اليمين الجديد يحكم سيطرته على حاضر ومستقبل إسرائيل

مقتطفات من الملخص التنفيذي لتقرير “مدار- المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية” الإستراتيجي 2017: “المشهد الإسرائيلي 2016”
هنيدة غانم

 

يرصد التقرير ويحلل أهم المستجدات والتطورات التي شهدتها الساحة الإسرائيلية خلال العام المنصرم، ويحاول استشراف وجهة التطورات في الفترة المقبلة، خاصة من جهة تأثيرها على القضية الفلسطينية وعلى ديناميكيتها.

يتناول التقرير المشهد الإسرائيلي في سبعة محاور أساسية هي: المحور الإسرائيلي -الفلسطيني، المحور السياسي الإسرائيلي الداخلي، محور العلاقات الخارجية، المحور الأمني – العسكري، المحور الاقتصادي، المحور الاجتماعي، وأخيرًا محور الفلسطينيين في إسرائيل. ويقدم للتقرير ملخص تنفيذي يجمل أهم المتغيرات الإستراتيجية التي تؤثر في إسرائيل وفي وجهتيها الداخلية والإقليمية، ويأمل من خلال ذلك الإضاءة على المشهد الإسرائيلي بعوامله الأساسية المؤثرة.

شارك في وضع التقرير وإعداده مجموعة من الباحثين المختصين والمتابعين للشأن الإسرائيلي. ونظرا لصدور التقرير هذا العام مع الذكرى المئوية لوعد بلفور ومرور سبعين عاما على التقسيم ونصف مئوية الاحتلال، فقد ارتأينا وضع مقدمة طويلة تأريخية وتحليلية ترصد الثابت والمتحول في المشروع الصهيوني بدايةً، وإسرائيل لاحقا، وتربط التغيرات التي تشهدها إسرائيل في السنوات الأخيرة بالتقاطع بين المقولات المؤسسة للفكرة الصهيونية من جهة، مقابل التغيرات الاجتماعية والسياسية والتاريخية وأثرها على وجهة إسرائيل.

ويشكل في هذا السياق صعود اليمين الجديد وتحكمه بالمشهد الاسرائيلي وبوجهته المستقبلية جزء من هذه التغيرات، ويعكس صعوده الذي أشرنا إليه في تقاريرنا السابقة وبإسهاب إلى حد بعيد التغيرات الاجتماعية – التاريخية التي مرت بها إسرائيل، من حيث تحولها التدريجي إلى مجتمع أكثر تديينا ومحافظة، ودخول الشرقيين إلى النخب بعد أن كانت أشكنازية خالصة وزيادة قوة المستوطنين في الخارطة السياسية بعد احتلال 1967. وشهدت إسرائيل أفول مستمر للنخب التقليدية للصهيونية المؤسسة بقيادة حزب مباي التي حكمت إسرائيل حتى صعود اليمين ‘التنقيحي’ للحكم عام 1977، والذي حمل صعوده في ظل تصعيد المشروع الاستيطاني وتديينه كما نوضح لاحقا بذور أفول حكم اليمين التنقيحي بصيغته الجابوتنسكية، والذي يعتبر في إسرائيل ممثلا لـ’اليمين العقلاني’، ويضم ما يسمى أمراء الليكود من أبناء مؤسسي اليمين التنقيحي الحاكم على غرار دان مريدور وبيني بيغن، ورئيس الدولة رؤوفين ريفلين. مقابل أفول هذا اليمين، شهدت إسرائيل صعود مستمر لـ’اليمين الجديد’ الذي يتألف من الأحزاب الحريدية (المتشددة دينيًا)، والأحزاب المتدينة القومية، والمستوطنين، وأعضاء الكنيست المتطرفين في حزب الليكود، والجماعات القومية المتطرفة المنضوية ضمن حزب ‘إسرائيل بيتنا’، وحركات مثل ‘إم ترتسو’ وغيرها. وتظهر متابعة صعود هذا اليمين مساعيه الدؤوبة للسيطرة على النخب وعلى مفاتيح مؤسسات الدولة المختلفة ووجهتها، وسط تشديده على يهودية الدولة مقابل ‘قيم الديموقراطية.

בנט מוחק את הקו הירוק
“صحيح”، بنيت يعلق على كاريكاتير يصور محوه للخط الأخضر

يتقاطع وجود هذا اليمين بأيديولوجيته المعادية للفلسطينيين خاصة وللمسلمين عامة، وتمجيد الهوية القومية للدولة اليهودية وسياسات القوة مع الأيديولوجية المشابهة العنصرية والمعادية للمسلمين والغرباء لليمين الأمريكي الجديد( الذي يسميه البعض البديل) الذي دعم صعود ترامب لسدة الحكم والذي يتميز أيضا بتمجيد القوة والابتعاد عن الكياسة الدبلوماسية، و كذلك مع حركات اليمين المتطرف في أوروبا التي حلت فيها معاداة الإسلام مكان معاداة السامية التقليدية.

