العنجهية الإسرائيلية وسياسة الموت

بالإمكان فهم طقوس الذكرى والموت في إسرائيل كمحاولة لمواصلة الاقناع الذاتي الذي يؤكد بأن اليهود هم الضحية المطلقة: الحاجة لإنكار الفلسطيني في هذه الأيام مفهومة للغاية فمجرد حضوره يفند القصة الإسرائيلية الرسمية حول الحق الحصري بهذه البلاد وتاريخها.
مرزوق الحلبي

 

عندما كتب الراحل اميل حبيبي بمنتصف سنوات الثمانينات “يوم استقلالكم هو يوم نكبتي”، أجابه الأديب أ.ب. يهوشواع باللهجة العنجهية التي ميزت تلك الأيام بأن بإمكانه أخذ أغراضه والانتقال لإحدى الدول العربية بالمنطقة. بمنتصف الثمانينات، كما هو معروف، ولدت حكومة الوحدة الأولى. شعور بالقوة ساد في الجو، ولا شيء ينجح في اثارة مشاعر التكبر، الغطرسة والوقاحة مثل القوة تماماً كما نشهد في هذه الأيام. لكن عنجهية اليوم مدمرة بدرجة أكبر فبينما اقترح يهوشواع على حبيبي الانتقال لدولة أخرى، يحاول متغطرسو اليوم اخفاء كل ما يتعلق بالفلسطينيين وإسكاته تماماً. ولأننا في خضم ايام الذكرى (التي يتم احيائها في إسرائيل بهذه الفترة) فمن الاجدر بأن يتذكر المنكرين كذلك:

بعد 100 عام من الصراع ما زال السؤال حول حق الفلسطينيين بتقرير مصيرهم في دولة خاصة بهم عالقاً خلافاً لسؤال حق اليهود ودولة اسرائيل في التواجد بالحيز. الفلسطينيين هم الذين اقتلعوا وطردوا من وطنهم من طرف الحركة الصهيونية، وهم ممنوعين من العودة او أن هناك من يرفض الاعتراف بالنكبة التي كانت من نصيبهم والتوصل معهم الى تسوية تنطوي ولو على تصليح صغير لهذا الظلم التراجيدي من ناحيتهم.  في هذا السياق، بالإمكان فهم طقوس الذكرى والموت في إسرائيل كمحاولة لمواصلة الاقناع الذاتي الذي يؤكد بأن اليهود هم الضحية المطلقة في هذه القصة وليس فقط في المحرقة. هذه المساعي يرافقها عادة خطاب من الكراهية العميقة لكل ما يبدو فلسطينياً، قريب للفلسطيني، يذكر بالفلسطيني، مثل تلك النشاطات المشتركة لليهود والفلسطينيين الذين يحاولون مداواة جراح الماضي بالتواصل والحوار، وتلك التي ستأتي اذا ما استمرت الايديولوجية اليمنية في السيطرة على العرش.

مقاتلون من أجل السلام
صورة من طقوس الذكرى البديلة التي نظمتها “مقاتلون من أجل السلام” بمشاركة عائلات فلسطينية وإسرائيلية ثكلى، 30.4.2017 (تصوير: يوآف شبيرا)

الحاجة لإنكار الفلسطيني في هذه الأيام مفهومة من ناحيتي لأن مجرد حضوره، تواجده المرئي، حديثه والقصة التي على لسانه يفند القصة الإسرائيلية الرسمية اليمينية حول الحق الحصري بهذه البلاد وتاريخها. فكل فلسطيني متوسط، حتى اذا لم يكمل سن العاشرة، يستطيع أن يذكر أسماء القرى التي اقتلعت ودمرت في الأربعينات والخمسينات: كل لاجئ ولاجئة في الشتات الفلسطيني يحملون مفاتيح في أياديهم أو في قلوبهم للبيوت الذي اجبروا على تركها من ورائهم.

أما بين البحر والنهر فيحيى الكثير من الفلسطينيين الذين يساوي عددهم تقريباً عدد اليهود في هذا الحيز! ليس من السهل على يهودي متوسط ان يكتشف اليوم أو غداً هذه الحقيقة العارية التي تقف في بابه او تطل من مرآته- الفلسطينيون هنا هم نصف عدد الناس وليس كما تدعي دائرة الاحصاء المركزية. السؤال الفلسطيني الآن وهنا، ليس خلف الباب إنما بالغرف الداخلية للنفس اليهودية: من وراء الخطابات في ديوان رئيس الدولة و”جبل هرتسل” (المقبرة القومية حيث تجري طقوس يوم الذكرى لقتلى الجيش الإسرائيلي)، من وراء الاسماء العبرية للجنود القتلى الكثيرين، من وراء الأماكن التي تثير الذكريات المؤلمة والتراجيدية. طقوس الموت الإسرائيلية المخصصة لتعزيز الرواية الإسرائيلية الرسمية تستقصد تغييب القصة المظلمة التي تتحدث عن اقتلاع شعب من وطنه، من بياراته، من عزبه، من حقوله وآباره.

