لاجئو 1967 االمنسيون

بينما لم تتعدى محاولة تشريد سكان بيت لحم كونها تهديداً، كانت جريمة الحرب المنسية الكبرى في 1967 تشريد سكان قلقيلية ومحاولة تدمير مدينتهم بمنهجية. مقتطفات من يوميات الراهبة الفرنسية ماري-تريز التي وثقت عمليات الطرد والتشريد المتعمدة عام 1967.
جادي الغازي

 

مشكلة اللاجئين ليست في عداد الماضي البعيد فهي تعود لتطفو على السطح طوال الوقت. كما ليس بالإمكان حصرها في إطار “1948” وتعليلها ب”الظروف الخاصة” كما تؤكد الحقائق: مبادرات الطرد رافقت الحرب عام 1956 كذلك حيث أملت المؤسسة الصهيونية، كما أظهر يئير بويمل، في بداية سنوات الخمسين بأن يتم انهاء العمل الذي لم يكتمل في 1948 في “الجولة الثانية”، أي في الحرب القادمة. هذا الأمل خاب ولو أنهم نجحوا، برعاية الحرب وتحت قيادة اسحاق رابين، أن يمحوا عن وجه الأرض عدة قرى، مثلاً في الجليل الأعلى. الطرد الجماعي رافق كذلك حرب حزيران 1967، وبإمكاننا أن نذكر، من ضمن ذلك، التطهير الإثني التام تقريباً لهضبة الجولان، المبادرات لطرد وتشجيع خروج الآلاف من قطاع غزة، محو القرى القريبة من الخط الأخضر والتدمير المنهجي لقلقيلية.

لا حاجة لتفسير الهروب الجماعي للسكان المدنيين من مناطق القتال ولكن ما كان في 1967 لا يقتصر على ذلك فقط: هناك شهادات على التشريد المنظم للسكان ومحو بلدات ونقل سكانها بباصات كما في حالة قلقيلية، طولكرم وعنبتا. كما كانت الحال في 1948، كان لب الموضوع هو تحويل اللجوء إلى حالة ثابتة أو بكلمات أخرى- منع العودة. لهذا الغرض فرض على من يخرجون التوقيع على استمارات خاصة صرحوا من خلالها بأنهم يغادرون بإرادتهم. كثيرون ممن حاولوا العودة تعرضوا لإطلاق النار عندما حاولوا عبور نهر الاردن في الأشهر التي تلت الحرب.

لكن هذا ليس خط التواصل الوحيد بين 1948 و-1967: جزء كبير من لاجئي 1967 كانوا من لاجئي 1948 الذين وجدوا ملجئاً في الضفة الغربية، في مخيمات اللاجئين (كما في منطقة أريحا وغور الأردن) وفي هوامش مدن وقرى الضفة. بعض القادة الذي أداروا الحرب كانوا نفسهم الضباط الشباب الطموحين من 1948، الذين تقدم كثير منهم إلى الصدارة برعاية بن غوريون. عمليات الطرد والتشريد نفذت هي الأخرى بطرق شبيهة: التخويف المنهجي، نشر الاشاعات، توجيه تيار الهاربين وتقديم “المساعدة” اللوجستية لمن يرغبون بالهرب. من ناحية شهود العيان الذين سنورد اقوالهم فيما يلي، جرائم الحرب في 1967 ألقت الضوء على ما حدث في 1948. إلى جانب التخويف ومنع العودة عملياً، كان من الواضح في الحالتين بأن الضمان الأفضل لمنع العودة، لتخليد التراجيديا، هو التدمير المنهجي. الوحدة السرية الخاصة التي عملت في سنوات الستين على محو بقايا القرى الفلسطينية بمناطق “الخط الأخضر” وسعت نشاطها بعد حزيران 1967 لتمحو قرى هضبة الجولان بشكل منهجي.