يؤثر هذا التقاطع الزماني بين اليمين الجديد في إسرائيل وأمريكا واليمين المتطرف في أوروبا على سياسات إسرائيل تجاه الفلسطينيين وعلى فرص إنهاء الاحتلال، ويفتح أمامها مساحات واسعة للالتفاف على أي محاولات للضغط عليها لإنهاء الاحتلال، ويعطيها فرصة للمناورة السياسية ولفرض وقائع على الأرض تحول إقامة دولة فلسطينية حقيقية إلى مهمة مستحيلة ، وتستخدم الحكومة الإسرائيلية كما يوضح فصل العلاقات الخارجية حالة الفوضى الدموية التي يسبح فيها العالم العربي والحرب الأهلية في سوريا والعراق، وصعود قوة الحركات المتطرفة التي تستخدم الدين في أيديولوجيتها من أجل الترويج إلى التهرب من إنهاء الاحتلال، ولتدعي أن المواجهة مع الفلسطينيين هي مواجهة ثقافية وحضارية بين العالم المتحضر والعالم الظلامي، وللادعاء كما صرح نتنياهو في أكثر من مناسبة أن القضية الفلسطينية ليست إلا حجة تستخدم لمواجهة إسرائيل، وهو ما يفسر الإسراع إلى اتهام ‘داعش’ بالعمليات التي قامت بها جهات فلسطينية عام 2016، واتهام يعقوب أبو القيعان دقائق بعد قتله أنه من داعش،  باعتبار أن إسرائيل وأوروبا وأمريكا في خندق واحد أمام قوة إرهابية واحدة. وعلى الرغم ن التقاطع في الرؤى بين إسرائيل بقيادة نتنياهو واليمين الجديد اليوم وبين ترامب واليمين الجديد في أمريكا، إلا أن هذا التقاطع يحمل بالذات  بذور ترسيخ صورة إسرائيل كدولة احتلال عنصرية تقف هي واليمين الفاشي والجديد العنصري في ذات المربع، وهو ما يقض مضاجع إسرائيل التي ترى بالعزل والمقاطعة أحد مخاطر نزع الشرعية عنها، علما أن إسرائيل تعتبر محاربة العزل والإقصاء أحد المركبات الأساسية في منظورها للأمن القومي! وينعكس حكم اليمين الجديد في إسرائيل بقيادة نتنياهو في ثلاثة محاور أساسية يسعى إلى ضبطها وفق مفاهيمها السياسية:

الموقف من الاحتلال/الاستيطان

شهد عام 2016 محاولات مستمرة من أجل ترسيخ مكانة المستوطنين والمستوطنات ضمن الإجماع الرسمي، وتعدت هذه المحاولات الأدوات التقليدية من حيث سيطرة الدولة ومنظومتها على أدوات قضم الأرض عبر المصادرة ووضع اليد بحجج مختلفة، إلى تبييض سرقة الأراضي على يد الأفراد بشكل رجعي، من خلال تمرير قانون التسوية، وهو ما يعني أن الدولة صارت تتقاسم ‘أدوات العنف’ والسيادة مع المستوطنين، وتحولت إلى أداة من أجل تبييض خروجهم عن القانون الذي سنته هي، في إشارة إلى حجم القوة التي يتمتع بها هؤلاء في تسيير وجهة الدولة. وعلى الرغم من الأثار الدولية التي ترتبت عن سن قانون التسوية والتي كانت أحد دوافع امتناع الولايات المتحدة عن استخدام حق النقض (الفيتو) ضد قرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن، والمواقف الدولية الرافضه له، إلا أن فوز ترامب الذي حاول منع صدور القرار عبر الضغط على مصر لسحب مقترحها عاد وخفف حدة الضغط الدولي على إسرائيل. كما استغل اليمين الإسرائيلي فرصة صعود ترامب من أجل المطالبة مطالبة نتياهو التراجع نهائيا عن حل الدولتين الذي أعلن قبوله في ما صار يعرف خطاب بار إيلان، وضم مناطق ج، غير أن نتيناهو امتنع عن ذلك وتظهر تصريحاته أنه يسعى إلى إدارة ملف الاحتلال بالتنسيق الكامل مع إدارة ترامب بدل القيام بخطوات تفاجئه لتفادي أية أزمة ممكنة مع وإلقاء الكرة في الملعب الفلسطيني.

