تقليص الحيز الديمقراطي يتغلغل في محكمة العدل العليا

مقابلة مع المحامية والناشطة بمجال حقوق الانسان جابي لاسكي في اعقاب قرار محكمة العدل العليا الذي يمس بحق التظاهر. “موقف المحكمة في قضية التظاهرات يثبت بأنها تبنت الرواية المسيطرة الآن وبأنها بدأت تعمل بناءا عليها”.  
يونيت نعمان

 

المحامية جابي لاسكي التي تختص بقوانين حرية التعبير وحق التظاهر لا تتفاجأ بسهولة من قوة بطش الحكم. مع ذلك، ففي الأسابيع الأخيرة مع اتساع الاحتجاج مقابل منزل المستشار القضائي للحكومة وكم أفواه المتظاهرين، حتى هي ترى بأن الحديث عن تصعيد مقلق، وبأن تقليص الحيز الديمقراطي الذي نشهده بالسنوات الأخيرة قد وصل إلى محكمة العدل العليا: “نحن أمام عملية تدهور متواصلة وفي كل مرة يبدو لنا بأنه تم اجتياز المزيد من الخطوط. حتى مؤخراً كانت محكمة العدل العليا معقل الدفاع الأخير عن حرية التعبير في إسرائيل ولكن موقفها في قضية التظاهرات يثبت بأنها تبنت الرواية المسيطرة الآن وبأنها بدأت تعمل بناءا عليها”.

لاسكي، ناشطة مخضرمة بمواضيع حقوق الانسان وبنضالات نسوية واجتماعية وحائزة عل شارة حقوق الانسان على اسم ايميل جرينتسفيج لعام 2012 من قبل “جمعية حقوق المواطن”، أدارت على مدى السنوات ملفات ذات صيت جماهيري كبير وعملت كمستشارة قضائية للكثير من المنظمات الاحتجاجية، بينها محاكمة دافني ليف (التي انتهت بتبرئتها) وبقية نشطاء الاحتجاج الاجتماعي العاصف الذي شهدته البلاد عام 2011. هي تنظر إلى ما يحصل الآن في إسرائيل، وخاصةً قرار المحكمة العليا بخصوص ابعاد المظاهرات من امام منزل المستشار القضائي للحكومة إلى ساحة جورن في بيتاح تكفا، كجزء من ميول عالمية لتقليص الاحياز الديمقراطية. “كل من لديه دور في ترسيم حدود حرية التعبير يعارضها عملياً ويسعى إلى تقليصها”، تقول لاسكي وتضيف: “عندما جاء المتظاهرون ليحتجوا مقابل منزل المستشار القضائي للحكومة كان من المفترض بأن يكون هو أول من يقول: قد لا يكون هذا بالأمر اللطيف ولكن هذه هي الديمقراطية”.

حسناً، هناك ثمن للموقف الايديولوجي ولكن عندما يقومون بتشريع قوانين للمس اقتصادياً بمن يحمل موقفاً ايديولوجياً فذلك يعني أخذ منازلنا ومنع أولادنا من الحصول على تربية جيدة، باختصار هم يغلقون كل الحنفيات أمامنا.

لاسكي تحدثنا بأنها مثلت بالماضي بعض ممن نظموا المظاهرات مقابل بين دان حالوتس في تل أبيب عندما أشغل منصب قائد الأركان العامة ونجحت حينها في تبرئتهم. وفيما تتذكر المظاهرات الأسبوعية التي نظمت على مدى فترة طويلة مقابل منزل سلفان شالوم بموضوع الغاز، تقول: “بإمكاني أن أتفهم بأن يتم ابعاد المظاهرة بضعة أمتار من المنزل للحفاظ على خصوصية العائلة ولكن قرار المحكمة يثبت بأن الأيديولوجية التي تسعى إلى تقليص الحيز الديمقراطي تغلغلت حتى في تركيبة محكمة العدل العليا. والحديث ليس عن المركبات المحافظة التي عينتها الوزيرة شاكيد حتى بل عن المركبات الليبرالية التي كانت من وراء هذا القرار الصعب. في هذه الفترة بالذات كان من المفترض بهم بأن يكونوا المنارة وبأن يحموا الحقوق الليبرالية. صحيح بأن لدينا نقاش مر معهم حول الحقوق الاجتماعية، الاحتلال وغيرها من المسائل ولكن ماذا عن الحقوق الليبرالية؟ كيف تقوم المحكمة بتقليصها في هذه الفترة القاتمة بدل أن تقوم بمساندة حرية التعبير؟!”

كيف تفسرين الظروف التي سمحت بهذا التغيير في أروقة المحكمة؟

“تقليص الحيز الديمقراطي يتم بالسنوات الأخيرة بشكل واسع وعلى مستويات كثيرة. أولاً بواسطة التغييرات التشريعية: الحكم يقول عملياً بأن مبدأ حرية التعبير بمعناه الواسع يمس بقيم مهمة أكثر في نظره، لهذا فهو يعمل على تقليصه. هنا يدخل قانون النكبة، قانون الجمعيات، قانون المقاطعة، قانون القومية وغيرها. إلى جانب هذه هناك سيطرة رئيس الحكومة على وسائل الاعلام- بحيث تتحول هذه عملياً لبوق للنظام. في المقابل، يتم الصاق الألقاب المعيبة بكل من يجرأ على انتقاد الحكم، التشهير والاتهام بأكثر مخالفة خطيرة في قانون العقوبات (الخيانة). رئيس الحكومة والوزراء لا يخرجون ضد ذلك والمستشار القضائي للحكومة لا يحرك ساكناً. نحن نشهد منذ أشهر طويلة اعتقالات ولوائح اتهام ضد مواطنين فلسطينيين قاموا بالتعبير عن آرائهم، بهذه  الطريقة أو تلك، على شبكة الانترنت. أما عندما يقوم الجانب اليميني بالحديث ضد أعضاء كنيست، شخصيات عامة ونشطاء بشكل منفلت يصل حتى المناداة بالقتل فنرى بأن المستشار القضائي للحكومة لا يسرع لاتخاذ خطوات بل يجيز ذلك على أنه يبقى في نطاق حرية التعبير”.