“سكان بيت لحم مصدومون. منذ وصول الإسرائيليون، تجول سيارات إسرائيلية في شوارع المدينة وتنادي بالعربية بمكبرات صوت: “لديكم ساعتين لمغادرة منازلكم والهرب إلى أريحا أو عمان وإلا فسيتم تفجير المنازل”

أهم اصدار بالعبرية للشهادات المتعلقة بطرد اللاجئين والمحاولات المنظمة لتشريدهم خلال حزيران 1967 هو كتاب (المؤرخ الإسرائيلي) توم سيجف “1967”. بيد أن سيجف لم  يورد شهادة واحدة هامة هي تلك التي ننشرها هنا. الحديث عن شهادة الراهبة الفرنسية الكاثوليكية ماري-تريز التي كانت عضواً في منظمة “أنصار يسوع”. كل الصحافة في البلاد تقريباً تجاهلت هذه الشهادة التي نشرت في المجلة الكاثوليكية الفرنسية  Témoignage Chrétienne” بتاريخ 27.7.1967، لا سيما وأن معظمها غرقت باحتفالات النصر. فقط الصحيفة الأسبوعية الشيوعية “زو هديرخ” (“هذه الطريق”) نشرت مقتطفات منها بتاريخ 9.8.1967. يوسف الغازي الذي أورد هذه المقتطفات في 1967، قام بترجمة الشهادة من جديد ونشرها على مدونته (بالعبرية).

من كان معدو الوثيقة؟ ماري-تريز وأصدقائها عملوا في إسرائيل وفي الضفة الغربية منذ 1958 في اطار منظمة كاثوليكية يسارية. أعضائها، الذين كان بعضهم رهبان وبعضهم علمانيون، انتموا للتيار الكاثوليكي اليساري لأتباع “كنيسة الفقراء” الذين عملوا في سنوات الستينات في الأحياء الفقيرة بأوروبا وخارجها. هؤلاء سموا أنفسهم “أنصار يسوع النجار” وأسسوا جمعيات تعاونية للبناء في الناصرة، بيت ساحور وبيت لحم، وكذلك جمعية تعاونية للخياطة في الناصرة. يوميات الحرب التي كتبتها ماري-تريز نشرت حوالي الشهر ونصف الشهر بعد انتهاء الحرب مرفقة بتقرير حول انتهاكات حقوق الانسان من اعداد أعضاء المجموعة. نورد هنا بعض المقتطفات من اليوميات مع العلم بأنها ليست الأصعب بل تلك التي تتعاطى مع مسألة التشريد والطرد على وجه الخصوص.

“لديكم ساعتين لتغادروا منازلكم”

في 9 حزيران 1967 خرجت ماري-تريز وبقية أعضاء المجموعة من القدس باتجاه بيت لحم: “كنا في طريقنا إلى أسفل الشارع لننتظر السيارة التي ستقلنا إلى بيت لحم. بالقرب من جشيماني، تدهورت دبابة في قناة وسحقت أشجار الزيتون. هناك الكثير من السيارات المكبوسة او المحروقة: رائحة الموت في كل مكان. سيارة يسوقها ابن شخصية إسرائيلية معروفة جداً توقفت بجانبنا واقترحت أن تقلنا. أدركت بأن السيارة المسروقة هي عملياً سيارة اسعاف أردنية. سيارة كهذه كان بإمكانها أن تساعدنا على نقل المصابين والموتى.. السيارة توقفت بجانب دكان لعرب ينهبه اليهود دون أية تأنيب للضمير. شابات يهوديات يحملن في ايديهن مواد غسيل وأمور شتى. الأب بول اعترض فقام حاخام من الجيش الإسرائيلي بإغلاق الدكان. امرأة ميتة ممددة في قناة على حافة الطريق.