الاقتلاع لا يعني الانتقال من مكان إلى آخر انما اجبار اناس على التحول من أصحاب مكان وزمان إلى لاجئين معدومين خارج المكان والزمان من خلال سحق كرامتهم وحقوقهم الانسانية. ذلك بالاضافة الى اقتطاف حياة الكثيرين، المعارضين او هؤلاء الذين علقوا لسوء حظهم في مصيدة الشر. وهي التجربة التي ما زالت تصيغ الهوية الفلسطينية حتى الآن وتخلق طبقات من الذاكرة الجماعية التي تتكدس مع الوقت. هذه الذاكرة تخيف هؤلاء الذين افترضوا بأنها غير قائمة او أن بإمكانهم محوها. هذه الذاكرة تعتبر تهديداً من طرفهم لأنها تشكك بشكل كبير بمصداقية الرواية الإسرائيلية الرسمية حول الحصرية في البلاد وعليها. لهذا فمن الطبيعي بأن يكون هناك من يجتهد لطرد هذه الذاكرة من هنا، لإسكاتها ولمنع التعبير عنها خاصة في هذه الايام التي تهدف الى تعزيز وتثبيت الرواية الإسرائيلية المليئة بقصص الموت البطولي الذي يثير الفخر القومي ويضمن الثبات.

الموت الفلسطيني الذي يكمن بالجهة الأخرى من الموت الإسرائيلي، في الزوايا المتوقعة وغير المتوقعة، يقلق راحة من يعيشون في وهم ويعتقدون بأنهم هنا لوحدهم وبأن لا أحد غيرهم في الحيز. مجرد تواجد الفلسطيني هنا يكفي لكي يعيق الطقوس المختلفة والأفكار الحزينة حول كون كل الضحايا الإسرائيليين ضروريين لضمان البلاد ومواردها، فالبلاد، على الرغم من الحواجز والإغلاق، مليئة بالفلسطينيين الذين لا يكفون عن التذكر والتذكير بأنهم هنا، كانوا هنا وهم مصممون عل البقاء للأبد وحتى على ارجاع هؤلاء الذين اقتلعوا بالقوة وبالجريمة.

مغني الراب المتطرف “الظل” يحتج مع نشطاء يمين آخرين على الطقوس البديلة التي نظمتها “مقاتلون من أجل السلام”

لو ان اتفاقات اوسلو قد تطورت لتسوية بين الشعبين ولحل اقليمي متفق لفطمت إسرائيل من عناصر كولونيالية في كينونتها لصالح تجربة جديدة لا تكون كولونيالية، ولأصبح من الممكن استبدال التواجد هنا بفضل قوة الذراع لقوة التسوية والاتفاق. لكن منذ مقتل رابين وإسقاط الاتفاقات تطورت الامور باتجاه آخر يشير الى العودة للمربع الاول للصراع، على الأقل من ناحية الخطاب المتفشي في إسرائيل بقيادة حكومات اليمين المتطرف: الصراع عاد ليكون صراعاً على الوجود نفسه وليس على حدود الوجود.

هذه النقلة حدثت بسبب الايمان بأن إسرائيل قوية بما فيه الكفاية بما يمكنها من رفض فكرة التسوية إن كان بحدها الأدنى مع الشعب الفلسطيني او بحدها الأمثل مع شعوب المنطقة بواسطة “المبادرة العربية”. هناك معنى واحد لهذا الرفض وهو بأنه يقود لمواجهة أكيدة مع الشعب الفلسطيني بين البحر والنهر. ربما هذا هو الهدف ولكن لا أحد يستطيع أن يتنبأ ماذا ستكون النتائج اذا ما تحقق. الأكيد بأن مواجهة كهذه ستكون عنيفة بشكل خاص وستقطف ضحايا كثر لن تجد أسمائهم مكاناً لها على النصوب التذكارية التي تقام كل صباح ومساء.

في هذه الأيام تحتفل إسرائيل ب”الاستقلال” لكن هذا الاستقلال يقتصر على هؤلاء الناس وعلى تلك الحلقات في المجتمع اليهودي التي تحررت بنفسها من قيود سياسة الموت، من ذاكرة المنتصرين المفعمة بالكذب والوهم التي تلائم الواقع لرغباتها ونزواتها، من الاحتلال على خطاياه ومظالمه، من الأعلام والطقوس المفسدة التي تقدس الحرب كما يليق بالأنظمة الاستبدادية الفاشية. كلي تقدير لجرأتهم وللاستقامة التي يظهرونها عندما يقولون الحقيقة لأنفسهم ولدولتهم. كلي تقدير لالتزامهم بمحاربة الاحتلال والسيطرة على الشعب الفلسطيني، لأخلاقيتهم التي تحتج على استمرار النكبة حتى اليوم. قلبي معهم في تلك اللحظات التي يقفون فيها لوحدهم أمام ماكينة محدثي الحروب التي تهدم كل شيء جيد. من السهل التواجد بجهة الضحية ومن الصعب التواجد في جهة من يجعلها ضحية. هم الذين يبقون هناك في أعلى الجبل الأمل بإمكانية الحديث، الحوار والمصالحة أيضاً في هذه الأيام التي يسرع فيها اليمين مصنع الاستيطان كإشارة ملموسة لضم الأراضي المحتلة ولخق نظام ابرتهايد يشرف دولة إسرائيل.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.