صورة الشرق في السينما الإسرائيلية: الحلقة الثانية

دراسة الباحثة ايلا شوحاط حول تمثيل اليهود الشرقيين فيما يسمى أفلام “البوريكاس”. تستعرض شوحاط في الحلقة الثانية من هذا الملف بعض النماذج للأدوار النمطية التي يلعبها الشرقي في الأفلام الإسرائيلية الرائجة منذ سنوات الستينات وحتى الثمانينات.
إيلا شوحاط

 

إيلا شوحاط، واحدة من أهم الناقدات الثقافيات الإسرائيليات اليوم. ولدت عام 1959 وأعدت رسالة الماجستير في جامعة بر إيلان بإسرائيل، أما الدكتوراه فقد حصلت عليها عام 1986 من جامعة نيويورك التي تقوم بالتدريس فيها الآن. عملت شوحاط على نظرية إدوارد سعيد حول الاستشراق وقامت بتطبيقها على العلاقات الثقافية بين “اليهود/ العرب”، “اليهود الشرقيون/ الغربيون”، وإجمالا حول التمثيلات الثقافية بين الشرق والغرب، وذلك من خلال السينما الإسرائيلية. تعتقد شوحاط التي جاءت من أصل عراقي أن الصهيونية خلقت نوعاً مزدوجاً من القمع: ضد الفلسطينيين وضد اليهود الشرقيين، وتحاول في كتبها عرض الكيفية التي حاولت بها الصهيونية تقديم هوية موحدة موائمة قائمة على الثقافة الإشكنازية الغربية ومحو الهوية الشرقية.

من كتبها: “السينما الإسرائيلية: تاريخ وأيديولوجيا”، 1991، “الثورة الشرقية: ثلاث مقالات عن الصهيونية والشرقيين” ، 1999، “ذكريات ممنوعة: من أجل فكر تعددي”، مجموعة مقالات، 2001، “السينما الإسرائيلية: الشرق/ الغرب وسياسة التمثيل”، 2005.

الدراسة التي سننشرها هنا على عدة حلقات هي من كتابها الأول، وتدور حول تمثيل اليهود الشرقيين في أفلام “البوريكاس”[1]، وهو نوع معين من الأفلام الشعبية تم إنتاجه في إسرائيل الستينيات والسبعينات واهتم بتجسيد شخصيات من اليهود الشرقيين بالأساس.

للإطلاع على الحلقة الأولى. 

التمثيل الإشكالي للشرقيين/يات

                                                         ترجمة: نائل الطوخي

ينبغي مشاهدة الأفلام الإسرائيلية التي تهتم بمواضيع شرقية، إن كان الحال هكذا، كجزء من سلسلة كبيرة للغاية من البني والأيديولوجيا. النقاش حول صورة الشرقيين والشرقيات في السينما الإسرائيلية يتم تحديده في أحيان متقاربة بظهورهم أو ظهورهن في أفلام “البوريكاس” من الستينيات والسبعينيات. ولكن علينا تذكر أن شخصيات شرقية كانت تظهر في أفلام الأطفال في الخمسينيات والستينيات، أفلام مثل “دان كيشوت وسعديا بانشا”، (1956)، لناتان إكسلرود، و”ثمانية وراء واحد” (1964) لمناحيم جولان. التقسيم الطائفي/ الطبقي معروض في هذه الأفلام وكأنه طبيعي وحتمي. مخبرو التحري والمحققون، “العقول المفكرة”، هم صباريم إشكناز[5]، بينما يقوم بدور الخدم أطفال يمنيون. ليس هناك ما يجمع بين “دون كيشوت وسعديا بانشا”، و”دون كيشوت وسانشو بانسا”، لسرفانتس، تقريباً غير علاقة السيد – الخادم السائدة بين الشخصيتين الرئيسيتين.