وأخيراً التقينا ببرناديت ومونا (زميلاتهم المتواجدات في بيت لحم): تم قصف بيت لحم قبل نصف ساعة: هناك 30 قتيلاً. وقعت قنابل على المشفى الذي تعمل فيه مونا وكان عليها أن تزحف على الأرضية. برناديت كانت خارج المشفى قبل عشر دقائق من القصف ولكنها نجحت في ايجاد مأوى في بيت يسكنه أناس. دبابات إسرائيلية تقف بجانب الكنيسة وتوجه أفواه مدافعها صوب المدينة. سكان بيت لحم مصدومون. منذ وصول الإسرائيليون، تجول سيارات إسرائيلية في شوارع المدينة وتنادي بالعربية بمكبرات صوت: “لديكم ساعتين لمغادرة منازلكم والهرب إلى أريحا أو عمان وإلا فسيتم تفجير المنازل”. هذه المرة نحن مصممون على الرد وعلى تقديم تقرير للسلطات الإسرائيلية لكي ننقذ ما يمكن انقاذه بطرق سلمية، من أجل المستقبل، فالنداءات والضغوطات النفسية التي تسعى إلى تشريد العرب خطيرة جداً. بدأنا نفكر بأن الإسرائيليون تصرفوا هكذا ربما في المرة الأولى (1948) عندما خلقوا مشكلة اللاجئين. في القدس بدأ الشعور بالجوع يصبح محسوساً.

الإسرائيليون أمسكوا أسرى بعد وقف اطلاق النار، أحياناً أسرى مدنيين. عدنا إلى القدس برفقة برناديت، هذه المرة بسيارة عربية: هذه هي السيارة العربية الأولى التي تتحرك في بيت لحم وهذا بفضلنا. تقدمنا في السيارة ببطيء حتى نجد المرأة الميتة التي رأيناه بالقناة. ها هي. توقفنا ونزلنا من السيارة: كانت ما زالت تحمل في يديها رغيفي خبز ذهبت لتحضرها من أجل أولادها تحت اطلاق النيران. حفرنا حفرة تحت صخرة ودفناها مع رغيفي الخبز. قام المسلمان اللذان جاءا لمساعدتنا بتغطية الحفرة وهما يصليان: “الله وأكبر، لا اله إلا الله..” صلينا معهم. قبلونا وقالوا لنا شكراً. أكملنا طريقنا. بعد ثلاثة كيلومترات صادفنا مصابين عربيين على حافة الطريق تركا تحت الشمس لثلاثة أيام. سيارات إسرائيلية كثيرة تمر طوال الوقت لكن لا أحد يتوقف. أحضرنا المصابين إلى القدس.”

“هذه كانت قلقيلية أما الآن فهي كفر سابا”

הריסות

شهادة ماري-تريز مثبتة أيضاً بمصادر أخرى: جندي إسرائيلي شارك في احتلال بيت لحم شهد هو الآخر على السيارات التي تجولت بمكبرات صوت في الشوارع ونادت السكان للمغادرة وإلا سيفجر المكان (سيجف، صفحة 426). ولكن بينما لم تتعدى محاولة تشريد سكان بيت لحم بعد القصف كونها تهديداً حقق نتائج جزئية، نفذت جريمة الحرب المنسية الكبرى في 1967 على مرأى الجميع: تشريد سكان قلقيلية من مدينتهم ومحاولة تدمير المدينة بمنهجية. الهدم توقف في نهاية المطاف بعد تدمير ما بين الثلث حتى النصف من بيوت المدينة.

في 14 حزيران 1967، خرجت ماري-تريز وزملائها إلى قلقيلية. كانت المعارك قد انتهت:

