صورة الشرق في السينما الإسرائيلية: الحلقة الثالثة

من الاستشراق إلى “البوريكاس”- الحلقة الثالثة من دراسة الباحثة ايلا شوحاط حول تمثيل اليهود الشرقيين في السينما الإسرائيلية وخاصة فيما يسمى أفلام “البوريكاس”.
إيلا شوحاط 

 

إيلا شوحاط، واحدة من أهم الناقدات الثقافيات الإسرائيليات اليوم. ولدت عام 1959 وأعدت رسالة الماجستير في جامعة بر إيلان بإسرائيل، أما الدكتوراه فقد حصلت عليها عام 1986 من جامعة نيويورك التي تقوم بالتدريس فيها الآن. عملت شوحاط على نظرية إدوارد سعيد حول الاستشراق وقامت بتطبيقها على العلاقات الثقافية بين “اليهود/ العرب”، “اليهود الشرقيون/ الغربيون”، وإجمالا حول التمثيلات الثقافية بين الشرق والغرب، وذلك من خلال السينما الإسرائيلية. تعتقد شوحاط التي جاءت من أصل عراقي أن الصهيونية خلقت نوعاً مزدوجاً من القمع: ضد الفلسطينيين وضد اليهود الشرقيين، وتحاول في كتبها عرض الكيفية التي حاولت بها الصهيونية تقديم هوية موحدة موائمة قائمة على الثقافة الإشكنازية الغربية ومحو الهوية الشرقية.

من كتبها: “السينما الإسرائيلية: تاريخ وأيديولوجيا”، 1991، “الثورة الشرقية: ثلاث مقالات عن الصهيونية والشرقيين” ، 1999، “ذكريات ممنوعة: من أجل فكر تعددي”، مجموعة مقالات، 2001، “السينما الإسرائيلية: الشرق/ الغرب وسياسة التمثيل”، 2005.

الدراسة التي سننشرها هنا على عدة حلقات هي من كتابها الأول، وتدور حول تمثيل اليهود الشرقيين في أفلام “البوريكاس”[1]، وهو نوع معين من الأفلام الشعبية تم إنتاجه في إسرائيل الستينيات والسبعينات واهتم بتجسيد شخصيات من اليهود الشرقيين بالأساس.

للإطلاع على الحلقة الأولى والثانية.

منالاستشراقإلىالبوريكاس

                                                                       ترجمة نائل الطوخي

ثمة أهمية خاصة لمناقشة التوتر الإشكنازي/ الشرقي في السينما الإسرائيلية، وذلك على ضوء حقيقة أن هذا التوتر يتسلل إلى أغلب أفلام “البوريكاس”، والتي خلقت جنساً بارزاً في صناعة السينما الإسرائيلية. منذ نجاحها الأول، في السنوات المبكرة من الستينيات، أسهمت أفلام “البوريكاس” بشكل هام في تطور هذه الصناعة، وكان المبادران الأولان هما مناحم جولان وإفرايم كيشون. مفهوم “البوريكاس” أصبح شائعاً بين نقاد السينما حول عام 1972، وبشكل تدريجي سيطر على جموع الجمهور. يزعم بوعاز دافيدزون، وهو أحد المخرجين الرئيسيين لأفلام “البوريكاس” (“تشارلي ونصف”، 1974، “سنوكر”، 1975، و”عائلة تسنعاني”، 1976)، أنه هو من سك المصطلح. منذ 1967 وحتى 1977 سيطرت أفلام “البوريكاس” بشكل مطلق على صناعة السينما. في السنوات المتأخرة من السبعينيات مر هذا الجنس بعملية تحول، وتحول من سينما إثنية فولكلورية إلى ما يشبه البورنو الناعم، وبشكل خاص ما عرف فيما بعد بسلسلة أفلام “إسكيمو ليمون” لدافيدزون (مخرجاً) وجولان –جلوبوس (منتجين)، وهي سلسلة تم إلغاؤها فيما بعد بوصفها “بوريكاس” – وهي في هذه الحالة كلمة مرادفة لـ”سيء”.