دان هو من بيت جيد ومحترم- حركة البان (pan) التي تقوم بها الكاميرا على كتبه  تبرز وضعه كـ”رجل كتاب”. سعديا، في مقابل هذا، غامض في كل ما يخص السياق الأسري والثقافي، ويتم وصفه بأنه ماسح أحذية، طفل شوارع مشرد. عالمه، مثل عالم دان، يتم تقديمه كأنه عالم بديهي، لا يستحق الاهتمام السردي إلا قليلا. يتمتع دان بمكانة أكثر علواً في الحبكة، والصياغة الأسلوبية للفيلم تمدنا بتفاصيل تعطينا أبعاداً موثوقة لوصف خلفيته. مثلما في فيلمه السابق “عوديد الجوال”، فإن إكسلرود يجعل شخصيته الرئيسية، الصبار الشاب، يقوم بنشاط ثقافي بجانب النشاط الجسدي. في إحدى التتابعات الأولى، بالمدرسة الداخلية الزراعية، يحاول دان القراءة أثناء الحراثة، ولكنه سريعاً ما يهمل الحراثة ويستغرق في القراءة. بعد هذا يقطع الفيلم على سعديا، والذي نراه يتكيف بشكل فوري وبحماس على عمله الجديد كراعي غنم، سعيداً بمنصبه الذي أعطته إياه المؤسسة بسخاء. في تتابع آخر يبدو دان وهو يرسم الأهداف بينما سعديا يحفر في الأرض.

דן קישוט וסעדיה
صورة من فيلم “دان كيشوت وسعدية بانشا”، 1956.

دان، الذي يرتبط بسعديا بسبب حبهما المشترك للخيال، يعمل كـ”شرطي تحريات كبير”، ويفحص صلاحيات سعديا. الكاميرا، سوياً مع التحرير، يؤكدان على التقسيم الواضح للوظائف. هذا التقسيم الذي يبدو فصامياً، بين الجسد والروح، يشكل الأساس العقلاني المركزي لأشكال الخطاب الاستعمارية والطبقية. في ثقافة وسينما الـ- “mainstream” الإسرائيلية، فإن التقسيم الإثني بين “الجسد” و”الروح” يتواصل في أفلام الأطفال منذ السبعينيات، مثل “حسمبا” (1971)، القائم على سلسلة من الكتب الشعبية التي كتبها يجئال موسينزون. الصباريم الشباب، المتأثرون ببطولة الوحدات المختارة للكبار، ليس فقط أنهم شجعان، وإنما قادرون أيضا على الإدارة المبدعة للتكنولوجية الذكية، ويستخدمونها – بشكل عقلاني – ضد رمز الشر الشرقي، العدو الشرقي، رجل العالم السفلي (الذي يقوم بدوره زئيف ريفح)، والذي، برغم سنه الأكبر نسبياً، يتم عرضه بوصفه ذا أساليب بدائية. في أفلام الأطفال تلك (مثلما هو الحال أيضا في أدب الأطفال) فإن الأنماط الشرقية واضحة. التناقض المطلق في الرواية – دان المثقف أمام سعديا العامل في “دان كيشوت وسعديا بانشا”، على سبيل المثال، يستنسخ بدقة التقسيم الطائفي لسوق العمل كما تخلقه المدرسة الإسرائيلية يومياً. المنظومة التعليمية – وهي التي لا تقوم بالمساواة وتميز بين كل من الجماعات السكانية، توجه بشكل ثابت التلاميذ الإشكناز إلى المهن النخبوية، وهي مهن الياقات البيضاء التي تتطلب إعداداً بحثياً عميقاً، أما التلاميذ الشرقيون فهي توجههم إلى الأعمال المتدنية، أعمال الياقات الزرقاء. تعمل المنظومة التعليمية، بصياغة شلومو سبيرسكي، كـ”جهاز عملاق يقوم بالتقسيم السلبي والذي، من بين ما يفعله، يؤدي إلى خفض منجزات وتطلعات الأطفال الشرقيين وآبائهم.”

في “دان كيشوت وسعديا بانشا”، فإن الحرب هي التي تعيد الأطفال للواقع، والآن يحاولون استغلال مواهبهم شبه التحرية، من أجل مساعدة الكبار ضد العرب. يتيح دان لسعديا بالانضمام إليه في مهمته بسبب إجادته للغة العربية، وهو ما يمكنه إفادة دان. سعديا، مثل يحيى في “ثمانية وراء واحد”، يضطر لإثبات للبطل יبن “إسرائيل الأولى” أنه يستحق اسم “إسرائيلي”. في “ثمانية وراء واحد”، يتشكك الصباريم أبناء الكيبوتس في التقرير المتلعثم ليحيى بفضل الجاسوس الألماني (الذي يعمل لصالح العرب) ويرفضونه باعتباره هذياناً غير معقول. هذا الرفض يدفعه للعمل الشخصي الهادف إلى إثبات أنه يقول الحقيقة ويستحق الانضمام إلى الصباريم. تجسد مجموعة الصباريم أبناء الكيبوتس من البداية الكود السائد للمجتمع الإسرائيلي، الذي يتم التعبير عنه في أغنية الفيلم: “…كلنا سوياً/ لا نخاف/ إلى الأمام وبشجاعة/ نهزم الأعداء.” تقبُل الطفل الشرقي داخل جماعة الصباريم مشروط بعمل بطولي يقوم به ضد العرب (“دان كيشوت وسعديا بانشا”) أو ضد الجواسيس (“ثمانية وراء واحد”). في توائم مع الأسطورية التي تسيطر على هذه الأفلام، لا يمكن للشرقي – اليهودي – العربي أن يتطلع إلى المساواة إلا بعد تحمل جزء من نير الحرب.

