صورة الشرق في السينما الإسرائيلية: الحلقة الرابعة

حتى الأفلام التجارية، التي لا تطلبها المؤسسات، “قامت بمشرقة الشرق”، ورددت الشروح السائدة لـ”تخلف” الشرقيين: هذه الشروح قدمت من وجهة نظر “إنسانية”، تعتمد على روح الشفقة الوصائية، وهكذا خلقت ما يمكن تسميته بالخداع البصري في المواقف الموالية للشرقيين. الحلقة الأخيرة من دراسة الباحثة ايلا شوحاط.
ايلا شوحاط

 

إيلا شوحاط، واحدة من أهم الناقدات الثقافيات الإسرائيليات اليوم. ولدت عام 1959 وأعدت رسالة الماجستير في جامعة بر إيلان بإسرائيل، أما الدكتوراه فقد حصلت عليها عام 1986 من جامعة نيويورك التي تقوم بالتدريس فيها الآن. عملت شوحاط على نظرية إدوارد سعيد حول الاستشراق وقامت بتطبيقها على العلاقات الثقافية بين “اليهود/ العرب”، “اليهود الشرقيون/ الغربيون”، وإجمالا حول التمثيلات الثقافية بين الشرق والغرب، وذلك من خلال السينما الإسرائيلية. تعتقد شوحاط التي جاءت من أصل عراقي أن الصهيونية خلقت نوعاً مزدوجاً من القمع: ضد الفلسطينيين وضد اليهود الشرقيين، وتحاول في كتبها عرض الكيفية التي حاولت بها الصهيونية تقديم هوية موحدة موائمة قائمة على الثقافة الإشكنازية الغربية ومحو الهوية الشرقية.

من كتبها: “السينما الإسرائيلية: تاريخ وأيديولوجيا”، 1991، “الثورة الشرقية: ثلاث مقالات عن الصهيونية والشرقيين” ، 1999، “ذكريات ممنوعة: من أجل فكر تعددي”، مجموعة مقالات، 2001، “السينما الإسرائيلية: الشرق/ الغرب وسياسة التمثيل”، 2005.

الدراسة التي ننشرها هنا على عدة حلقات هي من كتابها الأول، وتدور حول تمثيل اليهود الشرقيين في أفلام “البوريكاس”[1]، وهو نوع معين من الأفلام الشعبية تم إنتاجه في إسرائيل الستينيات والسبعينات واهتم بتجسيد شخصيات من اليهود الشرقيين بالأساس.

للإطلاع على الحلقة الأولى، الثانية، الثالثة.

منالاستشراقإلىالبوريكاس

                                                                           ترجمة نائل الطوخي

أغلب أفلام “البوريكاس” تربط بعضاً من صور الستوديو بالصور الخارجية في الأماكن الواقعية، وفي أحيان متقاربة يكون هذا في الأحياء الفقيرة، وبشكل خاص في جنوب تل أبيب وفي يافا. وبرغم هذا، فهي تميل لتقليص تشغيل الممثلين غير المحترفين واستخدام الخلفية إلى أقصى درجة، وهما ما يتم الحفاظ عليهما لسياق السوق، مثلما في “المقنع” (1973)، و”مسلية منتصف الليل”. شوارع الحي تعمل كخلفية لأقبية السيارات مثلما في “الشرطي أزولاي” (1973). الصور الداخلية لبيوت الشخصيات الشرقية تؤكد على الفقر مثلما تؤكد على الروح الجماعية: أناس كثيرون يتكدسون في غرفة واحدة، والفوضى تسيطر على الصورة وعلى شريط الصوت على حد سواء. الألوان، مع هذا، ساخنة ومبتهجة، توائم صورة الشرقيين كأناس ساخنين، عائليين، ثائرين، جديرين بالثقة وممتلئين بالإحساس. صور بيوت الإشكناز الأغنياء، في المقابل، تلفت الانتباه إلى الفراغات الهائلة التي يسكنها أناس قلائل: المناخ هادئ، الألوان اكثر برودة واللعبة أكثر اتزاناً – وكل هذا يرمز لعالم بارد ومغترب، ينضم، في أحيان متقاربة إلى الشخصيات الإشكنازية السنوبية، الأنانية والمنافقة. هذه التشبيهات المتناقضة توائم، بالطبع، الأنماط السائدة في البلد عن الإشكناز والشرقيين.