ولكن أفلام “البوريكاس” ذات المواضيع الطائفية والتي تقف على رأسها المواجهة بين الغني و الفقير لم تختف تماماً. عدد من صانعي الأفلام، مثل زئيف ريفاح، واصلوا إنتاجها. وكانت هناك أيضا عروض متكررة للأفلام القديمة. أفلام الستينيات، مثل “صالح شبتاي” (1964) لإفرايم كيشون، “بورتونا” (1966) لجولان، “ميوشيه فينتلتور” (1966) لأوري زوهار، “999 عليزا مزراحي” (1967) لجولان، “حينا” (1968) لأوري زوهار و”ملكة الطريق” لجولان، تم تصنيفها في السبعينيات، بأثر رجعي، بوصفها أفلام “بوريكاس”. في المقابل، فمجموعة أكثر هامشية من أفلام “البوريكاس”، والتي اهتمت بواقع الجيتو وعرضت الإشكناز كأبطال رئيسيين، أطلق عليها “بوريكاس للإشكناز”، أو أفلام “جفيلتا فيش[6]“. تضمنت أفلام هذه المجموعة “كوني لمال” ليسرائيل بيكير (1968) و”لوفو” لجولان (1970)، ولكن بشكل خاص تضمنت الأفلام الأكثر حداثة “كوني لمال في تل أبيب” (1976) ليوئيل زيلبرج، “لوفو في نيويورك” (1976) لدافيدزون، “هرشلا” (1977) لزيلبرج، “الزواج على طريقة تل أبيب” (1980) لزيلبرج، وحتى فيلم أفراهام هافنر “العمة كلارا” (1977). تم إنتاج وإخراج أفلام الـ”جفيلتا فيش”، على يد نفس الأشخاص الذين صنعوا أفلام “البوريكاس” للشرقيين.

منذ السنوات المبكرة من السبعينيات تحولت أفلام “البوريكاس” بدرجة كبيرة إلى مبادرة صناعية لمنتجين/ موزعين مثل مناحم جولان، سمحاه زبولوني وباروخ إيلاه (بدأ الأخيران طريقهما بتوزيع وبامتلاك دورالسينما). احتفى سينمائيو الـ”بوريكاس” ومنتجوه بهذا الجنس. دافع بوعاز دافيدزون، على سبيل المثال، على صفحات الجرائد، عن هذا الجنس ضد نقاد السينما وسينمائيو الأفلام “الجيدة”: “أفلام البوريكاس هي جنس سينمائي. جنس لم يكن هناك مهرب منه. في هذه البلد، الجمهور المفترض الذي يأتي لرؤية لأفلام مكون من طبقة تأتي من جميع البلدان. كل شخص يأتي من ثقافة مختلفة، بتقاليد مختلفة، بلغة خاصة وبقيم تخصه… من أجل الوصول إلى كل هذا الجمهور…. عليك الوصول إلى عنصر ما مشترك، لأجل جذبه للسينما… الأفلام التي قدمتها اهتمت بهؤلاء الناس وتحدثت إلى هذا الجمهور. إنها أفلام محلية تماماً، وإن كان بعضها قد نجح بشكل جيد للغاية بالخارج… “أفلام البوريكاس” هي أفلام تهتم بالفولكلور المحلي الخاص بنا بكل أطيافه. سوف يقولون، أن فيلماً طائفياً يعني فيلماً سيئاً. لماذا هو سيء؟ لماذا يكون الانشغال بالطوائف وبالطائفية أمراً سيئاً؟ نحن مكونون من إشكناز وإفرنج[7] وهؤلاء لا يحبون هؤلاء. نقطة. هذه حقيقة قائمة وليس لدينا ما نفعله حيال هذا.”

זאב רווח
زئيف ريفاح ويهودا بركان في فيلم “تشارلي ونصف” (1974).