العلاقة مع الفلسطينيين في إسرائيل

استمرت حكومة نتنياهو عام 2016 بالتعامل مع الفلسطينيين في الداخل على أساس كونهم مصدر خطر سواء الأمني أو الديموغرافي، وانعكس الأمر في استمرار حظر الحركة الإسلامية الشمالية والتحريض ضد أعضاء الكنيست من القائمة المشتركة، بالإضافة إلى تمديد العمل بقوانين تستهدفهم كقانون لم الشمل واستمرار سن قوانين ذات طابع عنصري، بالإضافة إلى ذلك  شهد عام 2016 تصعيد هدم البيوت خاصة في النقب، التي شهدت محاولات هدم قرية أم الحيران كجزء من سياسات تهويد النقب وبهدف إقامة قرية ‘حيران’ المخططة كيهودية خالصة على أنقاض أم الحيران.

بنية الدولة والتوجه نحو إسرائيل يهودية أكثر وديموقراطية أقل

تعرف إسرائيل ذاتها أنها دولة يهودية  وديموقراطية ويعتبر الحفاظ على التوازن بين المركب الديموقراطي واليهودي أحد الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها كما تقول، وقد أدى الصعود المستمر لليمين الجديد إلى تطور ثقافة شعبوية كما سنوضح لاحقا تسعى نحو ترسيخ البنية القومية اليهودية للدولة ومساعي للسيطرة على النخب التي تحولت من نخب أشكنازية علمانية عمالية إلى نخب استيطانية متدينة ويمينية وشرقية، تتصدر اليوم المشروع الصهيوني وتحاول حسم الصراع مع الفلسطينيين عبر مساعي ضم مناطق ج وحسم مستقبل هضبة الجولان، وإبقاء الواقع السياسي للسلطة باعتباره الحل النهائي.

في الجزء التالي سيتم التطرق بتوسع للعوامل الثابتة والمتحولة في المشروع الصهيوني في محاولة لاقتفاء البنى الأساسية والمقولات المؤسسة وتفحص التبدلات التي مرت بها منذ وعد بلفور وحتى حكومة نتنياهو الرابعة.

المتحول في المشهد الإسرائيلي الحالي

فيما يشكل العامل القومي – استعماري، أي إقامة الوطن القومي اليهودي بأدوات استعمارية، العامل الثابت في المشهد الإسرائيلي؛ فإن هناك عدة موامل متحولة وغير محسومة تؤثر في الصيرورات والممارسات السياسية ووجهتها؛ وهي: إشكاليات حدود الدولة، حدود المواطنة، والعلاقة بين اليهودية والديموقراطية، وتلك مسائل تأثرت النقاشات حولها، بشكل عميق، بالتغيرات التاريخية (احتلال 1967) والاجتماعية (التغيرات الديموغرافية) أوالأيديولوجية (صعود اليمين واليمين الاستيطاني).

١. حدود الدولة الجغرافية: ما زالت حدود إسرائيل غير واضحة وغير معروفة، وهي مصدر خلاف سياسي–أيديولوجي مرة، وأمني مرة أخرى. وفي هذا الإطار ما زال من غير الواضح هل سيتم ضم كامل فلسطين التاريخية (أرض إسرائيل)؟ أم إن إسرائيل هي تلك التي تقع فقط داخل الخط الأخضر؟ هل تُضم المستوطنات كلها؟ أم فقط الكتل الاستيطانية؟ ماذا بالنسبة لهضبة الجولان؛ هل هي جزء من إسرائيل؟ وأبعد من ذلك؛ هل ستظل منطقة المثلث داخل حدود إسرائيل في المستقبل أم لا؟

٢. حدود المواطنة والتعامل مع غير اليهود: كيف يجب التعامل مع مفهوم المواطنة في الدولة التي تعتبر  نفسها دولة اليهود في كل العالم وليست دولة مواطنيها؟ ما هي مساحة المواطنة للفلسطينيين فيها؟ وما هي مكانتهم في الدولة: متساوون، على الأقل نظريّاً، أم أعداء أو خصوم؟ ما هي شروط مساواتهم؟ وهل يمكن إعطاؤهم مواطنة كاملة ضمن الدولة اليهودية الديمقراطية كما تدعو ميرتس؟ أم اعتبارهم خطراً ديموغرافيّاً يجب التخلص منه مستقبلاً في الاتفاقات كما يدعو ليبرمان؟ هل يمكن أن يكون الفلسطينيون في إسرائيل مواطنين متساوين بالكامل مع اليهود في الدولة؟ ماذا عن سكان القدس والجولان من حملة الهوية الزرقاء؛ هل ستظل مكانتهم السياسية محدّدة على أساس الإقامة؟