“في نابلس التقينا بمئات العائلات تحت أشجار الزيتون: ينامون في الخارج. قالوا لنا بأنهم من قلقيلية وبأنهم منعوا من العودة إلى مدينتهم (التي سكن فيها 20 ألف نسمة). سافرنا إلى قلقيلية لنتبين ما يجري هناك: الانطباع موحش. يقصفون المدينة بالديناميت. مواطنون إسرائيليون يأتون لينهبوا: اثنان منهم يمشون في الشارع، يضعون “الكيباه” على رؤوسهم ويحملون حقيبة. رأيناهم يقتربون، يتقدمون باتجاهنا: أحدهم وضع اصبعه على زند المسدس الرشاش. لم انتبه لذلك وبادرته السؤال بالعبرية وأنا أشير إلى الحقيبة: “هل هي ثقيلة؟”. وقفنا ونحن نقابل بعضنا البعض للحظة حتى ابتعدا وأكملا طريقهما. الشيطان يصول ويجول هنا. ضابط إسرائيلي شاب يسوق سيارته يقف أمامنا. نسأله بتعابير وجه غبية قدر الامكان أين نتواجد. يلقي علينا نظرة مستعلية ويقول لنا بالعبرية: “كانت هذه قلقيلية أما الآن فهي كفر سابا” (البلدة اليهودية الأقرب إلى قلقيلية). على مسافة من هنا يطلق الجنود النار في الهواء، ربما ليخيفوا سكان القرى المجاورة.. هل سيقصفوا أيضاً مشفى “الاونروا” الصغير المتواجد في مركز المدينة؟ نشعر بأن علينا الانصراف من هنا اذا ما أردنا بألا يكون مصيرنا كمصير قلقيلية.”

أعضاء المجموعة التقوا بقائد الأركان العامة (في حينه) اسحاق رابين وأبلغوه بما رؤوا في قلقيلية. رابين ارتبك وادعى بأنه لم يعرف ذلك ووعد باستيضاح الموضوع ومعاقبة المذنبين. الراهبة ماري-تريز اعتقدت بأنه عرف وارتبك لأن الأمر انكشف. بعد أسبوعين، في 1 تموز، تسللوا مرة أخرى إلى المدينة.

“الحياة في نابلس تعود إلى مجراها ببطيء، لا يوجد طعام كافي. الصليب الأحمر لم يصل إلى هنا حتى الآن: مخزون الطعام آخذ بالانتهاء. التصدير توقف: الفلاحون يضطرون إلى بيع محاصيلهم بأسعار منخفضة جداً. الكثير من العائلات التي يعمل أبنائها في الكويت تضطر إلى المغادرة لعمان. اليهود لا يحاولون منعهم من المغادرة بالمرة ولكنهم يطلبون منهم بأن يوقعوا على مستندات قبل أن يغادروا بإرادتهم. أمام المحاولات لتشريد الناس وعمليات الطرد التي شهدناها يبدو (هذا المطلب) كدبلوماسية سياسية. في احدى القرى شهدنا الكثير من السرقة (النقود، المجوهرات وتدمير للأثاث). توجهنا إلى الخلف صوب قلقيلية. في احدى المفترقات وضعت لافتة كتب عليها بطبشور: “ممنوع التقدم بهذه الطريق- غير آمنة.” كانت هذه اشارة بأننا في الطريق الصحيح. لحسن حظنا لم تكن هناك نقطة عسكرية في المكان.

وصلنا إلى قلقيلية بالطريق الممنوعة: هنا رأينا البيوت الاولى التي هدمت بشكل منهجي. الناس عادت- هذا صحيح حقاً! عادوا الى هذا الركام.. الناس ينامون تحت أسقف انهار نصفها. لا توجد مياه أو ان هذه متوفرة بكمية قليلة جداً. 7000 من 16500 من سكان قلقيلية عادوا. بالأمس اتصل بنا دان أفني وقال: “تقريركم ساهم في وقف الهدم في قلقيلية..” ولكن إلى أين عادوا! هذا ليس انسانياً.