الاعتبار الأساسي لقياس نجاح فيلم “بوريكاس”، من وجهة نظر صناع ومنتجين مثل دافيدزون، جولان، ويورام جلوبوس، هو شعبيته بين الجمهور، وليس إعجاب النقاد. نقاد سينمائيون مثل زئيف رف نوف (صحيفة “دفار”)، يوسف ساريك (“هاآرتس”)، شلومو شمجار (“يديعوت أحرونوت”)، أهرون دولاف وموشيه ناتان (“معاريف” و”بمحانيه”)، والذين كانوا بشكل عام يدعمون الأفلام “الجيدة”، وكذلك صناع الأفلام الشخصية نفسهم، مثل يجئال بورشتاين (في حوار في “كولنواع”)، يهودا نئمان (في مقاله “درجة صفر في السينما” في “كولنواع”) ونسيم ديان (“من البوريكاس وعودة إلى ثقافة الجيتو” في “كولنواع”)، جميعهم هاجموا سواء أفلام “البوريكاس” نفسها أو “الدعم” الحكومي الممنوح لها. برغم أن مصطلح “دعم” كان يستعمل من حين لآخر، فإنه ينبغي الإشارة إلى أفلام “البوريكاس” لم يتم دعمها أبداً بواسطة أموال الدولة، تم منحها رسوماً جزئية عل كل تذكرة تم شراؤها (وهي الرسوم الممنوحة لكل الأفلام الإسرائيلية التي تم تقديمها في تلك الفترة). ساعد جمهور المشاهدين، فعلياً، على الدفع من أجل إنتاجها. (الدعم الحكومي الفعلي الوحيد، بالمفهوم الشائع، يتم منحه اليوم بواسطة الخزانة لتشجيع الأفلام الجيدة الأصلية). نقاد الـ mainstreamاستخدموا مصطلح “بوريكاس” كاسم مستقل (وفيما بعد كصفة) ذي دلالة سلبية، وفي نفس الوقت عبروا عن غضب جمالي وأخلاقي بلهجة تقييمية وتحكيمية، وأدانوا الأفلام “التجارية”، “الفجة”، “الرخيصة”، “الغبية”، “الشرقية”، ” الشرقية اللفانتية”، “وحتى “ضد السينمائية”. الميلودرامات والكوميديات في أفلام “البوريكاس” (الأغلبية الساحقة هي الكوميديا)، عانت من الاستخفاف والاستهانة بها أيضا بسبب “الشخصيات النمطية” التي تقدمها، والتي كان من “السهل جدا التماهي معها” تقريباً (نئمان)، بسبب “سطحيتها”، وبسبب “تهريجها الفج” و”الحبكات المتوقعة مسبقاً” (ديان) والتي عرضت في “الكوميديا والميلودراما، صوراً كلاسيكية للسينما” (نئمان) – كأن الشخصيات النمطية والحبكات المتوقعة مسبقاً، الكوميديا والدراما، هي بالضرورة صفات سلبية.

منذ أن عرضت أفلام الـ”جفيلتا فيش”، مثل “لوفو في نيويورك”، و”كوني لمال في تل أبيب” أضاف نسيم ديان لهجومه على أفلام “البوريكاس” نقداً مهماً، مال لعزو الصفات السلبية في أفلام “البوريكاس” إلى الشرق (بشكل خاص للأفلام المصرية والتركية والإيرانية والهندية واليونانية). أشار ديان إلى جذور هذا “السوء” في الثقافات الهندو-أوروبية. ولكنه بعد أن استطاع تمييز نص داخلي مهم في أفلام “البوريكاس” بثقافة شرق أوروبا، واصل ديان وهاجم هذه التقاليد “الدنيئة” من موقف نخبوي واضح: “الزعيق، التهريج الفج، الإيماءات المسرحية الثقيلة، الشخصيات الشعبية والحمقاء والحبكة الجوفاء والمتوقعة مسبقاً – كل تلك هي صفات تقوي هذا الزعم، بشكل خاص عندما يتدرب الممثلون على الحديث بلكنة شرقية ثقيلة. نسينا أن صناع الأفلام هم مناحيم جولان، شتاينهردت، دافيدزون، زيلبرج (كلها أسماء أشكنازية)، وكررنا واحتقرنا الجدار  الشرقي. والآن يقف أمامنا هذا العام نموذجان إشكنازيان نقيان – لوفو وكوني لمال – المستندان بثقة وبحنين إلى ثقافة الجيتو اليهودي في شرق أوروبا، والحبكة في كليهما منسوجة وفق محتوى مسرحيات وودبيل بالييدشية، والتي يمكن رؤية مثلها أيضا هنا وهناك في إسرائيل. وعندئذ يتضح لي، بما يتجاوز أي شك، أن آباء السينما الإسرائيلية ليسوا نسل جوخة، وإنما أحفاد هرشلاه.” هؤلاء الذين يمدوننا بالبوريكاس والحميندوس، “يضيف ديام، “يأكلون في بيوتهم سراً الجفيلتا فيش”.