٣. تحديد الرؤية القيمية للدولة اليهودية – الديموقراطية: كيف يمكن أن تكون إسرائيل ديموقراطية  ويهودية؟ ما هي النسبة والتناسب الأفضل بين القيم العالمية (التي تندرج تحت قيم الديموقراطية) والقيم المحلية – يهودية؟ وهل يمكن التوفيق بين الديموقراطية واليهودية وكيف؟

إن الواقع اليوم، وبعد خمسين عاماً من الاحتلال ومئة عام من بلفور، لم يعد قابلاً للتحليل بوصفه حالة احتلال عسكري تقليدية مؤقتة؛ لأن إسرائيل استخدمت الادعاء بأن الاحتلال مؤقت من أجل تغيير الواقع الديموغرافي على الأرض، عبر القيام بنقل مئات الآلاف من مواطنيها إلى الأرض التي احتلتها، ثم صارت تطالب بالاعتراف بأن هذا الواقع غير قابل للرد، أي أنها استخدمت حجة المؤقت لتخلق واقعها الاستيطاني باعتباره ثابتاً، ثم سعت إلى إضفاء شرعية قانونية على هذا الاستيطان

تشكّل الصراعات حول المتحول (حدود الدولة والمواطنة والرؤية القومية) محور النقاشات الإسرائيلية، لكنها، في ظل عدم حسمها واستمراريتها، تفرز واقعاً جيو-إستراتيجيّاً مركباً وحافلاً بالتناقضات التي قد تحمل أيضاً بذوراً لتغيير الثابت ذاته:

عدم وضوح حدود إسرائيل الجغرافية الرسمية وعدم حسمها إسرائيليا بعد احتلال 1967، وعلى الرغم من أن الخط الأخضر يشكل من ناحية القانون الدولي حدود الحل السياسي المقبل؛ إلا أن المشروع الاستيطاني خلق واقعاً جيو-ديموغرافيّاً متشابكاً وجديداً، فيه مواطنو إسرائيل اليهود يسكنون في ما وراء الخط الأخضر؛ في المناطق المعرّفة وفق القانون الدولي مناطق محتلة، لكنهم يخضعون لقانون الدولة التي في حدود الخط الأخضر، بينما يخضع سكان المناطق ذاتها من الفلسطينيين لقانون آخر مختلف يدمج بين القانون الفلسطيني المدني والإسرائيلي العسكري، لكون الاحتلال هو صاحب السيادة العليا في نهاية الأمر. هذه الحالة من شأنها أن تعيد قلب الواقع الديموغرافي، وتنتج واقع أبارتهايد واضحاً كما هو اليوم، لكنها أيضاً من الممكن أن تعيد الواقع السياسي على ما كان عليه قبل النكبة؛ مفتوحاً على كل الخيارات: الدولة الثنائية، والواحدة، والأبارتهايد.

سيولة حدود المواطنة والمكانة القانونية المرتبطة بالسكان الفلسطينيين في إسرائيل أو في أراضي (ج) أو القدس الشرقية، مقابل صلابة المواطنة اليهودية الإسرائيلية. في هذا الإطار ما زال يتم مناقشة التبادل السكاني، كما يقترح وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، وكذلك مناقشة طروحات لإعطاء الهوية الزرقاء لسكان مناطق (ج)، كما يقترح حزب البيت اليهودي أو رئيس الدولة رؤوبين ريفلين،وحتى بعض رموز اليسار، مثل الصحفي جدعون ليفي،والكاتب أ.ب. يهوشوع . تنتُج هذه الحالة في ظل استمرار الصراع من جهة؛ وتزايد قوة اليمين الذي من شأنه أن يعزز الشعبوية تجاه الفلسطينيين من جهة أخرى، وخاصة في حالات التصعيد التي قد تواكبهت أجواء فاشية تشرعن استهداف المواطنين الفلسطينيين، وتعمّق المس بحقوقهم وملاحقتهم. ذلك ما يمكن أن نستشفه اليوم من تصعيد التحريض عليهم وعلى قياداتهم، ومن خلال عدّة شواهد تكرّرت العام الماضي تحديداً، كحملة التحريض على الفلسطينيين خلال موجة الحرائق التي اندلعت ما بين 22 و27 تشرين الثاني 2016، واتهامهم بافتعال ‘إرهاب الحرائق’، ثم التحريض الذي أعقب قضية أم الحيران، ومسارعة وزير الأمن الداخلي، غلعاد أردان، وقائد الشرطة، روني ألشيخ، لاتهام الشهيد أبو القيعان، وخلال دقائق، بأنه ينتمي إلى ‘داعش’، من دون إجراء أي تحقيق، قبل أن يتّضح لاحقاً بأنه اتهام كاذب. هذا التحريض، واستسهال استهداف الفلسطينيين في الداخل، ناتج عن بنية المواطنة التفاضلية الإثنية، وعن التاريخ الاستعماري للدولة الذي شرعن فعليّاً هدم قرية عربية (أم الحيران) من أجل إقامة قرية يهودية على أنقاضها، مع ترحيل أهلها ومنعهم من البقاء، ولو حتى في حي هامشي في القرية اليهودية المخططة.