تعرض أفلام “البوريكاس” حلاً هروبياً للطبقة الهامشية ولمكانة العمال الشرقية، وفي أحيان أكثر تباعداً للبرجوازية الصغيرة الشرقية. هروبية أفلام “البوريكاس” تنبع من التوق الذي يكاد يكون يوتوبياً للتجسير على الفجوات في المجتمع الإسرائيلي، ومن خلال هذا يمكن تقديم صورة عن المساواة الطائفية الطبقية، التسامح، التعددية، والتضامن. ولأن الجمهور المتلقي هو الجمهور الشرقي، فالأفلام مشبعة بالضرورة بالتوترات الاجتماعية والطائفية. في عالم الخاضع، فإن السيد يكون له حضور (تاريخي) متواصل، يمكن الذوبان فيه أو الثورة عليه. أفلام “البوريكاس” بهذا المفهوم، تتميز بما أطلق عليه ميخائيل باختين الدعابة “الكرنفالية” (carnivalesque)، أناس الهامش يسخرون بعدم احترام من أشخاص يبدون في أعين الجميع الشرقي وكأنهم يمثلون الطبقة القامعة. نتيجة لهذا، فإن هذه الأفلام كثيراً ما تعرض أوضاعاً يكون فيها البطل الشرقي – في الغالب يكون متوحشاً فظاً ولكنه صاحب قلب ذهبي (كازابلان”، “هيا نكسر مليوناً”)، أو شلوموئيل ذا حس الدعابة الذي يسخر من نفسه ويبتهج بالحياة (“اليوم فقط”، “خمسمائة ألف أسود” – يسيء، بواسطة أصدقائه، معاملة العدو الإشكنازي. الشرقي يدبر مكيدة للإشكنازي، سواء كان فرداً (المفتش المديني عديم حس الدعابة والطبيب في “فقط اليوم”) أو مؤسسة (البنك الإسرائيلي في “هيا نكسر مليوناً”، والشرطة في “أرابينكا”، و”الشرطي أزولاي”) أو يكون، بشكل غير مباشر أكثر، المنظومة في كليتها، مثلما يحدث بواسطة أشكنزة اسم العائلة بهدف النجاح في العمل (” خمس مائة ألف أسود”).

مثلما أن السياسيين الإسرائيليين وعلماء المجتمع يباركون الزواج بين الطوائف (وهو يبلغ اليوم حوالي 20%) كدليل على أن المشكلة الطائفية في طريقها للاختفاء، فكذلك أيضا الـ”هابي إند” بأفلام “البوريكاس” يشجع الحل “الأسطوري” والذي يدعم، في الواقع، الوضع الراهن.