ولكن، في رفضهم المعمم لهذا الجنس، تجاهل النقاد الاعتبارات الكرنفالية لأفلام “البوريكاس”، وأحياناً، تجاهلوا حتى نوعاً انعكاسياً من المحاكاة الساخرة ومحاكاة الذات الساخرة، والتي كانت تسحر الجمهور بدرجة معينة. النص الداخلي لأفلام “البوريكاس” كان، أحيانا، أكثر تركيباً بكثير مما يشير النقد. هذا النص الداخلي يتضمن، مثلاً، المسرحية الغنائية الهوليودية “قصة الضواحي”والتي أثرت بوضوح على “كازبلان” (جولان)، الميلوفارس الإيطالي “أغواها وتركها” لبييتروا جرمي الذي ألهم “بورتونا” (جولان)، وبشكل أكثر تعميماً، فلقد تم تجاهل مسيرة “ملهاة أخطاء”، الهوية والارتباكات الكوميدية، التي تتضح في أفلام مثل “كتاب النساء” (1983)، “من يسرق اللص بريء” (1977) لزئيف ريفاح، “كوني لمال في تل أبيب” و”المليونير المأزوم” (1978)، ليوئيل زيلبرج و”أريانا” (1971)، “مسلية منتصف الليل” (1978)، و”العمة من الأرجنتين” (1983) لجورج عوفديا. هذه التأثيرات منضفرة في الأفكار المعروفة، المستعارة من المسرح والسينما الييديشيين، مثلما هي مستعارة من السينما الشرق أوسطية. في السينما والمسرح الييدشيين أيضاً لا نعثر على ميلودرامات عائلية تركز على دمار العالم الأسري الدافئ بواسطة عالم علماني جديد، مرتبط بشكل عام بفكرة “الأمركة”، وهي المسيرة المصحوبة برثاء شديد وبإشارات كبرى، وكلها في إطار بناء غائي يؤدي إلى “النهاية العظيمة”، يأتي فيها الزواج والتئام شمل العائلة لأجل الإشارة إلى تواصل الشعب اليهودي. لهذه البنى الرئيسية، الميلودرامية والكوميدية، تضاف أيضا الموتيفات الخفيفة الموضوعية الشائعة في السينما الشعبية المصرية، الإيرانية، التركية والهندية، مثل الأبطال الذين يأتون من الهامش الاجتماعي، التناقض بين الغني والفقير ونموذج انتصار الحب على العوائق الاجتماعية، التي يتم عرضها غالباً على خلفية من الجريمة أو الفولكلور “الساحر”.

موضوع التكيف مع “العالم الجديد” – وهو الشائع، كما هو معروف، في التقاليد الثقافية الييدشية– تم نقله هنا إلى السياق الجديد، سياق الأشكنزة، والتي تم فيها تشكيل الحي الشرقي الفقير كمواز للجيتو الشرق أوروبي، بينما “العالم الجديد” هو عالم المجتمع الإشكنازي الإسرائيلي.