تسهم حالة الصراع وعدم حسم القضايا أعلاه بتصعيد الاستقطاب الداخلي، وتعميق الصدوعات الاجتماعية حول ثقافة وقيم الدولة ومستقبلها السياسي، ويمكن أن نلاحظ أن هذا الاستقطاب يتزايد تبعاً لازدياد قوة اليمين الجديد واليمين الاستيطاني، كما يمكن أن نرصد، في هذا الإطار، السعي المحموم لليمين نحو إعادة تشكيل النخب الثقافية والسياسية والقضائية، كما يشير إلى ذلك فصل مشهد السياسي الداخلي، مقابل التآكل في قيم الديموقراطية وتصاعد المخاوف على مستقبل مؤسساتها، كمحكمة العدل، وهو ما يوضحه فصل المشهد الاجتماعي في هذا التقرير.

ويمكن القول إن ما يترتّب على حالة عدم الحسم لحدود الدولة الجغرافية، واستمرار الاستيطان في ظل استمرار الاحتلال، فضلاً عن عدم بلورة حدود المواطنة وبنية الدولة (ديموقراطية أم يهودية)، هو تشكّلُ منظومة حكم مركبة تدمج ما بين أدوات الاستعمار الاستيطاني والاحتلال العسكري والأبارتهايد. إذ ناهيك عن تاريخ تشكّل الدولة من خلال أدوات الاستعمار الاستيطاني، وبناء كيانها على أنقاض الشعب الفلسطيني؛ فإن الواقع اليوم، وبعد خمسين عاماً من الاحتلال ومئة عام من بلفور، لم يعد قابلاً للتحليل بوصفه حالة احتلال عسكري تقليدية مؤقتة؛ لأن إسرائيل استخدمت الادعاء بأن الاحتلال مؤقت من أجل تغيير الواقع الديموغرافي على الأرض، عبر القيام بنقل مئات الآلاف من مواطنيها إلى الأرض التي احتلتها، ثم صارت تطالب بالاعتراف بأن هذا الواقع غير قابل للرد، أي أنها استخدمت حجة المؤقت لتخلق واقعها الاستيطاني باعتباره ثابتاً، ثم سعت إلى إضفاء شرعية قانونية على هذا الاستيطان، وآخر ما تحقّق في هذا الإطار هو قانون التسوية الذي يشرعن عمليّاً السيطرة الفردية على أملاك الفلسطينيين، ومن قبله تقرير لجنة ليفي الذي ادّعى أن الاستيطان لا يخالف القانون الدولي لأن أراضي الضفة ليست محتلة بل ‘متنازع عليها’. وناهيك عن توسع المشروع الاستيطاني المستمر، والتعامل مع أراضي الضفة الغربية بمفهوم ‘التخوم’ الاستعماري (كيمرلينغ)، فإن الأراضي الفلسطنية وسكانها ما زالوا يخضعون لسيادة الحكم العسكري ومؤسساته، ويتم ضبط حركتهم وفق مبادئ جدوى خاضعة لأمن المستوطنين بشكل أساسي. وعلى الرغم من وجود السلطة الفلسطينية، فإن إسرائيل تحكم سيطرتها على الأراضي المصنّفة (ج)، الممتدّة على ما يقارب 60% من أراضي الضفة، والتي تحوّلت إلى الحيّز الأساسي للتوسع الاستيطاني، الأمر الذي خلق واقعاً مزدوجاً يخصع فيه الفلسطيني لمنظومة الحكم العسكري والفلسطيني المدني، مقابل خضوع المستوطن لمنظومة القوانين الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، فإن تقسيم أراضي 67 إلى مناطق (1H) (2H) (A) (B) (C)، وقطع المناطق بجدار عازل، إضافة إلى خلق تصنيفات سكانية ما بين مواطني سلطة (هوية خضراء) وسكان دائمين في القدس (هوية زرقاء) ومواطني غزة؛ أنتج منظومة حكم معقدة تتعدى منظومة الفصل والتحكم العرقي التي ميزت الأبارتهايد، ومطعّمة بمنظومة عسكرية ومشروع استعماري استيطاني إحلالي.