في فيلم زئيف ريفاح، “فقط اليوم”، على سبيل المثال، يكاد ساسون “زئيف ريفاح”، وهو بائع طماطم من سوق محانيه يهودا، أن تغتصبه امرأة إشكنازية من حي رحافيا البرجوازي. يستقبل محاولاتها لمغازلته بسعادة ويصرخ “فقط اليوم!” – وهو نداء يعني أن البضاعة رخيصة فقط اليوم، ويأخذ معنى أخر، معنى الفرصة الاجتماعية/ الجنسية غير المتوقعة. وهكذا يقوم بإشباع جوعين، جوع للطماطم وجوع للجنس. عندما يعود زوج المرأة الطبيب– في ساعة غير مريحة لهما – للغداء، تقوم بإخفاء ساسون، والذي نرى الأحداث من خلاله ونتماهى مع رؤيته. في فعل واحد، يمكر رجل الهامش برجل المركز الاجتماعي عدة مرات: يحظى بزبونة متحمسة للطماطم التي يبيعها، تحبه المرأة التي يخدمها (وهي ممثلة للنخبة الاجتماعية التي لا يقيم معها البائع في السوق علاقة اجتماعية) ويحظى من زوجها بعلاج طبي مجاني من أجل صديقه المريض (جاك كوهين). في هذا القلب المؤقت لمنظومة السيطرة في المجتمع، يحدث تسييس كوميدي للإيروتيكي، عندما يتم الحصول على الجنسانية الأوديبية– بمفهوم أن الطاقة الشهوانية تتوجه ضد الممثل الرمزي لطبقة اجتماعية أعلى – سوياً مع الارتياح المالي والتضامن الاجتماعي، كل هذا رغماً عن أنف الإشكنازي، والذي برغم أنه يتم تقديمه هنا بوصفه فرداً غير مؤذي، إلا أنه مع هذا مرتبط بالمؤسسة من خلال وضعه الاجتماعي. رجل الهامش، العاجز سياسياً، ينجح، ولا يفتقد الأمر محاكاة ساخرة للذات، في الانتصار على السرير، بـ”المنطق” الكرنفالي لعملية “القلب”، ينجح في الاستحواذ على القوة والقدرة الرمزيين. مشاهدة هذه الأفلام تتحول، إن كان الحال هكذا، إلى علاج يضحك أثناءه مهمشو المجتمع ليس فقط على ضعفهم، وإنما على محدودية قوة المركز– يضحكون ضحكاً جمعياً محرراً.

في أغلب أفلام “البوريكاس” يتم حل جميع التوترات والمواجهات الطائفية/ طبقية في نهاية سعيدة تتحقق فيها المساواة والوحدة بواسطة توحيد المحبين المتورطين. التكامل الاجتماعي يتم تخيله بواسطة الإيروتيكا، والزواج، الذي يقوم “بالتجسير على الفجوات”، يبارك هذا التناغم الأسري، الذي يتم التعبير عنه جيداً في أغنية “كازابلان”، “كلنا يهود”، أو في أغنية فيلم “سلومونيكو” (1973)، “البركة لهذا الشعب”. في بعض من أفلام البوريكاس، فإن الإحساس بالقومية يسمو (transcends)، بشكل أسطوري، على التمييز الطائفي والطبقي. وهكذا، فأغلب أفلام “البوريكاس” تعبر عن المنهج الحاكم في التحليلات الاجتماعية بإسرائيل، ووفقها فالفروق الاجتماعية والتمايزات الطبقية سوف يتم تصفيتها بواسطة الجيل الشاب، وبشكل خاص عن طريق الزواج، مثلما على سبيل المثال، في زواج أولاد وكلاء التأمين الأغنياء في “كاتس وكارسو” (1971)، أو في الزواج بين ابنة الحمال اليافاوي وابن الطبيب الذي يعيش في شمال تل أبيب في “سلومونيكو”.

في “كاتس وكارسو” يتحول الأثرياء الجدد الشرقيون القلائل الذين أثروا بعد 1967 إلى ممثلين لعموم الشرقيين. ابنا كارسو يتزوجان بنتي كاتس، والجميع صباريم مع الاختلافات الثقافية الثانوية بينهم (على نقيض آبائهم). مع هذا، فهناك سعادة رمزية في الاستمرارية الشرقية، بواسطة الأبناء، والذين سوف يقومون بتوريث الاسم الشرقي الآن. كل ما يتبقى لهم في النهاية هو الاعتزاز الرمزي بأسمائهم، بينما هم يذوبون فعلياً في الكود السلطوي للصباريم الإشكناز. يتم قبول الشرقيين في نهاية الأمر بداخل الإشكناز، الذين يتعلمون الاعتراف بمميزاتهم، هم يتأشكزون (أي يصبحون مثل الأشكناز)، ويتم تقليص تراثهم التاريخي المعقد إلى درجة الفولكلور الساحر. في”كازابلان” القائم على مسرحية يجئال موسينزون التي تعود للخمسينيات، وتحولت إلى مسرحية غنائية في الستينيات، يكشف بطل الفيلم (يهورام جاؤون) عن كونه جديراً بحب الصبارية، البولندية (إفرات لافي)، وأنه برغم كل شيء فهو ليس “حيوان أسود[10]“، على العكس، فهو رجل مستقيم “محترم”، كما يشهد عليه ابن طائفته من الحي (أرييه إلياس). ببطء يكشف الفيلم أمامنا عن قائد العصابة الساحر، كازابلان، ويكشف عن أنه بطل حرب 1967 الذي عرض نفسه للخطر من أجل قائده، ابن الطبقة العليا. عندما تتعرف الصبارية/ البولندية وسائر عائلتها على طيبة قلبه ووطنيته، يصبح ارتقاؤه في السلم الاجتماعي شيئاً شرعياً، مثله مثل الاحتفاء المأمول بالتئام/ تمازج الزوجين.

