لا "بيض" هنا- فقط أشكناز!

رد على مقالة نشرت في “هآرتس” تحت عنوان “زنجي هي كلمة جميلة”: “زنجي” هي كلمة مقززة وعنصرية لأنها تمس بهؤلاء الذين من المفترض بأنها تمثلهم. “أشكنازي” هي ليست كلمة جميلة أيضاً. هذه كلمة تمكننا، نحن “البيض” في دولة إسرائيل، من غسل ايادينا من حركة الفوقية البيضاء العالمية.
افراهام جوتمان

 

صحيفة “هآرتس” قررت نشر مقالة عنوانها “زنجي هي كلمة جميلة” يشرح فيها الكاتب الاشكنازي دورون كورن مصادر الكلمة التناخية، ويخرج ضد طهارة حرية التعبير عن الرأي التي تمنع استخدامها. لا نية لدي لمناقشة مصدر الكلمة. السؤال الأهم هو لماذا يبدو لنا، كإسرائيليين أشكناز، بأن هناك امكانية أصلاً للتفكير بأن هذا النقاش غير عنصري.

قبل زمن ليس ببعيد اتضح لي بأنني آمنت بكذبة كل حياتي. قالوا لي بأنني اشكنازي وأنا صدقت ذلك. لكني عندما وصلت إلى الولايات المتحدة لدراسة الاقتصاد، فهمت فجأة بأن “أشكنازي” ليست الكلمة الدقيقة، وقطعاً ليست الوحيدة، التي تعرفني: فهمت بأنني “أبيض”.

القصة الإسرائيلية كما علمونا هي قصة طائفية ودينية. في المجتمع الإسرائيلي هناك تقسيم بين العرب واليهود ومن ثم تقسيم داخلي لليهود بحسب الطوائف. هذه القصة الطائفية والدينية للسياسة والمجتمع في إسرائيل تجعلنا ننظر إلى “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” كدولة مع مشاكل ذات خصوصية منقطعة عن التاريخ الطويل للفوقية البيضاء في الدول “الغربية”. لكن بالإمكان حكاية القصة الإسرائيلية بطريقة أخرى- كقصة عن العرق.

عندما اتحد كل العالم لمقاطعة جنوب أفريقيا، إسرائيل كانت آخر من وقف الى جانب حكم الابرتهايد. وحدة “بيضاء”؟ حاشا وكلا! فلدينا لا يوجد “بيض”، هناك فقط أشكناز.

بحسب معطيات دائرة الاحصاء المركزية لعام 2015، فقط 35% من سكان دولة إسرائيل هم أشكناز أي يهود “بيض”. إسرائيل هي دولة يشكل فيها “الانسان الأبيض” أقلية. مع ذلك، لم يكن في إسرائيل حتى اليوم أي رئيس حكومة غير “أبيض”: الانسان “الأبيض” يشكل نسبة قليلة في السجون مقارنة بنسبته بين السكان: و”البيض”، كما هو معروف، يحصلون على أجور أعلى من البقية. هل علي أن استمر؟ الفوقية “البيضاء” الممأسسة في الولايات المتحدة واضحة للكثيرين: نسب الاعتقال المرعبة لمواطني الولايات المتحدة “السود” و”غير البيض” (أي “people of color”)، الفروقات العرقية بالأجور، بمتوسط العمر، بمستويات البطالة. هل تختلف إسرائيل كثيراً عن الولايات المتحدة بهذا المعني؟

هناك من سيدعي بأن الفرق يكمن في التاريخ. صحيح، في إسرائيل لم تكن هناك “عبودية شرقية” أو “عبودية أثيوبية” كما كانت “العبودية السوداء” في الولايات المتحدة. ولكن بينما قاموا في الولايات المتحدة بإجراء تجارب حول مرض الزهري على اولاد “سود”، بإسرائيل جربوا أشعة الرنتجن على رؤوس الاولاد الشرقيين الذين اصيبوا جراء ذلك بمرض سعفة الرأس. الاسكانات الاجتماعية في إسرائيل تذكر بال”بروجكتس” (المشاريع) الأمريكية. بالإضافة الى ذلك، من اللحظة التي جاء فيها الاثيوبيون، “اليهود السود”، الى إسرائيل (الذين يشكلون 1.5% من السكان في إسرائيل) تم دفعهم إلى الفقر وراحوا يعانون من التواجد الشرطي المكثف ونسب الاعتقال الكبيرة.