ترفد الصراعات على المسائل الكبرى الصراعات السياسية الداخلية، لكن الصراعات عليها (أي المسائل الكبرى غير المحسومة) تتأثر بشكل جذريّ من جدلية العلاقة بين البنية الاجتماعية والديموغرافية للمجتمع الإسرائيلي من جهة؛ وبين بنية النظام السياسي الإسرائيلي المرتكز على نسبية التمثيل من جهة أخرى. وفي هذا السياق، نشير إلى بعض التحولات المهمة التي تشهدها الدولة الإسرائيلية، وستكون لها آثار بعيدة المدى على المسألة الفلسطينية ومستقبل الفلسطينيين في بلادهم.

١. السيطرة على النخب

ثمة توجّه نحو إعادة إنتاج رواية ‘شرقية قومية صهيونية ‘ بديلة تشدد على الدور الريادي للشرقيين في إقامة إسرائيل، وتركّز على معاناة الشرقيين من محيطهم العربي والإسلامي، ‘واللاسامية’ التي تعرضوا لها هناك، في محاولة لخلق رواية شرقية صهيونية شبيهة -بل متنافسة -مع الرواية الأشكنازية حول رواد الصهيونية من أوروبا ومعاناتهم من اللاسامية.

كما أشرنا في تقارير ‘مدار’ الإستراتيجية السابقة، مرّت إسرائيل بتغيرات اجتماعية عميقة أدت إلى تحولها، بشكل منتظم ومثابر وتدريجي، من مجتمع علماني عمالي اشتراكي أشكنازي إلى مجتمع يميل نحو أن يكون أكثر تديّناً ومحافظة ويمينية، وهو ما أسميناه في تقرير عام 2015 بصعود ‘إسرائيل الثالثة’. انعكس هذا التغير بشكل مهم في إزاحة تدريجية للنخب التقليدية، وسيطرة القوى اليمينية المتدينة والاستيطانية بدلاً منها على مفاتيح الحكم في إسرائيل. وفي لمحة سريعة للنخب الحاكمة، يمكن أن نلحظ سيطرة القوى اليمينة – دينية- استيطانية على السلطة التشريعية (الكنيست) منذ 2003 حتى اليوم، فثمة في الكنيست اليوم أغلبية دينية – يمينية – استيطانية، يمثّلها 67 عضواً ينتمون إلى التيارات الدينية واليمنية، فيما ينتمي 11 آخرون إلى تيار الوسط – يمين (ويمثله حزب ‘يش عتيد’ – يوجد مستقبل)، مقابل انكماش الوسط – يسار إلى 34 مقعداً (ميرتس والمعسكر الصهيوني)، بالإضافة إلى 13 مقعداً للقائمة المشتركة. ويسيطر اليمين، بحكم ذلك، على مقاليد السلطة التنفيذية (رئاسة الحكومة والوزارات) ومفاتيح القرارات، وهو من يتحكم بوجهة المجتمع والدولة والمؤسسات، ويفرض الوقائع على الأرض ليحسم القضايا الخلافية حول حدود الدولة والمواطنة ويهودية الدولة عبر توسيع وتعميق الاستيطان، وتمرير قوانين ذات طابع عنصري، وتحديد مواطنة فلسطينيي الداخل، كما يسعى لضبط الثقافة السياسية كثقافة يمينية من خلال التشهير بمنظمات حقوق الإنسان والمناهِضة للاحتلال، واتهامها بالعمل لصالح ‘الأعداء’ ونزع الشرعية عنها.  ومع أن بدايات صعود اليمين تعود لـ’انقلاب’ انتخابات 1977، إلا أنه أحكم السيطرة فعليّاً على السلطة التنفيذية منذ 2003، وما زالت حكوماته تتعاقب عليها بشكل متواصل منذ أكثر من 14 عاماً، مع الإشارة إلى أن بنيامين نتنياهو موجود في رئاسة الحكومة منذ 2009 بلا انقطاع (بائتلافات مختلفة كلها يمينة الطابع). ويضاف إلى كل ذلك مساعي اليمين الاستيطاني، بزعامة وزيرة القضاء، أييلت شاكيد، للسيطرة على  السلطة القضائية من خلال التحكم بلجنة تعيين القضاة، وعلى رأسها محكمة العدل العليا، وهو ما أثار توتراً شديداً بين رئيسة المحكمة العليا، مريانم ناؤور،  وشاكيد نفسها. من المهمّ الإشارة هنا أيضاً إلى أنه رغم عدم تمكّن وزيرة القضاء من تغيير بنية لجنة تعيين قضاة المحكمة العليا؛ إلا أنّها خلال اجتماع لجنة تعيين قضاة المحكمة العليا، الذي عقد منتصف شباط هذا العام، نجحت فعليّاً في إدخال شخصيات جديدة ذات ميول يمينية إلى تركيبة قضاة المحكمة العليا بدل الشخصيات التي خرجت، أي أن اليمين، وبدعم من شاكيد، استطاع أن يتسلل إلى آخر معاقل النخبة الصهيونية الأشكنازية الكلاسيكية. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار التغيرات التي تحصل في النخب العسكرية وتديين الجيش المستمر؛ فمن الممكن القول إن اليمين نجح، إلى حد كبير، في إحكام قبضته على مفاتيح الدولة المركزية.