أدوار العرب تم منحها في هذه الفترة للممثلين الشرقيين. هكذا نجد ما يشبه إعادة الموضعة  الإثنية في منحدر السلم الثقافي، تغيير يتم فيه سلب العرب  والشرقيين على حد سواء حقهم في تمثيل ذاتهم. في السينما، مثلما هو الحال في مجالات أخرى، كانت المؤسسة هي التي أعطت لنفسها الحق في الحديث باسم الشرقيين.

بعد ثورة “الفهود السود”، تم السماح للشرقي بإطلاق احتجاجات حذرة، مثلما في غضب سلومونيكو على الرأي المسبق ضد الشرقيين وعلى الحصص المخصصة للمهاجرين الجدد الإشكناز بدلاً من أن يتم منحها للمهاجرين الشرقيين الفقراء الذين جاءوا منذ ثلاثين عاماً. (في عصر الليكود، فإن الشرقي أصبح يظهر اعتزازاً معيناً برفضه لأشكزة اسم عائلته من أجل الصعود في السلم الاجتماعي، مثلما في “شرجا الصغير”، لزئيف ريفاح، وكذلك بتفضيله، على نقيض تاريخ أفلام “البوريكاس”، فتاة سفاردية من كريات شمونه، على الإشكنازية الغنية من تل أبيب). مع هذا، فإن الاحتجاج في أفلام مثل “سلومونيكو” و”كازابلان”، يميل لأن يتم التعبير عنه بشكل سطحي ليس إلا، وفي النهاية، فالنقد، وهو غير سلس بالأصل، يصبح غير ذي صلة بسبب أيدولوجية التكامل– كأنما يكفي الزواج والأشكزة لأجل تغيير منظومة السلطة السياسية والاقتصادية. بالضبط مثلما أن السياسيين الإسرائيليين وعلماء المجتمع يباركون الزواج بين الطوائف (وهو يبلغ اليوم حوالي 20%) كدليل على أن المشكلة الطائفية في طريقها للاختفاء، فكذلك أيضا الـ”هابي إند” بأفلام “البوريكاس” يشجع الحل “الأسطوري” والذي يدعم، في الواقع، الوضع الراهن. حيث في الواقع، فإن عدم المساواة في الجيل الثاني أضخم مما كان في الجيل الأول، فنفس العملية التي خلقت تقسيم العمل الطائفي في السنوات المبكرة من الخمسينيات والستينيات هي التي وضعت المنظومات التي تقوم بإعادة إنتاج تقسيم العمل الطائفي وعدم المساواة.

