الفضيحة كإستراتيجية بيد الحكم!

أية فضيحة أكبر- فستان ميري ريجف أم عدم التحقيق في مقتل يعقوب أبو القيعان حتى الآن؟ الحكم يصدر الفضائح ليشكل ستاراً من الدخان يمنع الجمهور من التمييز بين الأحداث الفضائحية وبين الأحداث المثيرة للرعب.
د.يالي هشش

 

الفستان الذي ارتدته ميري ريجف في حفل افتتاح مهرجان “كان” (والذي يحمل صورة المسجد الأقصى وحائط المبكى) تحول لحديث الساعة وأثار سلسلة من ردود الفعل المتوقعة بعض الشيء وبينها الرد الذي اعترض على ردود الفعل المتوقعة. كما يبدو فنشرات الأخبار في إسرائيل وكذلك في الولايات المتحدة تتداول فضائح الحكم ليل نهار. معارضو نتنياهو او ترامب ينشغلون بفضائح ساره نتنياهو (زوجة رئيس الحكومة)، ميري ريجف وحساب ترامب على “التويتر” بينما يهزأ مؤيدو الحكم بهذا الانشغال بالقشور ويعتبرون ذلك محاولة لإسقاط رئيس الحكومة او الرئيس المنتخب. أعتقد بأنه علينا النظر إلى هذه الفضائح بصورة مختلفة على أنها طريقة لتعزيز الحكم في عصرنا الحالي، وعلينا أن نسأل- اذا كان الحكم يصدر هذا الكم من الفضائح، فكيف تخدمه طريقة العمل هذه؟

كما يبدو فالفضيحة كإستراتيجية لتعزيز الحكم تسعى لتحقيق هدفين. أولاً، خلق شرعية للحكم المتسلط وللمبنى الاجتماعي الذي تحظى فيه النخبة الاقتصادية- أصحاب المال الذين أنجبهم الاقتصاد النيوليبرالي- والنخبة الحاكمة بامتيازات فوق القانون تبدو طبيعية أكثر فأكثر مع كل فضيحة جديدة. عندما يخلق الحاكم المنتخب من حوله فضائح معروفة من سيرة العائلات الملكية، ينظر اليه الجمهور بالفعل كملك أكثر فأكثر. منتقدو نتنياهو يخطئون عندما يعتقدون بأن تصويره كقيصر في نظر نفسه والإشارة إلى تغطرسه هي أمور تضعف قوته; يبدو بأن هذه الأمور بالذات تقوي الحكم الذي يخلق شرعية للحاكم الذي ينظر إلى نفسه ويطلب من الجمهور النظر اليه على أنه فوق الشعب.

كلا النوعان من الفضائح يعززان النظرة التى ترى بأن هناك حاجة لإعلان الولاء بشكل فعال ووسم المعارضين كأعداء يجب معاقبتهم بواسطة تجميد الميزانيات، السجن، الاعتقال الاداري او اطلاق النار (وكله يتعلق طبعاً بالهوية القومية والاثنية للمعارضين او بالقضية الموجودة على المحك).

سارة نتنياهو لا تثقل على بنيامين نتنياهو في تصرفاتها انما العكس تماماً. هي تؤكد على النظرة تجاه بيت رئيس الحكومة كبيت الحاكم الذي يشهد الدسيسة، الجنون، العلاقات الاشكالية التي تصدر فضائح للصحافة التي تغدو صفراء أكثر فأكثر والتي تغذي الانشغال الدائم بالحاكم، زوجته وحياتهما تماماً كما ينشغل البريطانيون مثلاً بشكل استحواذي بالعائلة المالكة.

فستان ميري ريجف يشكل فضيحة من نوع مختلف بعض الشيء. هدف الفضيحة بهذه الحالة هو خلق خطاب يأشر على اليساريين الذين لا يعلنون ولائهم للوطن ويسخرون من هذه الشخصية الوطنية الفخورة. هكذا تولد كل فضيحة من بيت رئيس الحكومة خطاباً جديداً حول الولاء والخيانة، وتولد كل فضيحة يكون مصدرها ميري ريجف خطاباً عن الوطنية والطابور الخامس. من السهل أن نرى كيف يفرح من يريدون القول بأن الدولة هي هم بالتأثير الناجح لهذه الفضائح.

الهدف الثاني من استراتيجية الحكم الفضائحي هو تشكيل ستار من الدخان يمنع الجمهور من التمييز بين الأحداث الفضائحية وبين الأحداث المثيرة للرعب. بهذه الطريقة، على سبيل الثال، تتحول حالة القتيل يعقوب او القيعان والتعامل معه كإرهابي رغم كونه ضحية بريئة، وكذلك اطلاق النار على سبع نضال عبيد الذي قتل بيد جنود خلال تفريق مظاهرة في النبي صالح بتاريخ 12.5- ولو أن المظاهرة كانت في نهايتها ولم يكن الجنود عرضة لأي خطر- وغيرها من الحالات تتحول إلى قصص فضائحية من بين قصص أخرى كثيرة; الفستان، اساءة معاملة العمال في بيت رئيس الحكومة، قتل الأبرياء والفساد الذي يصل لمليارات الشواقل تحظى كلها بانتباه جماهيري متشابه يتلخص بمتابعة الفضيحة او باتهام المنتقدين بعدم الولاء.

كلا النوعان من الفضائح، ذلك الذي ينطوي على تصريحات بلاغية او يركز على تصرفات زوجة رئيس الحكومة وذلك المتعلق بالحياة والموت والفساد الذي يربط بين رؤوس الأموال ورجال الحكم- يعززان النظرة التى ترى بأن هناك حاجة لإعلان الولاء بشكل فعال ووسم المعارضين كأعداء يجب معاقبتهم بواسطة تجميد الميزانيات، السجن، الاعتقال الاداري او اطلاق النار (وكله يتعلق طبعاً بالهوية القومية والاثنية للمعارضين او بالقضية الموجودة على المحك). كلا النوعان يؤكدان على قدرة متخذي القرار على الاصرار على قراراتهم أمام النقد الجماهيري وتجاهل هذا النقد، وكلاهما يحصلان في أحيان كثيرة ليس فقط على النقد إنما أيضاً على تأييد الجمهور.

ولكن أية فضيحة أكبر؟ فستان ريجف أم عدم التحقيق في مقتل أبو القيعان حتى الآن؟ القرار بمضاعفة مساحة مصافي تكرير النفط رغم التلوث الذي يتسبب بالسرطان أم النقاش حول غناء النشيد الوطني “هتكفا” خلال حفل توزيع شهادات أكاديمية؟ يبدو بأن الدمج بين الاثنين يسمح في خلق استهتار مستمر بحياة البشر خاصة اذا اعتبروا معارضين للحكم او عثرة أمام استمرار ملوك المال في جمع ثروتهم. هذا الاستهتار ضروري لخلق شرعية للحكم الذي أوضح أكثر من مرة بأن السلام لم يعد هدفاً إسرائيلياً، وبأن إسرائيل يهودية أكثر منها ديمقراطية، وبأن الاقتصاد الإسرائيلي المتين معناه بيع كل موارد الدولة لأصحاب المال المحليين والأجانب على حساب الجمهور.

ناشطة نسوية شرقية، ومحاضرة في التاريخ.  

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.