اتلاف شواهد أضرحة في مقبرة يافا: صمت المجتمع اليهودي مخزي

الصمت امام اتلاف شواهد أضرحة في مقبرة يافا يعكس النفاق والتدهور الأخلاقي للمؤسسات الإسرائيلية وللمجتمع اليهودي بأكمله: من ينتفض امام المس بالمقابر اليهودية في أرجاء العالم لا يمكن أن يحافظ على صمته عندما يتعلق الأمر بمقبرة عربية فكم بالحري عندما يحدث ذلك في يوم ذكرى المحرقة!
عبد أبو شحادة

 

ليس سراً بأنه منذ صعود ترامب للحكم ازدادت حالات مضايقة اليهود في الولايات المتحدة في حين أن احد اكثر الأفعال اللاسامية فظاظة وإثارةً للأصداء الاعلامية هو المس بالمقابر: المس براحة الاموات وكرامتهم الذي يعلن بكل وضوح امام اقارب عائلتهم ومجتمعهم بأنه لن يتم احترام الحق للرقود بسلام ليس فقط للموتى بل أيضاً لهم.

أيضاً المجتمع العربي في يافا يتوقع بأن يرقد أمواته في المقابر بسلام. لكن في يوم الأحد الأخير، مساء يوم ذكرى المحرقة، خلال زيارة للجنة اكرام الميت في مقبرة “طاسو” في تل الريش (بالقرب من تل كبير) اتضح بأن هناك شواهد أضرحة قد هشمت بشكل عشوائي. محادثة أجريتها مع ممثل اللجنة تؤكد بأن الحديث ليس عن ظاهرة جديدة، وبأن اعضاء اللجنة الذين يتفقدون المكان بين الفينة والأخرى وجدوا أحياناً قمامة تم القائها داخل المقبرة وبأحيان أخرى أضرار بالغة أكثر مثل اتلاف الشواهد.

اقل ما يمكن توقعه من شعب يعرف جيداً معنى هذه الاهانات هو بأن يقوم بشجب الظاهرة.. لكن مجرد عدم ابداء القادة المحليين لتحفظهم العلني وعدم خلقهم لنوع من الردع يعكس امامنا التدهور الاخلاقي للمؤسسات المسؤولة وللمجتمع اليهودي بأكمله.

اللجنة الاسلامية المنتخبة تناقش هذه الظاهرة منذ فترة، وقد طرحت، من ضمن أمور أخرى، فكرة لتوظيف حارس في المكان. ولكن مع أخذ حجم المقبرة بعين الاعتبار قد يكون هذا حلاً جزئياً فقط ومن الممكن حتى بأن يعرض الحارس لخطر (فمن يسمح لنفسه بدخول مقبرة في ساعات الليل المتأخرة وإفساد شواهد لن يرى مشكلة في التعرض لإنسان يقوم بعمله). مع ذلك، فنحن لا نفكر بالطبع في التوجه للشرطة- ففقط قبل حوالي السنة ونصف، ودون التنسيق مع لجنة اكرام الميت او مع اللجنة الاسلامية، دخل الى المقبرة في منتصف الليل حوالي 300 شرطي وهدموا عريشة كان من المفترض بأن تأوي بظلها العائلات الثكلى خلال طقوس الدفن. كما أننا لا نفكر في التوجه لبلدية تل أبيب-يافا لا سيما وأنها هي التي أصدرت أمر الهدم لتلك العريشة. هذه هي نفس البلدية التي تتباهى أمام المجتمع الدولي بتل ابيب الليبرالية والمتعددة التي تتقبل الآخر بينما لا تنجح في الواقع بتوفير حماية اساسية للسكان العرب في منطقة نفوذها البلدية والذين يشكون ليل نهار من التعرض لهم على أساس قومي وديني.

نحن نواجه معضلة مبدئية: أحياء تل كبير وتل العريش مرت بتطهير اثني للعرب الذين سكنوها بال-48 مع احتلال يافا، أما الأحياء العربية القائمة اليوم فتتواجد على مسافة بضعة كيلومترات، الأمر الذي يصعب علينا حماية المقبرة. الشرطة غير معنية بتقديم حلول وهي التي لم تجد حتى اليوم من افسدوا قبل سبع سنوات المقبرة المسيحية في شارع “كيدم” بالعجمي الذي رشت جدرانه بشعارات “تدفيع الثمن” و”الموت للعرب”. في يوم الخميس الماضي، اقتحمت هذه الشرطة المقبرة المسيحية بادعاء البحث عن “اسلحة ومخدرات” لكنها لم تأبه بإبلاغ المسؤولين عن المكان. الامر الوحيد الذي قامت به الشرطة، بشكل لم يسبق له مثيل، بأنها توجهت لممثل لجنة اكرام الميت وطلبت انزال الخبر حول افساد الشواهد من موقع الاخبار المحلي “Yaffa 48” كي لا ينتشر حدوث شيء من هذا القبيل مساء يوم ذكرى المحرقة: أي أن الشرطة، بدل القيام بعملها، منشغلة بالعلاقات العامة والدعاية(!).

الاوضاع الحالية لا تترك للمجتمع العربي الكثير من الامكانيات. احداث من هذا النوع تتحول إلى روتين آخذ بالاتساع يوماً بعد يوم لكنها لا تنجح في اثارة اهتمام وسائل الاعلام الممأسسة. في المقابل، لا نحصل نحن على أجوبة من أي طرف رسمي، ويتوقعون منا بأن نقبل هذه الاحداث على اعتبارها “عاصفة وستمر”. لكن الصورة واضحة من ناحية المجتمع العربي- ليس الحديث عن عاصفة ستمر بل أن هذه الاعتداءات من الممكن بأن تشتد على خلفية عدم وجود من يوفر الحماية لا للأماكن المقدسة ولا لنا بأنفسنا.

عدا عن خطورة الحدث، فان هذه الحالة تعكس النفاق الاخلاقي بالمجتمع اليهودي الذي يقوم بالانتفاض بشكل ثابت – ومحق- عندما يتم المس بمقابر يهودية في أرجاء العالم لكن عندما يحدث شيء كهذا في مقبرة عربية، ان كانت اسلامية أم مسيحية، يكون رده الصمت المخزي. اقل ما يمكن توقعه من شعب يعرف جيداً معنى هذه الاهانات هو بأن يقوم بشجب الظاهرة. لا حاجة للاتفاق على الامور السياسية والاجتماعية كما أنني لا أتوقع تنظيم احتجاجات بالمجتمع اليهودي- لكن مجرد عدم ابداء القادة المحليين لتحفظهم العلني وعدم خلقهم لنوع من الردع يعكس امامنا التدهور الاخلاقي للمؤسسات المسؤولة وللمجتمع اليهودي بأكمله.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.