برغم هذه التوجهات العامة، يمكننا التأكيد أن أفلام “البوريكاس” لم يتم صبها من عجينة واحدة. بينما أفلام زئيف ريفاح تؤكد على المحاكاة الساخرة وعلى ألعاب “القلب” الكرنفالية، وأفلام جورج عوفديا تخلق مناخاً شبيهاً بـ”ألف ليلة وليلة” إسرائيلية، فيمكن القول عن صناع أفلام أخرى، مثل إفرايم كيشون، وبشكل خاص في كوميدياته مثل “صالح شبتاي” و”أربينكا”، ومناحم جولان، بشكل خاص في ميلودراماته مثل “بورتونا” و”ملكة الطريق”، يمكن القول عنهم بثقة شديدة جداً أنهم “يمشرقون الشرق”. بكلمات أخرى، فصناع الأفلام لا يميلون فقط لتشكيل الشرق كما يتخيلونه، وإنما أيضا لاستنساخ تفسير السلطة لـ”التخلف” الشرقي. أغلب أفلام “البوريكاس” قام بصنعها سينمائيون إشكناز، مثل مناحم جولان، إفرايم كيشون، يوئيل زيلبرج، بيريد شتاينهردت وبوعاز دافيدزون (عوفديا وريفاح هما استثناء القاعدة). عدم التوازن الطائفي هو قوي بشكل خاص في أفلام “البوريكاس” التي تعود للستينيات، وكانت فيها الغالبية الساحقة من المنتجين، الكتاب، المخرجين، الممثلين والموسيقيين، إشكنازا. أنتج جولان “صالح شبتاي” على سبيل المثال، وكيشون كتب السيناريو وأخرجه، والدور الرئيسي قام به توفول وجسدت إستر جرينبرج دور زوجة صالح. تم منح الأدوار الرئيسية في فيلم جولان “بورتونا” لأهوفا جورن ولجيلا إلماجور، أما دور الأب فقام به الممثل الفرنسي بيير برسار. في “إلدورادو” (1963) وفي “ملكة الطريق”، كانت جيلا إلماجور هي التي جسدت الدور النسائي الرئيسي للشرقية. أدوار العرب، في المقابل، تم منحها في هذه الفترة للممثلين الشرقيين. هكذا نجد ما يشبه إعادة الموضعة (displacement) الإثنية في منحدر السلم الثقافي، تغيير يتم فيه سلب العرب  والشرقيين على حد سواء حقهم في تمثيل ذاتهم. في السينما، مثلما هو الحال في مجالات أخرى، كانت المؤسسة هي التي أعطت لنفسها الحق في الحديث باسم الشرقيين. ومثل هؤلاء الباحثين الاستعماريين، والذين كانوا يؤمنون بأنهم فقط من يمكنهم الحديث، كأنهم كانوا “في مكان الآباء”، in loco parentis ، باسم  “البدائيين”، و”الأهالي”، في المجتمعات التي كانوا يدرسونها، فما فعله السياسيون الإشكناز، علماء المجتمع، الأدباء والسينمائيون هو أنهم أعطوا لنفسهم الحق في الحديث “باسم” الشرقيين.

كانت لهذه الأفلام انعكاساتها على الصورة العامة للشرقيين، فيما يتجاوز كثيراً إطارها السينمائي. تعبير “صالح شبتاي”، على سبيل المثال، أصبح جزءاً من اللغة اليومية وأصبح طريقة للإشارة إلى المهاجر الشرقي منذ الخمسينيات والذي يمر بفترة المعبرة- من أجل إيقاظ في نهاية الأمور السمات “الجوهرية” المتصلة بالشرقيـ/ـة الموجود/ة. كان هناك ميل لاستقبال الشخصيات الشرقية وسماتها كـ”حقائق”. تسللت الأيديولوجيا السائدة بواسطة هذه الأفلام حتى إلى صفوف الشرقيين/يات أنفسهم/ن، وكان كثيرون/ات منهم/ن قد استوعبوا/ن على مدار الزمن الآراء المسبقة المتجسدة على الشاشة – على سبيل المثال، بأن الإشكناز يتفوقون عليهم فعلاً من الناحية الثقافية ولذا فهم يستحقون وضعهم الثقافي الأكثر ارتفاعاً. بهذه الطريقة، فليس فقط أن “الغرب” قد أصبح هو الذي يقوم بتمثيل “الشرق”، وإنما أيضاً، في لعبة الانعكاسات الاستعمارية الكلاسيكية، أصبح الشرق يرى نفسه من خلال المرآة المشوهة للغرب.