“نظرت من حولي ورأيت عائلات تخرج (إلى الشارع) مع فرشات وأولاد صغار، وتنتظر على الأرصفة. قلت لطحن: “موطكي، لست قادراً على القيام بذلك”. موطكي قال: “عليك أن تحملهم جميعهم بالباصات”. فكررت: “موطكي، أنت لا تفهمني. ليس بإمكاني القيام بذلك.” كان لدي في حينه ثلاثة أولاد صغار في البيت، تماماً مثل الأولاد الذين كانوا على الأرصفة”

أيضاً رئيس بلدية قلقيلية السابق عاد معهم فذهبنا لنستجوبه. حكى لنا كل شيء: خلال المعارك لحقت الأضرار ب-5% من بيوت البلدة ونصف السكان هربوا إلى الجبال مباشرةً بعد أن تركها الجيش (الاردني). اليهود طردوا النصف الآخر ولكن لم يكن ذلك على الفور. في البداية منعوا الناس من مغادرة منازلها لمدة ثلاثة أيام. في يوم الاربعاء الساعة الرابعة بعد الظهر جاء ضابط وأعلن: “اخرجوا من البلدة لأن طيارات عراقية ستفجر المكان.” بعد ذلك  قادوا كل الناس إلى قرية عزون البعيدة ثلاثين أو أربعين كيلومتراً من هنا. رئيس البلدية كان آخر من غادر المكان. في يوم الخميس لأنه لم يكن هناك ما يأكلوه في عزون، قال لهم اليهود: “اذهبوا إلى نابلس” فذهبوا مشياً على الأقدام حتى حقول الزيتون التابعة للمدينة. في نفس الوقت، بدأ اليهود بهدم المدينة بحسب الاوامر التي وصلتهم. في يوم الأحد طلب رئيس بلدية قلقيلية العربي رؤية الجنرال ديان ونجح في الحصول على موافقته لإرجاع جزء من السكان إلى الركام. 1500 من سكان قلقيلية كانوا من لاجئي الحرب السابقة (1948). “الاونروا” ساعدت في بناء بيوت صغيرة دمرت للتو من جديد.

مقابل مبنى البلدية الذي ما زال يقف مكانه، وقف السكان في طابور للحصول على بضعة أرغفة من الخبز لكل عائلة. الجندي الإسرائيلي قال لنا بأن السيارة التي توزع الخبز تابعة “للجنة”. لم ننجح في جعله يكشف لنا ان كان الحديث عن لجنة إسرائيلية. بالوقت الحالي، بثت “صوت إسرائيل”،  محطة الاذاعة الإسرائيلية، الأكاذيب حول قلقيلية: “السكان عادوا إلى المدينة. الناس الذين تضررت منازلهم بالقصف يحصلون على مساعدات. الحياة تعود إلى مجراها الطبيعي..” شكرنا رئيس بلدية قلقيلية العربي الذي يشبه بنظرنا الأب المسن الذي يحمي رعيته بتفاني. كان قد سلمنا المعلومات تحت أعين الضابط المناوب الغاضبة والقلقة جداً. شكرنا الجميع، أيضاً الجندي الإسرائيلي، وغادرنا المكان.”

“حملوا كل السكان بالباصات” 

شهادة رئيس بلدية قلقيلية حول محاولة تشريد سكان قلقيلية عن طريق نشر الاشاعات الكاذبة تجد لها تأكيداً في شهادة العقيد زونيك شاحم الذي أشار، من ضمن أمور أخرى: “جماعة الحرب النفسية خرجوا في منتصف الليلة مع مكبرات صوت. أرسلتهم إلى منطقة قلقيلية.. وقد تسبب لهم هذا بخوف كبير. هم حكوا عجائب شتى فقاموا بجماهيرهم وبدؤوا يغادرون المدينة. حكوا لهم عن هجوم عراقي من المفترض بأن يشن علينا وبأن يقع هناك. ولقد ساعد ذلك كثيراً” (سيجف، صقحة 426).