التماثل بين الحضور الهامشي للشرقيين في الرواية وبين الوضع الهامشي للأغلبية الشرقية بالنسبة لمراكز قوة المجتمع الإسرائيلي يواصل تمييز الأفلام التي تم إنتاجها في السنوات الأخيرة. في أفلام الـ”جفيلتا فيش” (أفلام “البوريكاس الإشكنازية”)، التي تهتم بشكل متوسع بواقع الجيتو، مثل “لوبو في نيويورك” (1976)، “كوني لمال في تل أبيب” (1976)، و”كوني لمال في القاهرة” (1983)، نقابل شخصية نموذجية character type))، وهي الخادم اليمني. في “كوني لمال في القاهرة”، يتم تقديم شخصية عوفديا، وهو يمني متدين يعمل كبواب في قرية القديسين. يجسد عوفديا شخصية نموذجية لـ”اليمني طيب القلب”، كالشرقي غير العقلاني. وعندما يطالب بتوجيه الحاخام كوني لمال، يمده عوفديا بتوجيهات غير مفهومة بلكنة يمنية موسيقية، مصاحبة بإشارات مبالغ فيها. يكرر “التوجيه” عدة مرات، وعندما لا تفهم الإسرائيلية، التي ترتدي ثياب قديس أمريكي، ومعها المشاهدون، يقول عوفديا: “طيب، إذن سيروا إلى الأمام مباشرة وستصلون.” فيما يشبه التقسيم البنيوي القائم في الأفلام الإنسانية–الصهيونية بالفترة السابقة بين “العرب الجيدين” و”العرب السيئين”، هنا أيضا يتم تقديم عوفديا “الجيد”، المتدين، بجانب نقيضه – “الشرقيين السيئين”، رجال العالم السفلي، والذين ينتصر عليهم، في نهاية الأمر، أبطال الفيلم، القديسون الإشكناز (سوياً مع قريبهم العلماني، موني لمال). ينجح القديسون في استعادة الهدية المسروقة، وهي الهدية التي منحتها إياهم الطائفة اليهودية في القاهرة (خواتم قديمة من فترة الهيكل الثاني، تساوي مليون دولار)، ويحتفلون بانتصارهم بأغنية “هذه هي التوراة وهذه هي الجائزة”، بأسلوب يذكرنا بالارتباط، الشائع جداً في الأيديولوجيا البرجوازية، بين بركة الرب والمقابل المالي. شرعية التحكم في ممتلكات اليهود العرب ليست ممنوحة إذن لليهود العرب في إسرائيل.

الخادم المخلص، على نقيض رجال العالم السفلي، يحظى بالحب الأبوى من الحاخام كوني لمال، الذي يتلخص في عبارات نمطية مشبعة ظاهرياً بالحب مثل: “اليمني العنيد هو أكثر عنداً من الحمار العنيد”. وعندما يتشاور عجائز القرية سراً في الغرف المغلقة، يقترب شيخ الطائفة، الحاخام شلومو، من الباب، ويفتحه. نرى في لونج شوت الخادم المطيع من خلف الباب يسقط مباشرة داخل الغرفة. نتفحصه بأعين التلاميذ الشباب عند الحاخامات، ونسمع كيف يشبهه الحاخام شلومو بالحيوان: “القديس يعرف روح بهيمته”. الفيلم، على امتداده، يخلق لدى المشاهد إحساساً بالاستعلاء الكوميدي فيما يتصل بـ”العامل البسيط”. (الفيلم، الذي صور بعض منه في القاهرة، أثار غضب المصريين لكونه يصف العرب – مثل اليمني – بأنهم غير أذكياء.)