الذكاء في تذويت كلمة “أشكنازي” (وليس “أبيض”) في بلادنا ينبع من كون هذا التعريف يعزل الخطاب عن صراعات العرق بأرجاء العالم. عندما اتحد كل العالم لمقاطعة جنوب أفريقيا، إسرائيل كانت آخر من وقف الى جانب حكم الابرتهايد. وحدة “بيضاء”؟ حاشا وكلا! فلدينا لا يوجد “بيض”، هناك فقط أشكناز. من جهة أخرى، لا توجد أية مشكلة بأن يقول الاشكنازي “زنجي” وبأن يدعم في نفس الوقت نضالات مثل “Black Lives Matter” فالشرطة في الولايات المتحدة “بيضاء” وليست أشكنازية(!).

black lives
“لا توجد أية مشكلة بأن يقول الاشكنازي “زنجي” وبأن يدعم في نفس الوقت نضالات مثل “Black Lives Matter” فالشرطة في الولايات المتحدة “بيضاء” وليست أشكنازية!”

 

العرق هو بنية اجتماعية اخترعتها العنصرية. كلمة “زنجي” هي كلمة مسيئة لأنها تمس بالناس الذين من المفترض بأنها تمثلهم. ك”يسار أبيض” وظيفتنا بأن نكون حلفاء المقموعين في دولة إسرائيل (ونعم في فلسطين وكل العالم). أن نكون حلفاء ذلك يعني، من ضمن أمور أخرى، بأن نتنازل عن الامتياز “الأبيض” (نعم، اليهودي-الأشكنازي) الذي عودنا بأن مكاننا الطبيعي هو بموضع القيادة، حتى اذا كان الحديث عن القيادة الفكرية. ادراك التجربة التي يعيشها المقموع الذي ندعي بأننا حلفائه أهم بكثير من الطهارة الفكرية ومن فهم المصادر التناخية لهذه الكلمة أو تلك.

لو لم نفصل بين تجربة الأثيوبيين في إسرائيل وتجربة السود في الولايات المتحدة، اوروبا او الدول الأفريقية التي خضعت لكلونيالية أسياد بيض- التجربة التي يتعاطف معها الكثيرون في “اليسار الأبيض”- لكان من الواضح لنا بأن “زنجي” هي كلمة عنصرية ولما كانت هناك حاجة لكل هذا النقاش عديم الفائدة.

“زنجي” هي ليست كلمة جميلة. هي كلمة مقززة وعنصرية لأنها تمس بهؤلاء الذين من المفترض بأنها تمثلهم. هكذا ببساطة. “أشكنازي” هي أيضاً ليست كلمة جميلة. هذه كلمة تمكننا، نحن “البيض” في دولة إسرائيل، من غسل ايادينا من حركة الفوقية البيضاء العالمية. الاشكنازية بهذا المعني هي قمة الامتياز الأبيض- القدرة على العيش في عالم عنصري كانسان “أبيض”، وفي نفس الوقت، عدم النظر الى نفسك كجزء من المشكلة البيضاء.

كلمة أخيرة لمحرري “هآرتس”: اذا كنتم تقفون من وراء هذا المقال الذي قمتم بنشره، والذي يجعل العنصرية تبدو طبيعية بهذة الدرجة، فلتترجموه الى الانجليزية. وأهم شيء بأن تترجموا العنوان ترجمة حقيقية. اذا لم تكن هناك أية عنصرية من ناحية جمهوركم باللغة الانجليزية، فلن تكون هناك أي مشكلة مع مقال كتبه انسان أبيض بعنوان يبدأ ب- N.

اقتصادي وكاتب إسرائيلي يحيى في فيلادلفيا. مجال بحثه يركز على العرق، الاسكان والنشاط الشرطي في الولايات المتحدة.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.