الطرد لم يكن محلياً فأيضاً سكان عنبتا وطولكرم كان ن المفترض بأن يكونوا من بين المطرودين. رعنان لوريا الذي عين بتاريخ 7 تموز 1967 حاكماً عسكرياً على عنبتا شهد عام 1998 في مقابلة مع الصحافي جدعون ليفي:

“بعد أن وقعت اتفاقية الاستسلام، يحكي لوريا، بأنه خرج إلى الشارع. الصورة التي رآها أدهشته: عشرات الباصات التابعة لشركات “ايجد” و”دان”. موطكي طحن (نائب قائد الكتيبة) وشلومو جونن أتوا إلي. جونن كان بيتارياً (بالإشارة إلى حركة بيتار)، شاباً محترماً ومستقيماً. قالوا لي: “عليك أن تحمل كل السكان بالباصات. سوف يتم نقلهم إلى الجانب الآخر من (نهر) الأردن.” نظرت من حولي ورأيت عائلات تخرج (إلى الشارع) مع فرشات وأولاد صغار، وتنتظر على الأرصفة. قلت لطحن: “موطكي، لست قادراً على القيام بذلك”. موطكي قال: “عليك أن تحملهم جميعهم بالباصات”. فكررت: “موطكي، أنت لا تفهمني. ليس بإمكاني القيام بذلك.” كان لدي في حينه ثلاثة أولاد صغار في البيت، تماماً مثل الأولاد الذين كانوا على الأرصفة.  موطكي مسكني من كتفي وشدني جانباُ وهمس: “رعنان، ما تقوم به الآن هو رفض للأوامر بوقت القتال”. ثار دمي. بعد كل ما مررت به هذا الصباح، في الطريق إلى مفترق (رامين، بالقرب من طولكرم)، أحصل على هذه المحاضرة حول رفض الأوامر بوقت القتال بسبب تحميل أولاد صغار بباصات. قلت لموطكي: “دعك من هذا اللغو. أنا بالتأكيد أرفض الانصياع لهذا الأمر.” جميعنا كنا أعضاءاً في الكتيبة. شلومو جونن الذي شعر بالدراما التي تجري اقترب وقال: “ما المشكلة، سأقوم أنا بمعالجة الأمر. سأحملهم أنا بالباصات. رعنان لديه مشاغل أخرى كحاكم عسكري.”

لم يحاكم لوريا على رفض الأوامر وتم تسريحه من الخدمة في اليوم التالي. وقد قام، بحسب ليفي، “باستيضاح ما جرى في الميدان بعد أن غادر. حوالي 7000 من سكان طولكرم وعنبتا، بتقديره، حملوا بالباصات. تم انزال بعضهم على الشارع الرئيسي، بالطريق المؤدية إلى نابلس، وبعضهم الآخر أحضروا حتى نهر الأردن. “كل شيء تعلق بمدى إخلاص سائقي الباصات. هؤلاء الذين أرادوا العودة إلى البيت بسرعة، أنزلوا السكان في الطريق. أما هؤلاء الذين تعاملوا مع المهمة بجدية فسافروا حتى نهر الأردن وتأكدوا حتى من قطع الركاب له.” (جدعون ليفي: “شاحم أمر بالطرد. رفضت الأوامر”، ملحق “هآرتس”، 5.6.1998).

من اللطرون حتى نهر الأردن

عندما عادت ماري-تريز وأعضاء مجموعتها إلى القدس اكتشفوا بأن منطقة الحائط الغربي غيرت ملامحها: منازل حي المغاربة هدمت برمتها، أربعمائة عائلة فقدت بيتها: أصبحت هناك ساحة للحائط  ترفرف فيها أعلام إسرائيل. الراهبة ماري-تريز راقبت الناس الذين يأتون للتوحد مع الحجارة (بالإشارة إلى حجارة الحائط الغربي) وكتبت: “منذ أن رأيت أولاداً يقتلون بالقصف، لم تعد هناك أية حجارة مهمة في القدس بنظري، لا حجارة القبر المقدس ولا الحائط الغربي ولا كل المساجد: تهمني فقط المعاناة العظيمة للأولاد على وجه هذه الأرض- يهود، مسلمون، نصارى، بوذيون أم شيوعيون، بيض أم سود، صفر أم بنيون. كل هؤلاء الذين مات يسوع المصلوب بسببهم ومن اجلهم.”