٢. شرقنة اليمين:

برز بشكل خاص في الأعوام السابقة تقاطع التغيرات السياسية والحزبية مع البنية الإثنية للدولة، والموزعة أساساً بين أشكناز وشرقيين (مزرحايم). وفي هذا السياق، نشير إلى التقاطع بين الانتماء الإثني وأنماط التصويت، وإلى صعود تدريجي لظاهرة جديدة يمكن أن نسميها ‘شرقنه اليمين’، أي إضفاء صبغة إثنية شرقية عليه في إطار سياسات اليمين، وعلى رأسه الليكود، لاستقطاب الشرقيين وتعميق اغترابهم عن حزب العمل والأحزاب الصهيونية اليسارية، وجزء من ذلك يمضي عبر التذكير بالسياسات المجحفة التي قادها حزب مباي في عقود الدولة الأولى.

ويميل الشرقيون، بشكل واضح، ونتيجة تجربتهم التاريخية المريرة مع سياسات حزب مباي التمييزية والعنصرية تجاههم، نحو انتخاب الليكود، بالإضافة إلى انتخاب حزب شاس بعد صعوده. وتشير الإحصائيات إلى أنه في عام 1992 كان 68% من مصوتي الليكود من الشرقيين، و21% من الأشكناز، و11% من مواليد البلاد؛ أما في عام 1999، حين تنافس إيهود باراك وبنيامين نتنياهو على رئاسة الحكومة، فقد صوّت 62% من الشرقيين لنتنياهو، مقابل 38% صوتوا لباراك. الميول التصويتية ذاتها ظهرت أيضاً في الانتخابات الأخيرة، التي تمت عام 2015، وانعكست بشكل واضح في البلدات المهمشة اقتصاديّاً – اجتماعيّاً، والمتشكّلة، في أغلبيتها، من الشرقيين (سديروت 42.8%، أشكلون ،39.8%، أور يهودا  42.8%، الرملة 39.8% وبسبب ثقل المصوتين الشرقيين لليكود؛ نرى أن هناك محاولات دؤوبة من الحزب لاستقطابهم وتعميق دعمهم له، وقد يكون تصريح نتنياهو في أيار 2016 بأنه ‘ينحدر من أصول سفاردية’ إشارة إلى هذه المحاولات، ناهيك عن  تعيين ميري ريغيف الشرقية وزيرةً للثقافة، مع مساعيها نحو تغيير النخب التقليدية الأشكنازية واستبدالها بنخب يمينية، واستهدافها المثابر النقدي للمثقفين الإسرائيليين باعتبارهم يمثّلون يساراً أشكنازيّاً متعالياً، واعتزازها بأنها لا تخجل من عدم معرفتها الثقافة الغربية، وأنها لم تقرأ في حياتها تشيخوف، في مقابل مساعيها لضبط واشتراط الدعم الذي تقدمه وزارتها بعدم ‘تخطي الخطوط الحمراء’، وهو ما تجلّى في قضية مسرح الميدان والتهديد بقطع الدعم عنه بسبب عرض مسرحية ‘الزمن الموازي’ للأسير وليد دقة، ناهيك عن خروجها الاحتجاجي خلال إلقاء قصيدة لمحمود درويش من قبل فرقة ‘دام’ الفلسطينية خلال حفل توزيع جوائز السينما الإسرائيلية في 23 أيلول 2016. وفي موازاة مساعي شاكيد هذه، ثمة توجّه نحو إعادة إنتاج رواية ‘شرقية قومية صهيونية ‘ بديلة تشدد على الدور الريادي للشرقيين في إقامة إسرائيل، وتركّز على معاناة الشرقيين من محيطهم العربي والإسلامي، ‘واللاسامية’ التي تعرضوا لها هناك، في محاولة لخلق رواية شرقية صهيونية شبيهة -بل متنافسة -مع الرواية الأشكنازية حول رواد الصهيونية من أوروبا ومعاناتهم من اللاسامية.

