لا صوت لهن: حول اسكات متضررات الاعتداءات الجنسية

بدل أن تحصل النساء المتضررات من الاعتداءات الجنسية على الدعم والتشجيع، فهي تضطر الى مواجهة المعتدين ومحامييهم، والى التعامل ليس فقط مع الاعتداء الذي تعرضن له انما أيضاً مع السيف المرفوع على رقابهن على هيئة دعاوى تشهير تصل الى مئات آلاف الشواقل واحياناً ملايين الشواقل.
رفيطال مدر

 

“وصوتها لن يسمع” هو الاسم الذي حملته الوقفة الاحتجاجية التي نظمت في القدس الخميس الماضي ضد القرار الذي اتخذته النيابة العامة في ملفي اغتصاب جماعي لفتيات. في قضية الاغتصاب في هرتسليا تم اطلاق سراح المعتقلين بعد أن ادعت النيابة بأن وضع المتضررة الصعب لا يسمح بجباية شهادتها- ذلك بدلاً من اعتبار وضعها الصعب كأكبر شهادة! أما في قضية الاغتصاب في يهود فتدعي النيابة بأن هناك صعوبة في اجراء التحقيق لأن المتضررة ترفض مواجهة المتهمين. ماذا سيكون مصيرها؟ لا ندري حتى الآن. عدا عن القاء المسؤولية عن استنفاذ التحقيق في الحالتين على عاتق المتضررات، تقول النيابة  للمتضررات بأنها بحاجة الى صوتهن; بأنها دون صوتهن لن تتمكن من استنفاذ التحقيق وإدارته بالطريقة الصحيحة كما تراها.

الى جانب العبثية التي تكشفها هذه المقولة، على ضوء ملفات الاجرام الاخرى التي لا يكون فيها صوت للضحية (كالقتل بالدرجة الاولى)، فهذا المطلب ينم أيضاً عن استهزاء شديد وقاسي. خصوصية الاعتداء الجنسي تكمن في حلقة الصمت التي تتواجد من حوله; المغتصبون والمتحرشون ليسوا بحاجة لأن يطلبوا من المتضررة بأن تسكت. هم يعرفون بأن النساء لا تملن للحديث عن الاعتداءات الجنسية فكم بالحري عندما يكن فتيات وبنات. ادراك الصعوبة في الحصول على ثقة المجتمع باعتداءات من هذا النوع هي حقيقة نحملها معنا منذ جيل صغير. على الرغم بأنه ليس من المفترض بأن يكون هناك أي شيء يثير فينا الخجل بسبب استغلالنا من قبل شخص آخر إلا أن الخجل الذي يغمر الحدث هو الذي يبقيه في العتمة بكثير من الأحيان. عندما نضيف الى هذه الحقيقة الاحصائيات حول اغلاق ملفات الاعتداءات الجنسية- التي وصلت عام 2015 حتى 85% من الشكاوى المقدمة للشرطة- تصبح امكانية الحديث أصعب أكثر فأكثر.

הטרדה2
احتجاج مقابل النيابة العامة في تل أبيب على ضوء استخدام ادعاء يقول بأن المغتصبة “تصورت بالبكيني”!!

في السنوات الأخيرة وفي أعقاب المتضررات الجريئات اللواتي قررن التحدث عما اقترف بأجسادهن دون رغبتهن، تطورت وسائل الاسكات وأصبحت تشمل اليوم دعاوى التشهير التي تقدم ضد المتضررات. في ثقافة الاغتصاب، بدل أن تحصل النساء على الدعم وعلى حقنات تشجيع من طرف تلك النيابة المحتاجة لأصواتهن إلى أبعد درجة، فهي تضطر الى مواجهة المعتدين ومحامييهم، عادةً لوحدها وفي اطار مدني، والى التعامل ليس فقط مع الاعتداء الذي تعرضن له انما أيضاً مع السيف المرفوع على رقابهن على هيئة مئات آلاف الشواقل واحياناً ملايين الشواقل.