נהר הירדן

المجموعة سمعت عما يجري في منطقة اللطرون. الطرق إلى هناك أغلقت والجيش منعهم من الوصول. في نهاية المطاف، وصلوا الى القرى الثلاث- يالو، بيت نوبا وعمواس- حيث طرد كل السكان ومحيت قراهم عن وجه الأرض: “وحدهم، وسط صمت الموت، تجول بعض الحمير بين الركام. في كل مرة كنا نرى قطعة أثاث محطمة تحت الركام، وسادة ممزقة، تطل من خلف كتل القصارة، الحجارة والباطون. طنجرة طبخ وبطانية تركت في وسط الطريق.. لم ينجح الناس في أخذ شيء!” أقوالها هذه تثبت تماماً شهادة عاموس كينان الذي خدم في المنطقة ضمن قوات الاحتياط، وشهادات من وصلوا إلى المكان فيما بعد. الجرارات الزراعية التابعة للكيبوتسات في المنطقة، كتبت ماري-تريز، بدأت تحرث حقول القرى الفلسطينية التي محيت. “بحسب ما نراه اليوم، (يطرح السؤال) ألم يحصل كل هذا أيضاً عندما أقيمت دولة إسرائيل؟ كم من القرى هدمت؟ كم من العائلات طردت؟ اليوم، نحن نعرف بأنه، باستثناء حالات قليلة، لم تكن الجيوش العربية هي من شردت السكان وهدمت القرى: لم يكن لديهم وقت كافي لذلك حتى.”

“بعد الظهر، حوالي الساعة الرابعة، نزلنا باتجاه أريحا بطريقنا إلى جسر النبي. اللاجئون الذين يهربون عليهم أن يمروا من هنا: كثيرون منهم من لاجئي الحرب السابقة (1948). مع أولادهم ورزمهم، يضطر هؤلاء إلى عبور الجسر المهدم والسير في المياه بمساعدة حبال. جنود إسرائيليون يجلسون على كراسي ويرونهم يمرون هكذا منذ خمسة عشر يوماً. لو كان عليهم نقل دبابات عبر الجسر خلال الحرب لقاموا بإصلاحه خلال بضعة ساعات! لماذا يذلون الناس بهذه الطريقة؟ في الأسفل نظرات كراهية وفي الأعلى نظرات احتقار ولكن نظرات الأولاد الخائفة أمام الجسر المكسور كانت مؤلمة أكثر من أي شيء آخر. امرأة تحمل ماكينة خياطة تأوهت فجأة وهمهمت شيئاً. امرأة أخرى ردت على تأوهها: “ليت بيوتهم تهدم فوق رؤوسهم يوماً ما!”

قبل أن نغادر اقتربت مني امرأة باكية وقالت لي بأنها قطعت الجسر للتو لتساعد بعضاً من أبناء عائلتها الذين تركوا وبأن عليها أن تعود إلى بيت لحم حيث ينتظرها اولادها. لكن الجنود، بحسب الأوامر التي تلقوها، يقولون لها بأن عليها أن تذهب إلى عمان لأنها قطعت الجسر (إلى الجانب الأردني). اعتقدنا بأن هذه القصة الصغيرة ستنتهي بسهولة: يكفي بأن نقول كلمة للضابط. الضابط الذي استمر بالجلوس في كرسيه قال لنا: “هذه المرأة وقعت على الحاجز الأول (على وثيقة للمغادرة طوعاً) والجميع يعرفون بأن من يوقع لا يستطيع العودة..” بكت المرأة وقالت بأنها لم تفهم على ماذا وقعت. اعتقدت بأن فقط هؤلاء الذين يذهبون إلى عمان لا يستطيعون العودة فوقعت لكي تستطيع مساعدة أختها على نقل الرزم. لم ننجح في تغيير القرار: عليها أن تقطع الجسر وأن تذهب مع أبناء عائلتها أما زوجها وأولادها فسيبقون في بيت لحم! الضابط شرح لنا بأن اللاجئين الذين يريدون الرجوع من عمان سيستطيعون القيام بذلك حتى 10 تموز: سيكون عليها تقديم طلب فقط. يبدو بأن امكانية السماح للاجئين بالعودة طرحت فقط لغرض الدعاية لأن بعض المطرودين في القدس (مثل لاجئي حي المغاربة) كانوا قد أسكنوا في البيوت الخالية التي تركها هؤلاء اللاجئين ورائهم. اذا ما طلب اللاجئون في عمان العودة، إلى أين سيعودون اذاً؟!”