يمكن الزعم أن الشرقي يهدد في نهاية الأمر مكانة الطبقة العليا، وصورتها عن نفسها، أكثر مما يفعل الفلسطيني، حيث أنه بينما أمكن عرض سنوات المواجهة الإسرائيلية/ الفلسطينية بوصفها مواجهة حتمية بين شعبين، فإن أي اعتراف باستغلال الشرقيين/ات وسلب الثقافة عنهم، في دولة يهودية تعتبر نفسها تحقق المساواة، كان يشكل وثيقة اتهام للمنظومة السياسية – الاجتماعية الإسرائيلية نفسها بوصفها هي من تقود القمع ضد كل شعوب/ أناس الشرق، سواء كانوا يهوداً أو عرباً.

نمط الشرقي بوصفه رجل العالم السفلي يتسلل أحيانا أيضا إلى “الأفلام الجيدة”، أو السينما الذاتية، المتأخرة أكثر. برغم أن هذه الأفلام تميل إلى التركيز على “إسرائيل الأولى” يظهر بها من حين لآخر شرقيون بوصفهم شخصيات هامشية، تميل، في أحيان متقاربة، للعنف. في فيلم يهودا (جاد) نئمان، “رحلة المحفة” (1977)، فإن الفحل الشرقي (موتي شيران) هو الذي يسيء معاملة الجندي الأكثر حساسية، فايتسمان (موني موشونوف). الفيلم، والذي يعرض على المستوى الذاتي بشكل مقنع عملية نزع الإنسانية التي تحدث على مدار الخدمة العسكرية، يعتمد، على المستوى الثانوي، على صورة نمطية عن الشرقي ككائن عنيف. هذه العدوانية، سواء كانت موجهة للإمتاع (في جزء الاستحمام) أو للانتقام (في الجزء العنيف بعد أن تتم معاقبة الجنود بشكل جماعي)، تُفاقم الضغوط التي يتم توجيهها بالأساس ضد فايتسمان من قائده (جيدي جوف)، وبهذا يتم تشكيل عنصر يدفع إلى انتحاره. كون الحكي في النصف الأول من الفيلم يتم من وجهة نظر فايتسمان، والذي يخلق الفيلم لدى المشاهد تعاطفاً عميقاً معه، وفي النصف الثاني يتم من وجهة نظر القائد الصبار المسكون بالشعور بالذنب، فإن هذا يقوى صورة الشرقي كشخص بريء من أي إحساس إنساني، كأنه طائر متوحش يطير لكي يختطف لنفسه الطرد الذي أرسلته أم فايتسمان.

في فيلم إيتان جرين “حتى نهاية الليل” (1986)، يجتاح عدة رجال شرقيون العالم المنهار للشخصية الرئيسية، الصبار (آساف ديان)، ويعملون كمحفز على العنف. رجال العالم السفلي (الشرقيون) يندفعون إلى بئر البطل ويطالبون بالمال نظير حمايتهم له. البطل، وهو ضابط احتياط (تتم الإشارة إلى مشاركته في وحدة مختارة)، يقوم بمفاجأة لـ”العالم السفلي” (وللمشاهد): عندما يهدده الشرقي بالسكين، يستل زملاؤه في الجيش أسلحتهم ويرضون المشاهد برد فعلهم السريع وبالكشف عن تضامنهم. الإخوة العسكرية لا يتم التعبير عنها فقط في ساحة القتال، وإنما في الحياة المدنية أيضاً، ضد “العدو” الشرقي. وأكثر من هذا، فشخصية الشرقي تجسد في هذا الفيلم النمط الجديد أيضاً، والذي قام “اليسار” الليبرالي الإسرائيلي بتنميته، وهو نمط الشرقي “كاره العرب”: الشرقي في الفيلم يضرب العامل العربي في البئر، كـ”رسالة” يقدمها إلى رئيسه في العمل. فيلم “حتى نهاية الليلة”، والذي يسلّم بصورة العالم السفلي الشرقي كـ”بديهية” اجتماعية، يتعامل ببداهة مع صورة العامل العربي، فالبطل، صاحب البئر، يقف في المقدمة، بمطبخ البئر (وهو مكان عمل العربي) وتتحرك الكاميرا في حركة بان مع البطل فقط، عندما يبتعد عن العامل العربي الصامت. حركة الكاميرا تنبع، إذن، من الصبار الذي يحتمي بظله الفلسطيني السلبي. وفي النهاية، فأبو البطل، الطبيب النمساوي المسيحي (والذي تهود)، الرجل الفاضل العذب، هو الذي يعالج بإخلاص العربي الذي ضربه الشرقي، وهو الذي يتحول، في نهاية الفيلم، إلى الضحية البائسة للعنف الشرقي، الموجه ضد ابنه الملوث. مقتله يطلق سراح دموع البطل- ويشكل السم المطهر في الفيلم. الشرقي هنا يهاجم الغرب بشكل رمزي، إنه يجتاح من “اللا مكان” ويهدد وجود الأخر. يعرض الفيلم هنا المخاوف الكامنة، الخفية، من تسلل “غريب” شرقي إلى الواقع المغلق في ذاته.