كل هذا جاء لأجل التقليل من شأن الأهمية الإيجابية لأفلام تهتم بالشرقيين – بشكل خاص في سياق الستينيات، بينما مالت المنظومة السياسية لاعتبار الشرقيين غير موجودين، أو، في أفضل الاحتمالات، لاعتبارهم موجودين في فضاء خاو. في المدرسة، على سبيل المثال، لم يتم تدريس تاريخ وأدب يهود البلدان العربية والإسلامية إلا بصعوبة. كان الإعلام المطبوع ومحطات الراديو الحكومية تقوم بدعم الانطباع بغياب الشرقيين والاحتياج الضمني لـ”إعادة دمجهم” واستيعابهم في الكود الإشكنازي. حتى اليوم فإن الموسيقى الشرقية – برغم شعبيتها الشديدة بين الأغلبية الشرقية (وحتى بين العرب الفلسطينيين)– معزولة في جيتو خاص بها، مصنفة باعتبارها “فولكلورا”، على نقيض الموسيقى “العالمية”. شبكات البث لا تخصص إلا عُشر ساعات الموسيقى التي بحوزتها للموسيقى الشرقية.

تسللت الأيديولوجيا السائدة بواسطة هذه الأفلام حتى إلى صفوفف الشرقيين/يات أنفسهم/ن، وكان كثيرون/ات منهم/ن قد استوعبوا/ن على مدار الزمن الآراء المسبقة المتجسدة علىى الشاشة.. بهذة الطريقة فليس فقط أن “الغرب” قد أصبح هو الذي يقوم بتمثيل “الشرق”، وإنما أيضاً، في لعبة الانعكاسات الاستعمارية الكلاسيكية، أصبح الشرق يرى نفسه من خلال المرآة المشوهة للغرب.

في هذا السياق، فإن الحماس الشرقي لأي نوع من التمثيل السينمائي – حتى إن لم يكن الشرقيون هم من يمثلون ذاتهم – مفهوم جدا. وأصبح هو العنصر المركزي في نجاح أفلام “البوريكاس” المبكرة. يفترض الكثيرون أن الكوميديات فقط المقدمة عن هذا الموضوع هي ما كانت شعبية، ولكن في حقيقة الأمر، فحتى قبل “صالح شبتاي”، الفيلم الدرامي لجولان، كان “إلدورادو” مربحاً للغاية (265,000 ليرة إسرائيلية و- 618,000 مشاهداً). عجل نجاح هذه الأفلام من التوجه الصناعي لصياغة الشرقيين في سياق التوترات الطائفية، أما النقاد، كما رأينا، فلقد احتقروا أفلاماً باعتبارها “عديمة الذوق”، و”فجة”. لا يفاجئنا أن جمهور أفلام “البوريكاس” قد تضاءل في السنوات المتأخرة من السبعينيات، مع صعود الليكود للسلطة. الليكود، برغم أنه لم يقم بتحسين الوضع الحقيقي للشرقيين، فلقد قام بعدة إيماءات رمزية باتجاه الثقافة الشرقية. كان لانتصار الليكود تأثير نفسي جمعي هام، لأنه نجح في طرد حزب العمل من السلطة، وكان في السلطة منذ قيام الدولة ( وبشكل جنيني أيضاً في فترة الاستيطان)، واعتبرته الأغلبية الشرقية نظاماً نخبوياً يتخذ سياسة تمييزية ويظهر تعالياً إزاء الشرقيين. في المنعطف التاريخي بنهاية السبعينيات، فإن الليكود، ولتكن عيوبه على قدر ما تكون، قد أعطى شرعية معينة للتعبير الثقافي الشرقي، وهو الأمر الذي كانت نتيجته تضاؤل الاحتياج للإشباع النفسي الذي قدمته أفلام “البوريكاس” الهروبية والمثالية.