***

يجب قراءة شهادة الراهبة ماري-تريز في السياق الأوسع لعملية الطرد والتشريد التي نفذ بعضها برعاية هدير المدافع واستمر بعضها الآخر بعد أشهر كثيرة من انتهاء الحرب. توم سيجف يورد تقديرات إسرائيلية تحول بحسبها بين 200-250 ألف انسان للاجئين (سيجف، صفحة 431 وصفحة 562). وكما كان في عام 1948، كان لب اللجوء تحويله إلى وضع ثابت. منع العودة. في آب 1967 ازدادت الأخبار في الصحافة حول قتل فلسطينيين حاولوا عبور نهر الأردن للعودة إلى الضفة الغربية. الحكومة ناقشت وصادقت على تعليمات اطلاق النار. رابين ادعى بأنه خلال الأشهر الثلاث التي تلت الحرب قتل 146 انسان خلال محاولة عبور النهر.

في الأسابيع التي تلت الحرب، انتشرت في العالم صور فظيعة حول وضع لاجئي 1967: بعضهم أسكنوا في الأردن بمخيمات لاجئين جديدة أضيفت إلى تلك التي قامت بعد 1948. على هذه الخلفية قررت السلطات ترميم قلقيلية بشكل جزئي ودعت وسائل الاعلام لرؤية المساعدات الانسانية التي يقدمها نظام الاحتلال المتنور. سلطات الاحتلال أعلنت كذلك بأن بإمكان لاجئي 1967 العودة بشروط معينة. موظفة في وزارة الخارجية أوصت بالانتباه إلى “الفحص الديموغرافي” عندما يسمح لعائلة بالعودة- “ليس فقط عدد الأولاد إنما كذلك احتمالات الولادة بالمستقبل بما يتوافق مع جيل المرأة”. عدد صغير فقط من اللاجئين عاد عملياً: وفق الأعداد التي يوردها سيجف، فالحديث عن 14 ألف شخص فقط (صفحة 567 و-568). من بين 9000 لاجئ من قرى منطقة اللطرون بقي 2000 فقط في الضفة الغربية (صفحة 499).

في الأشهر التالية، أغدقت آليات الحكم بمبادرات وبرامج للترانسفير، مثل اخلاء قطاع غزة وعرض أموال على اللاجئين المستعدين للتعهد بعدم العودة، كما كانت هناك عمليات طرد محلية (مثل قبيلة النصيرات أو هدم قرية الجفتلك). توم سيجف يقتبس نقاشاً عسكرياً تقرر فيه الاستمرار بالرد الصارم- منع التجول، التفتيش والاعتقال- “على أية عملية تخريبية” لأن هذه “احدى الوسائل التي تشجع الخروج” (صفحة 565). اللجوء لم يكن بمثابة نتيجة مرافقة للحرب بل أن الحرب وفرت الفرصة لاستكمال الطرد ليس إلا. الاعتراف بحق اللاجئين بالعودة إلى وطنهم كان وما زال اذاً المفتاح للسلام الحقيقي وللمصالحة بين الشعوب.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.