الارتباط بين أفلام “البوريكاس” والسينما الشرقية لا ينبع فقط من حقيقة أن إسرائيليين كثيرين هاجروا من بلدان تقوم بإنتاج هذه الأفلام، وإنما أيضا من العرض المتكرر لها في التليفزيون الإسرائيلي (وكذلك في التليفزيون الأردني، والذي يتم التقاط بثه في أغلب مناطق إسرائيل)، على سبيل المثال، الأفلام المصرية التي يتم عرضها كل سبت، والتي تستهدف بالضبط نفس الجمهور المعجب بأفلام “البوريكاس”. في أفلام جورج عوفديا – والذي عمل في صناعة السينما العراقية والإيرانية – تسود موتيفة الغني/ الفقير، أما التوترات بين الشرقيين/ الإشكناز، فلا تتم الإشارة لها إلا بصعوبة (ولا تصبح موضوعاً واسعاً إلا في فيلمه “مسلية منتصف الليل”) ولكن مع هذا فهي موجودة بشكل عام في الوعي الجمعي للمشاهدين.

فيلم دافيدزون “تشارلي ونصف” بدأ بمبادرة من مهاجرين إيرانيين، وجميعهم منتجو أفلام سابقون في إيران. كأصحاب معاهد سينما في إيران، فلقد بدأوا، مع مجيئهم إلى إسرائيل، في استيراد أفلام أجنبية. في مرحلة متأخرة أكثر قرروا إنتاج فيلم إسرائيلي يكون قائماً على قصة كتبها لهم أديب – سيناريست إيراني. القصة كانت تتحدث عن بطل محلي من الحي، مرتبط بالعالم السفلي – ويصاحبه دائماً طفل (هو ذلك “النصف” الوارد في العنوان) يحب بنت عائلة غنية. طولب سيناريست “تشارلي ونصف” ، إيلي تفور، بكتابة سيناريو قائم على خلاصة هذه الحبكة وجعله مناسباً للمجتمع الإسرائيلي. ولأن بنية الغني والفقير في إسرائيل توازي، في حد ذاتها، بنية الإشكناز والشرقيين، فلقد تمت صياغة شخصية تشارلي (يهودا بركان) كشرقي من حي فقير، بينما المرأة الغنية هي فاتنة إشكنازية (تقوم بدورها حيا كاتسير، ملكة جمال وموديل). موضوع التكيف مع “العالم الجديد” – وهو الشائع، كما هو معروف، في التقاليد الثقافية الييدشية– تم نقله هنا إلى السياق الجديد، سياق الأشكنزة، والتي تم فيها تشكيل الحي الشرقي الفقير كمواز للجيتو الشرق أوروبي، بينما “العالم الجديد” هو عالم المجتمع الإشكنازي الإسرائيلي. اللكنة الييدشية للمهاجر تتحول إلى لكنة شرقية، أما الييدش فيمر بالمجاز ويصبح هو اللغة السائدة – وهو الموتيف المتكرر في أفلام “بوريكاس” كثيرة. (في “كازابلان”، مثلا، يقول البطل الشرقي غاضباً للموظف الذي يتحدث الييدشية والموشك على تصفية الحي: ” هنا لا أحد يتحدث الييديش!”

في بعض أفلام “البوريكاس” (بشكل خاص تلك التي تم إنتاجها في فترة انتفاضة حركة “الفهود السود” وأزمة حرب 1973)، فإن اندماج الشرقيين مع الإشكناز عن طريق الزواج لا يعود كافياً، وتحل الهجرة من البلد مكانه كحل. تم تقديم الولايات المتحدة كمصدر الأمل “الحقيقي”. في “تشارلي ونصف”، مثلاً، يتزوج تشارلي نفسه المرأة الغنية، أما “نصفـه”، الطفل ميكو، فيطير للولايات المتحدة مع أخته. الانفصال بين تشارلي وميكو هو حلو – مر وليس حزيناً تماماً، لأن أناس الهامش الآن ينضمون للمركز، واحد عن طريق الزواج بإشكنازية والثاني عن طريق المستقبل الباهر في الولايات المتحدة. هذه الخدعة تلعب على مشاعر الكثيرين – خاصة بين جماعات الهامش الشرقية – والتي لا يمكنها العثور على فرصة مناسبة إلا في الولايات المتحدة، لا في إسرائيل. سفر الطفل إلى الولايات المتحدة يمثل الحلم الأكثر أهمية للشرقي – الهرب من الواقع المحلي القامع والطيران إلى مستقبل مضمون أكثر للجيل الجديد.

