح: ردود فعل هذا المعسكر عنيفة وغير محتملة، وغالبية السياسيون ينجرون ورائه. بيد أن المشكلة المركزية بمقالة كلاين، الصحافي المهني والمخضرم، بأنه كتبها بطريقة مستفزة لكي يثير الغضب ويغيظ، وأيضاً، كما أِار بعض المنتقدين، بأنه قام بالتعميم بشكل فظ وسوق مقارنات مهيجة لا حاجة لها. ربما أثبت كلاين وجود معسكر عنيف ومهيمن لكنه لم يساعد على فهم الظاهرة انما دفن النقاش بواسطة استخدام الخطاب القبلي والتركيز على “هم ونحن” الذي يجند الدعم من منطلق الخوف والتعاطف الفوري مع أحد الأطراف. هكذا، على سبيل المثال، بعد الهجوم على كلاين وعلى “هآرتس” كل من يوافق على أن هناك مجموعة مسيانية قومجية خطيرة في إسرائيل يلزم بالامتثال فوراً إلى جانبهم.

خلق معسكرات قبلية بواسطة تمويه الهوية الدقيقة للمعسكر السياسي المنافس يمكن كلاين من التملص من مناقشة السياق السياسي والتاريخي الذي سمح بنشوئه. ليس الحديث عن كل الصهيونية الدينية او المتدينين القوميين بل عن مجموعة مسيانية فسرت حرب ال-1967 كتدخل الهي وأمر سماوي للاستيطان على أرض إسرائيل كلها. هناك من يطلق عليهم اسم “الكوكيين” بسبب اعتمادهم على مذهب الراب كوك، مدير مركز الراب. ولكن لا يمكن فهم اتساع قوتهم دون فهم الدعم الذي حصلوا عليه من حركة “العمل”، هذه التي مأسست السيطرة العسكرية “المؤقتة” على الفلسطينيين. رؤساء “احدوت هعفودا” و”رافي” تناقشوا فيما بينهم حول مكان الاستيطان في الخليل، داخل “مدينة الآباء” (ييجال ألون) او فوقها في “كريات أرباع” (موشيه ديان). أما رؤساء “هشومر هتسعير” فانفعلوا من الفتية المثاليين الذي كانوا على استعداد لمواصلة مصنع الاستيطان الذي بدؤوه هم بفترة الانتداب.

في ذلك الوقت، فضلت حركة الكيبوتسات والموشافيم الاستيطان على أراضي خصبة “نظيفة” من العرب. هذا هو الفرق بين استيطان اليسار الذي جاء بعد “تنظيف المنطقة” من العرب وبين استيطان اليمين المستعد لإقامة بلدات بقلب منطقة فلسطينية مأهولة لكي يمارس حقه في البلاد كلها. هكذا واصل “الليكود” ابتداءا من 1977 التوسع الاقليمي في أرجاء الضفة الغربية وغزة لكي يمنع امكانية تقسيم البلاد بصيغة “هم هناك ونحن هنا” التي سوقها اليسار. إلا أن القاسم المشترك بين هاتين الكتلتين أكبر من ذلك الذي يفصل بينهما: لكل يهودي، لمجرد كونه يهودياً، هناك حق أكبر في البلاد مقابل حق العرب الأصلانيين. جميعهم يتفقون على نظام الامتيازات الفائضة لليهود الذي يسمى دولة يهودية وديمقراطية، لهذا فجميعهم بحاجة لأحزاب دينية تقرر من هو اليهودي “الكوشر” ومن هو المواطن صاحب القيمة الأعلى. ليست صدفة اذاً بأن المعسكر السياسي للقومجيين المسيانيين تحول لمجموعة مهيمنة في السياسة الإسرائيلية.

المشكلة بأن الليكود والعمل خلقوا واقعاً يملك متعصبي يشاع  وحدهم استراتيجية للتعامل معه: لا توجد أية استراتيجية بديلة لمواصلة المشروع القومي للاستيطان على كافة أراضي البلاد لا ل”معسكر السلام” ولا ل”المعسكر القومي” العلماني. لا يوجد لأي طرف سياسي صهيوني استراتيجية قابلة للتنفيذ لتحقيق برنامجه سوا ل”البيت اليهودي”.

الخطاب القبلي يموه الهويات بشكل واعي ومقصود لأن تجنيد الدعم له لا يكون على أساس المواقف انما على أساس مشاعر الانتماء ل”نحن الأعلى” والذي يكون دائماً أفضل من “هم”. لكي نتغلب على هذا الخطاب علينا أن نُعرف المجموعة الخطيرة التي يتوجب علينا كشفها ومحاربتها سياسياً؟ مقالة كلاين نجحت في اثارة غضب الكثيرين، أيضاً من بين هؤلاء الذين يعارضون الاحتلال والمستوطنات، لأنه من الواضح بأن الحديث ليس عن كل “الصهيونية الدينية” او “المتدينين القوميين”. ليس الحديث أيضاً عن كافة المستوطنين فكثيرون منهم يتواجدون في الأراضي (المحتلة) كحل مريح للسكن. بين المتدينين القوميين هناك تيارات مستعدة لقبول التسوية الاقليمية (الكتل الاستيطانية) او للاعتراف بحقوق الفلسطينيين والعيش معهم في اطار كونفدرالي.