هذه الدعاوى مبررة بسبب احقية من لم تثبت عليه التهمة. ولكن عندما تكون الاحتمالات كبيرة بأنه لن يتم تقديم لائحة اتهام، تبدو هذه الأحقية كأداة أخرى للمنظومة الذكورية التي تعمل على اسكات النساء. عندما تنضم لهذه الدعاوى طلبات لإجراء المحاكمة خلف الأبواب المغلقة وبسرية تامة، تسد كل امكانيات الحديث امام المتضررة. الاحتمال بأن يسمع صوتها خارج قاعة المحكمة يصبح معدوماً. اذا كان الاعتداء هو عملية الاسكات الاولى التي تواجهها المتضررة بواسطة الحديث فدعوى التشهير هي الطريقة التي يعيدون فيها الامور الى نصابها أما قبول طلب السرية من قبل المحكمة فهو الاغلاق المحكم لفم المتضررة- تمزيق اوتارها الصوتية.

הטרדה1
“ليست هذه أعشاباً ضارة بل مجتمع منحرف”، احدى اللافتات التي رفعت في مسيرة ال”SlutWalk” الاخيرة بتاريخ 12.5، وهي التظاهرة التي تنظم سنوياً احتجاجاً على ثقافة الاغتصاب وعلى اتهام النساء بالاعتداءات الجنسية التي يتعرضن لها لارتدائهن الملابس المكشوفة.

في هذه الايام تواجه “م” التي عانت من زنا المحارم ثلاث دعاوى قدمت ضدها من قبل من اعتدى عليها في طفولتها واثنتان من عائلته والذين يطالبونها بدفع أكثر من مليون شيكل. بينما كانت في نوبة هوس، والتي بإمكاننا أن نخمن بأنها كانت نتيجة الاعتداء الجنسي الذي تعرضت له في طفولتها، كتبت “م” مشاركات كثيرة حول الاعتداء والمعتدي. فقام الأخير بالرد بواسطة استخدام العنف القانوني المتاح أمامه، ولأن الدعاوى قدمت في محكمة الشؤون العائلية فقد تم فرض السرية عليها بشكل اوتوماتيكي. في هذه الحالة، “م” ليست ممنوعة عن التحدث عن الاعتداء فقط انما أيضاً عن دعاوى الاسكات التي قدمت ضدها. عليها الآن أن تواجه العزلة العائلية، التهديد الاقتصادي على حياتها وصعوبة تجنيد الاموال المطلوبة للدفاع القانوني اللائق الذي يمكنها من اثبات قولها للحقيقة واستعادة صوتها.

“م” بحاجة لنا الآن لكي نتحدث باسمها، ونشارك حملة التمويل الجماهيري التي أطلقتها، بأن نمكنها من مواصلة الحصول على تمثيل لائق وعلى دفع الديون التي تجمعت حتى الآن لمحامية الدفاع. مقابل النيابة التي تغلق الملفات لأنه من الصعب علينا أن نتحدث، لا يمكن ان نقف مكتوفي الأيدي عندما تسمح هذه المنظمة، المحكمة الإسرائيلية، للمعتدين بإسكات المتضررات بطرق قانونية “بحتة”; اولاً، بمجرد وجود امكانية لتقديم دعاوى بمبالغ طائلة وليس بمبالغ هدفها الحقيقي تنظيف الاسم فقط. فاذا كنت واثقاً من براءتك وكل ما يعنيك هو تنظيف اسمك، من أين تنبع اذا هذه العادة المتكررة للمطالبة بمبالغ طائلة في مثل هذه الدعاوى؟; وثانياً، بفرض السرية على هذه الملفات، وهي السرية التي تعني منذ البداية وقوف المنظومة الى جانب القوي الذي مارس العنف على جسد المتضررة بالمرة الاولى ومن ثم بالمرة الثانية استخدم عنفه لإسكاتها بينما فرض عليها تهديد اقتصادي تعجيزي.

مشروع التمويل الجماهيري ل”م” سينتهي قريباً. كل تبرع معناه محاربة محاولة الاسكات هذه التي تأتي من طرف المعتدي وبنات عائلته بمساعدة منظومة القضاء الاسرائيلية. كجزء من نضالنا بهذه الايام ضد النيابة التي تطلب منا الحديث فقط عندما يكون ذلك مريحاً لها وتلقي علينا المسؤولية لاستنفاذ الاجراءات مع المتهمين، ندعوكم للمساهمة في الحملة ومشاركتها قدر الامكان بكل الوسائل المتاحة أمامكم.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.