في البداية يتخيل دافيدزون – بل ويصور – نهاية مختلفة. في النهاية الأصلية، كان مقررا لميكو الصعود على الطائرة تاركاً خلفه تشارلي اليائس. عندما يدخل تشارلي للسيارة لأجل مغادرة المطار، كان مقرراً أن تظهر طائرة تحلق في الأفق. في نفس اللحظة كان مقرراً أن تتردد صرخة الطفل: “تشارلي!” يلتفت تشارلي ويرى الطفل، الذي، هذا ما يتضح، لم يصعد إلى الطائرة. يركض الواحد منهما باتجاه الآخر وفي الخلفية تبارك موسيقى عاطفية اتحادهما المتجدد. ولكن دافيدزون تخلى في نهاية الأمر عن هذه النهاية لصالح نهاية سعيدة من نوع آخر، بسبب ملاحظات عامل النظافة في المعهد، من بين الأسباب الأخرى. يحكي دافيدزون أن عامل النظافة أتاه وقال له: “انظر، هذا الفيلم أعجبني، ولكن لماذا يعود الطفل؟ يمكنه السفر لأمريكا، وأن يصبح إنساناً… لماذا تعيده؟… أنا سعدت جداً أنه سافر، وفجأة وجدته يعود.”

סאלח
فيلم صالح شباتي (1964) الذي حصل على أكبر نسبة مشاهدة في تاريخ السينما الإسرائيلية، وكان أول فيلم إسرائيلي يتشرح لجائزة الاوسكار.

نتيجة لهذا، قام دافيدزون بتغيير نهاية الفيلم إلى “نهاية أكثر سعادة أيضا”، معناها عدم الذوبان في الكود الإشكنازي التقليدي وإنما في كود جديد بما يكفي. ملاحظة عامل النظافة تعكس شوقاً جمعياً. بالنسبة للفرد الشرقي، فإن التقدم – بعد قمع الصراعات الجماعية – لا يعتبر إنجازاً كبيراً إلا في “العالم الجديد”. العودة لإسرائيل هي رمز للسير في المكان.