في فيلم عوديد كوتلر، “قصة حب مستمرة” (1985)، والذي تدور أحداثه في 1977، قبل اعتلاء الليكود للسلطة، فإن البطل، الصبار (والذي يقوم بدوره توفول)، هو محامي ناجح مقرب من حزب العمل. يتم حكي الفيلم من وجهة نظر خضوع المحامي اليومي للعدوان الشرقي (والذي تمتد جذوره للسياسة والعِرْق على السواء)، وهو ما يسبب له كوابيس، تهدده فيها مجموعة من البلطجية الشرقيين، وسكاكينهم في أيديهم، في الأزقة المظلمة. هذه التجسدات الحلمية (oneiric) للبارانويا المعادية للسفارديم تترجم  بصورة بصرية الخوف الخفي من سيطرة الشرقيين، التي يتم تخيلها كمسيرة عنيفة يتحول فيها الآخذون بمقاليد القوة إلى ضحايا. صحيح أن الفيلم يعرض فساد قادة حزب العمل الصباريم كتيمة مركزية، ولكنه ينمي لدى المشاهد تعاطفاً معهم، بواسطة رفع “طهارتهم” في الماضي إلى درجة مثالية. الشخصيات الشرقية، في مقابل هذا، تمر بعملية شيطنة، وهي ترمز في الفيلم إلى فقدان بكارة الدولة. يمكن الزعم أن الشرقي يهدد في نهاية الأمر مكانة الطبقة العليا، وصورتها عن نفسها، أكثر مما يفعل الفلسطيني، حيث أنه بينما أمكن عرض سنوات المواجهة الإسرائيلية/ الفلسطينية بوصفها مواجهة حتمية بين شعبين، فإن أي اعتراف باستغلال الشرقيين/ات وسلب الثقافة عنهم، في دولة يهودية تعتبر نفسها تحقق المساواة، كان يشكل وثيقة اتهام للمنظومة السياسية – الاجتماعية الإسرائيلية نفسها بوصفها هي من تقود القمع ضد كل شعوب/ أناس الشرق، سواء كانوا يهوداً أو عرباً.

الأفلام الذاتية الأخرى تعرض النساء الشرقيات اللائي يجسدن، مثلما هو الحال في الأدب العبري، شخصيات الخادمات. فيلم “ألف قبلة صغيرة” (1982)، على سبيل المثال، ينمي التعاطف مع الأرملة الإشكنازية البرجوازية، الأنيقة والمنضبطة، التي تواجه أزمة في حياتها. بواسطة عرض المشاكل المحكمة والـ”ملطفة” من ناحية بصرية، وبواسطة حركة كاميرا معقدة، وهو ما يجعل المشاهد يتعاطف مع العالم “المعقد” للأرملة. عالم الخادمة المادية الحقيرة، والتي تتدخل في كل شيء، والأمر الوحيد الذي يهمها هو أخذ الطعام والملابس من سيدتها، هو عالم ضيق: هي أيضاً يتم عرضها وكأنه تنقصها الحساسية تجاه الوضع النفسي للأرملة. وأكثر من هذا: الشرقيون (غير الخادمة) يخلقون في “ألف قبلة صغيرة” “غياب البناء” (structuring absence): الفيلم، والذي تم تصويره في حي شرقي، يحافظ بشكل ثابت على جو معقم وواع بذاته من الجمال الفني، ويستغل المعمار الأصلي القديم للحي، ولكنه يمحو تقريباً أي أثر لسكانه.

[5] الصباريم هم اليهود المولودون في إسرائيل، والإشكناز هم اليهود الآتون من بلدان غربية.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.