وفي هذا السياق، يأتي قيام وزارة التربية، برئاسة نفتالي بينت، بتشكيل لجنة بيطون في شباط 2016، لإعطاء حيز مناسب لرواية وهوية اليهود الشرقيين في الدولة، عبر ‘تقوية هوية اليهودية السفاردية ويهودية الشرق في الجهاز التعليمي’ كما تنصّ أهدافها. وبالإضافة إلى أن هذه اللجنة تندرج ضمن مساعي اليمين الجديد في إسرائيل لتبديل النخبة الأشكنازية التقليدية ذات التوجه العمالي، كما يوضح بشكل موسع الفصل السياسي في هذا التقرير، فإنها جاءت أيضاً بهدف استدماج النخب الشرقية في البنى والقصص الصهيونية الموجودة، والتنافس على صدارة الصهيونية والروايات القومية. هنا لا بد من الإشارة إلى أنه مقابل مساعي ‘شرقنة اليمين’ و’يمننة الشرقيين’، إن صحّ التعبير، خرجت من بين الشرقيين نخب راديكالية عملت على تفكيك الرواية الصهيونية حول الشرقيين، وسعت نحو إعادة كتابة تاريخ الشرقيين باعتبارهم ضحايا للصهيونية.

٣. تزايد الشعبوية السياسية

لم تغيّر التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها إسرائيل النخب التقليدية الأشكنازية العمالية العلمانية فحسب؛ بل طال التغيير النخب اليمينية التقليدية ذاتها، والتي تجاوزت ‘اليمين التنقيحي’ التقليدي، الذي حاول أن يتبنّى فكراً ليبراليّاً عقلانيّاً (من أبرز ممثليه دان مريدور، وبنيامين بني بيغن، ورؤوبين ريفلين، رئيس الدولة الحالي)، وتحوّلت إلى ما صار يصطلح عليه بـ’اليمين الجديد’، وهو ‘توليفة مشكلة من كلّ من الأحزاب الحريدية (المتشددة دينيّاً)، والأحزاب المتدينة القومية، والمستوطنين، وأعضاء الكنيست المتطرفين في حزب الليكود، والجماعات القومية المتطرفة المنضوية ضمن حزب ‘إسرائيل بيتنا’، وحركات مثل ‘إم ترتسو’ وغيرها’. ويرتبط هذا التغيير، بشكل بنيوي، باستمرار حالة الصراع مع الفلسطينيين، وتحوّل الاحتلال إلى جزء من تشكّل المجتمع الإسرائيلي واقتصاديات سلوكه السياسي وحساباته الحزبية للربح والخسارة من جهة؛ وإلى جزء من طبيعة النظام الانتخابي المبني على مبدأ التمثيل النسبي من جهة أخرى، إذ إن الصراع الأيديولوجي – ثيولوجي حول حدود إسرائيل وطبيعتها، والذي يستدمج في طيّاته الصراع بين الديني والعلماني، وبين اليمين واليسار، وبين الديموقراطية واليهودية، يتحوّل إلى صراع محتدم على الصوت لعبور نسبة الحسم، والتي تبلغ 4% من أصوات المنتخبين، وتسمح بوصول أحزاب صغيرة للكنيست، تتحوّل إلى بيضة الميزان في بعض الأحيان، حيث يمكن لحزب صغير أن يسقط حكومة كاملة بسبب مصالح ضيقة حزبية أو فئوية. تتعزّز هذه الحالة في ظلّ الانكماش المستمر للحزبين الكبيرين (الليكود والعمل)، وتحوّلهما إلى أحزاب وسط، وظاهرة بروز أحزاب وسط واختفائها بشكل مستمر، كما انعكس ذلك مثلاً في تشكّل حزب شينوي، برئاسة طومي لبيد، وحصوله على 15 مقعداً عام 2003؛ ثم اختفائه لاحقاً من الساحة الحزبية، وكذلك تشكيل وصعود حزب كاديما بعد انفصال شارون عن حزب الليكود عام 2005، وحصول الحزب في انتخابات 2006 على 29 مقعداً، قبل أفوله نهائيّاً في 2015، ثم صعود نجم يائير لبيد وحزبه يوجد مستقبل، وحصوله في الانتخابات عام 2013 على 19 مقعداً. ضمور الحجم النّسبي للأحزاب الكبيرة، مقابل تمدّد أحزاب الوسط والأحزاب الصغيرة على رقعة المشهد السياسي في إسرائيل، أفرز واقعاً يتيح لأي حزب صغير التحكم في قرارات الحكومة، وهو ما يعني، في حال وجود حكومة يمينية تتآلف مع أحزاب استيطانية ودينية، أن الحكومة ستذهب نحو اليمين والتطرف أكثر لترضي أطرافها الحزبية، حتى لو كانت أحزاباً صغيرة. وفي هذا الإطار، يمكن أن نشير إلى أن حزب ‘إسرائيل بيتنا’، الذي حصل على 6 مقاعد في الانتخابات الأخيرة، حصل مؤخّراً على وزارة الأمن.

 

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.