لكن الحديث ليس عن حزب البيت اليهودي لوحده بالتأكيد: المعسكر السياسي الخطير يشمل مجموعات ومنظمات كثيرة، قادة روحانيين، حاخامات ومدارس دينية، وشبكات وعلاقات تربط بينهم. هذا المعسكر السياسي يعيش بمعظمه في المستوطنات بالضفة الغربية ولكن ليس فقط. هو يتغلغل في مؤسسات الدولة، الوزارات والجيش كما أنه يشكل مجموعة الضغط الأكبر في الليكود. هم مسلحون ويدبون الذعر، بالدرجة الاولى بين الفلسطينيين، ولكن أيضاً بالضغط الذي يمارسونه على الجيش، السياسيين وموظفي الدولة.

لكي يتحول النقاش بهذا الصدد لنقاش سياسي لا بد لنا أن نميز الظواهر، أن نفرق بينها وأن نعطيها أسماء دقيقة أكثر عوضاً عن تسمية “هم ونحن” القبلية. اقترحت مرة تسمية مجموعات المستوطنين التي حاولت بشكل حثيث المس باتفاقيات اوسلو ك”متعصبي يشاع” للتشديد على الصلة بين التعصب الديني والتمسك بأرض إسرائيل الكاملة. بالإمكان أيضاً تسميتهم “اليمين المسياني” أو “معسكر الصهيونية المسيانية”. هم ليسوا نخبة فقط، كما يدعي كلاين (لكي يسقط الادعاء القائل بأن هناك “نخبة أشكنازية” ما زالت مسيطرة اليوم) إنما مجموعة كبيرة، واسعة، منظمة ومتشابكة، قادرة على الرد على كل حدث سياسي واستغلاله لصالحها- ابتداءا من قضية الجندي اليؤور أزاريا ووصولاً إلى مقالة عدائية في صحيفة “هآرتس”.

قوة المعسكر المسياني وسيطرته في السياسة الإسرائيلية هي مشكلة خطيرة، وليس من المحبذ تجاهلها والامتناع عن النقاش العميق بسبب استفزاز يثيره صحافي. المشكلة بأن الليكود والعمل خلقوا واقعاً يملك متعصبي يشاع  وحدهم استراتيجية للتعامل معه: لا توجد أية استراتيجية بديلة لمواصلة المشروع القومي للاستيطان على كافة أراضي البلاد لا ل”معسكر السلام” ولا ل”المعسكر القومي” العلماني. لا يوجد لأي طرف سياسي صهيوني استراتيجية قابلة للتنفيذ لتحقيق برنامجه سوا ل”البيت اليهودي”.

من يرغب في طرح بديل للمعسكر المسياني عليه أولاً أن يفهم المشكلة لا أن يحرض ضد هؤلاء الخطرين “أكثر من بنت تحمل مقصاً أو من حزب الله”. المشروع القومي الاستيطاني الذي يسمى، خطأً برأيي، “صهيونية” هو القاسم المشترك بين حزب “العمل” الصهيوني وبين المعسكر القومي. كلاهما يتمسكان بالامتيازات الفائضة لليهود في البلاد وبتبرير مشروع اقصاء العرب. “معسكر السلام” مستعد للوصول الى تسوية على الأراضي ولكن من منطلق عنصري يسعى الى الانفصال عن “الخطر الديموغرافي”. باختصار، القاسم المشترك للجميع هو التعامل العنصري تجاه الآخر العربي، وهو مصدر خطاب “هم ونحن” القبلي الذي يتفكك فيما بعد لثنائيات اضافية مثل اليسار واليمين، المتدينين والعلمانيين والشرقيين والاشكنازيين.

كل المجتعات المستعمرة الاوروبية وصلت بنهاية المطاف الى اعتراف بالاصلانيين وحقوقهم (انظروا الولايات المتحدة، كندا، استراليا وجنوب أفريقيا) او طردت بالقوة من قبلهم (انظروا الجزائر وزيمبابوي). نحن مصممين على أن نبقى مجتمعاً مستوطناً ونرفض الاعتراف بالحقوق المتساوية الأساسية- فمن يرضى بالتنازل عن الحقوق الفائضة لليهود؟ ما دام هناك اجماع على الاحتفاظ بالحقوق الفائضة لليهود وإخراج الصهيونية الى حيز التنفيذ كمشروع استيطاني ستستمر مجموعة المتعصبين المسيانيين في املاء الاستراتيجية الصهيونية. هم الوحيدين المستعدين للعمل من أجلها وللمخاطرة بحياتهم أيضاً لتحقيقها.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.