يمكن أن نضيف للنص الداخلي لـ”البوريكاس” توجهات شعبية أخرى، بشكل خاص تلك الخاصة بالمسرح الشعبي التجاري، والذي أصبح موضة بشكل خاص بين 1967 و1973، فترة الازدهار الاقتصادي. السنوات التي تلت حرب 1967 جاءت بدرجة معينة من الحركة الاقتصادية للشرقيين (والتي سوندت جزئياً بوجود قوة عمل عربية رخيصة من الضفة الغربية وغزة)، ولكنها أيضاً قامت بتعميق الفجوة الاقتصادية والاجتماعية بين المجموعتين الطائفيتين اليهوديتين الرئيسيتين. في نفس الوقت، فالغياب النسبي لتهديد خارجي واضح – وهو التهديد الذي دائماً ما كان يعمل، ويتم استغلاله، كعنصر يقوم بلم الشمل – مكن التوترات الداخلية من الصعود على السطح بقوة أشد. كانت هذه هي الفترة التي ظهر فيها تعبير سياسي قوي عن التشدد الشرقي، وبشكل خاص ظهور “الفهود السود”، وهي حركة احتجاجية قام بها الجيل الثاني من المهاجرين من البلدان العربية والإسلامية. عرفت أيضاً تلك السنوات ازدهار المسرح الشعبي وأفلام “البوريكاس” التي عالجت تلك المواضيع الحيوية. مالت أفلام “البوريكاس” لاستخدام أسس مشابهة لتلك المستخدمة في المسرح التجاري، مثل الأنماط الإثنية واللهجات الطائفية الثقيلة: في مشاهد تذكرنا بالمسرحيات القصيرة في “المتحسس الشاحب” والقائمة بشكل أساسي على الدعابة اللفظية. وهكذا، فلشخصيات الربرتوار والأوضاع النمطية لأفلام “البوريكاس” ثمة صلة قرابة بتقاليد الكوميديا ديلارتا[9]، والتي بدأت كفن شعبي قبل أن يتم ترويضها وتتحول إلى منتج برجوازي. قام ممثلون شعبيون كثيرون من المسرح الشرقي (وبجانبهم مغنون مشهورون أيضاً) بالتمثيل في أفلام “البوريكاس”. تم بناء هذه الأفلام أحيانا كسلسلة من المسرحيات القصيرة الشعبية، مثلما هو الحال في “حينا” لأوري زوهار، أو في “شلجار” (1979) لآسي ديان، واستخدمت ثلاثية “المتحسس الشاحب”. في حالة “أمي الجنرالة” (1979)، تمت معالجة العرض المسرحي الناجح بشكل كامل لكي يصبح فيلماً سينمائياً. تم منح الأدوار الرئيسية لمؤدين معروفين (على سبيل المثال، يهودا بركان وشيشي كيشيت في الأدوار الذكورية، وإفرات لافي ويونا إليان في الأدوار الأنثوية)، أما الأدوار الثانوية فلقد تم منحها مراراً وتكراراً إلى نفس الأشخاص (على سبيل المثال، جاك كوهين وجابي عمراني في أدوار الشرقيين ويهودا عفروني ولي كانيج في أدوار الإشكناز).

كثير من أفلام “البوريكاس” عرضت أيضا أسساً من تقاليد السينرواية الشعبية – والتي كانت نساء كثيرات تقرأها – بإيقاعها السريع وزادحام الأحداث، وهما الأمران الممكنان بسبب معرفة الجمهور المتلقي بالمبادئ المتفق عليها. ومثلما في السينرواية، ففي أفلام “البوريكاس” أيضاً، الحب ليس أبداً مسيرة تدريجية متطورة: وإنما يتفتح فجأة بشكل تلقائي، “من النظرة الأولى”. وسائط سينمائية مثل موسيقى الخلفية المفسرة والاستخدام الواسع لحركات الجسد التي تعكس الأحاسيس بوضوح مبالغ فيه. أفلام “البوريكاس”، التي تستعمل النماذج العامة وليس الشخصيات المرسومة، لا تتوجه لعلم النفس، وبهذا المفهوم فهي لا تعمل على التغيرات النفسية الطفيفة في العالم الداخلي للشخصية. الكلوز أب لا يهدف للإشارة إلى حركة نفسية داخلية وإنما الكشف عن إشارات خارجية محسوسة، مثل الدموع أو الضحك المجلجل. إظهار المشاعر بواسطة التعبير والحركات يتاخم الكاريكاتير في أحيان متقاربة ، وأحياناً (بشكل خاص في أفلام ريفاح) يتحول إلى محاكاة ساخرة. مثلما في السينرواية، ففي أفلام البوريكاس أيضاً تمحو العلاقات المتبادلة بين الشخصيات الذاتية الجانب الشخصي وتوائم النموذج الاجتماعي.

[6]الجفيلتا فيش هي نوع من السمك المحشي، وهي أكلة يأكلها اليهود الغربيون، أما البوريكاس والحميندوس فيشتهر بها اليهود الشرقيون. اسم جوخة منتشر بين اليهود الشرقيين والعكس منه اسم هرشلاه.

[7] تعبير أطلق على المهاجرين اليهود القادمين من شمال أفريقيا، لتأثرهم بالثقافة الفرنسية. بالعبرية פרענקים، فرانكيم.

[8] نوع من الكوميديا ظهر في إيطاليا بعصر النهضة، بالقرنين السادس والسابع عشر. كانت حبكته تدور حول الحيل التي يقوم بها المحبون للزواج رغما عن آبائهم.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.