برغم أن أفلام التوثيق والدراما التوثيقة التي أنتجها صندوق هاكيرين هاكييمت بإسرائيل عرضت الشخصيات الشرقية بشكل تنميطي، كنماذج للتكيف على الحداثة، فقد كانت هناك أبعاد هامة لقرار السينما التجارية في الستينيات بالاستعانة بشخصيات رئيسية شرقية. أولاً، شرعية ظهور الشرقيين على الشاشة وانتشار هذه الشخصية في دور السينما الرئيسية المهمة، بشكل خاص في دولة شابة ذات صناعة صغيرة، يصبح فيها كل عرض لفيلم في دور السينما دافعاً للاحتفال الوطني، ولذا فتتم محاكمته وفق معايير أقل رصانة، بشكل خاص قبل السبعينيات. الأمر الثاني، إدراج الأبطال الشرقيين كان يرمز لاعتراف صناعة السينما بالقوة الاقتصادية للشرقيين كأغلبية سكان إسرائيل، وطاقة مشاهدي السينما بينهم هي أكثر ضخامة بسبب أعمارهم المتوسطة الشابة. هذه القوة الاقتصادية، ولتكن محدوديتها كما تكون، هي مهمة في دولة يقوم فيها وزير التجارة والصناعة بتشجيع صناعة السينما بواسطة فرض الضرائب على التذاكر المبيعة. الأمر الثالث، معنى الاعتراف بهذا الواقع الاقتصادي هو أن صناع الأفلام قد اضطروا للقيام بتنازلات معينة للجمهور الشرقي، ليس فقط بواسطة صناعة فيلم عن الشرقيين وإنما أيضا عن طريق إظهار تعاطف معين مع مشاكلهم. وفي عدة حالات– بشكل خاص في أفلام افرايم كيشون– فإن هذا التعاطف يأتي مصحوباً بنقد للمؤسسة. من هذه النواحي كانت الأفلام الروائية مختلفة عن أفلام الدراما التوثيقية المؤسسية، مثل فيلم باروخ دينار وليوبولد (آرييه) لهولا (مدينة الخيام). دينار بوصفه منتجاً وسيناريستاً ولهولا بوصفه مخرجاً قدما الفيلم لـ”كيرين هايسود”[11]– والذي اكتملت رؤيته الإنسانية الوصائية للشرقيين بصورة مثالية عن  المهاجرين الإشكناز والمؤسسة. “الحكمة” الأخلاقية في القصة، كما يتم حكيها بأسلوب الواقعية الاشتراكية، هو أنه يجب تقدير السخاء المؤسسي في مساعدته لـ”المصهر”[12]، حظى الشرقيون بمديح بسبب هجرتهم الناجحة في المرتبة وحظى الإشكناز بالمديح بسبب التسامح الذي أظهروه تجاخ إخوانهم، الشرقيين الأقل تطوراً.

برغم الميل الفطري للجمهور الشرقي لصناعة السينما الشخصية، فحتى الأفلام التجارية، التي لا تطلبها المؤسسات، “قامت بمشرقة الشرق”، ورددت الشروح السائدة لـ”تخلف” الشرقيين. سواء كان هذا في الإطار العام للكوميديا، مثلما في “صالح شبتاي”، أو في إطار الميلودراما مثلما في “بورتونا”، فإن هذه الشروح قد تم تقديمها بدرجة كبيرة من وجهة نظر “إنسانية”، تعتمد على روح الشفقة الوصائية، وهكذا خلقت ما يمكن تسميته بالخداع البصري في المواقف الموالية للشرقيين. في أفلام كيشون بشكل خاص، فإن الساتورا المعادية للمؤسسة هي مضللة وتدعم هذا الخداع. التحليل النصي الدقيق لكوميديا “صالح شبتاي” وميلودراما “بورتونا”، وهما فيلمان رسخا سوياً أسس تمثيل الشرق، سوف يكشف عن المنظومة المبدئية من الصور الأسلوبية التي تم تفعيلها ومعالجتها مراراً وتكراراً في الأفلام التي جاءت بعد ذلك.

[10] شفارتسا حاياه، تعبير بالييدشيه يعني “الحيوان الأسود”، ويطلق على اليهود الشرقيين.

[11] المؤسسة المالية الرئيسية للهستدروت الصهيوني.

[12] المصهر عبارة توصف بها إسرائيل، حيث تقوم، وفقها، بدمج الجنسيات القادمة إليها من جميع دول العالم، وبالتحديد تصهر الشرقيين والغربيين في بوتقة واحدة.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.