تقليص الحيز الديمقراطي- اذا ما افترضنا بأنه كان هناك حيز كهذا أصلاً- هو بمثابة أخبار بائتة بالنسبة لمواطني إسرائيل الفلسطينيين وبالطبع بالنسبة للفلسطينيين في الأراضي المحتلة. هل نحن الآن أمام متلازمة مارتن نيمولر بحيث يبدأ المواطنون اليهود الذين لا يحتجون من أجل حقوق الانسان او من أجل المعتقلين الاداريين إنما ضد فساد الحكم بالشعور فجأة بوطأة الذراع القمعية للحكم؟

“صحيح بأن المس بحرية التعبير والتظاهر كان هنا دائماً، خاصة تجاه البدو والفلسطينيين، ولكن رافقه دائماً نوع من الخجل. كان يجب تبريره بالاشتباه بالعنف، المس بالنظام العام أو الخوف من أشعال الميدان. أي أن ما سمح بالمس بحرية التعبير كان ادعاءات بخصوص العنف، الأمن والنظام العام. اليوم لم يعد هناك خجل. يكفي بأن يكون هناك شك بإزعاج الجيران او تحفظ من المكان- بالقرب من بيت شخصية عامة”.

هل هناك تبرير قانوني لحالة المستشار القضائي مندلبليت؟

“لا توجد سابقة من هذا النوع. هناك قرار قديم لمحكمة العدل العليا بقضية ديان ولكنهم سمحوا بالتظاهر امام منازل الشخصيات العامة على مدى السنوات- كما في حالة سيلفان شالوم، يئير لابيد وغيرهم.

اغلاق الحيز الجماهيري لصالح هداوة بال الموظفين في سلك الخدمات العامة ظاهرياً ولصالح قمع الاحتجاج عملياً يكلف المتظاهرين ثمناً اقتصادياً كذلك.

في “قانون المقاطعة” الأصلي اعتبر كل من يقاطع الأراضي (المحتلة) أو ينادي بمقاطعتها كمن يقوم بمخالفة جنائية ومن الممكن بأن يقضي عقوبة السجن. عندما عدلوا القانون أسقطوا العقوبة الجنائية وتركوا الاقتصادية. أنا أعرف الكثير من الناس غير المستعدين لأداء عروض في الأراضي (المحتلة) أو لشراء منتجات أنتجت هناك ويريدون اشهار ذلك على الملأ وهم مستعدون لدخول السجن من أجل ذلك حتى ولكن هؤلاء سيسكتون اذا ما فرضوا عليهم عقوبات اقتصادية”.

العقوبات الاقتصادية ستمس بجماهير عديدة لديها الكثير لتخسره. الامهات الوحيدات، اصحاب الاعاقات،، الجماهير المقموعة الأخرى التي لا تستطيع السماح لنفسها بدفع ثمن اقتصادي على حق التظاهر. “من يخالف القانون أو يقوم بعمل معين على خلفية أيديولوجية يعرف عادةً بأن هناك عواقب لذلك، انظروا مثلاُ رافضات الخدمة العسكرية الذين يقضون عقوبة السجن. حسناً، هناك ثمن للموقف الايديولوجي ولكن عندما يقومون بتشريع قوانين للمس اقتصادياً بمن يحمل موقفاً ايديولوجياً فذلك يعني أخذ منازلنا ومنع أولادنا من الحصول على تربية جيدة، باختصار هم يغلقون كل الحنفيات أمامنا.

النظام لن يغير طرقه بمبادرته حتى اذا ما خرج نصف مليون مواطن إلى الشوارع. ربما سيقومون بتعديلات تجميلية فقط. اذا لم نقوم بإسقاطهم وبإقناع كل المتضررين من الحكم بتغييره، لن يحدث أي تغيير حتى اذا ما قمنا بالتظاهر بالآلاف كل أسبوع.

الجمعيات لا تستطيع الحصول على الأموال دون اجتياز العذاب البيروقراطي. أما الآن فلنفرض على المواطنين عقوبات ذات طابع اقتصادي، ونقول عن كل جسم يساعد هؤلاء المواطنين بأنه جسم خونة. هكذا نقوم بعزل المواطنين المحتجين. العقوبة المالية تبدو وكأنها العقوبة الأقل خطورة، لأن الحرية أغلى من المال، ولكن الحديث عملياً عن اسكات الجمهور. في المظاهرة مقابل بيت الوزير جلعاد اردان قاموا بتوزيع غرامات على المتظاهرين بقيمة 900 شيكل- من سيعود ليشارك بالمظاهرات اذا كان هذا ثمن المشاركة؟!”

عام على قضية ساره نتنياهو  

المظاهرات الأسبوعية مقابل منزل المستشار القضائي للحكومة لا تجري في فراغ. مر عام كامل منذ أن قدمت الشرطة توصياتها لمقاضاة ساره نتنياهو (زوجة رئيس الحكومة) بقضية “مساكن رئيس الحكومة”، والجمهور الذي ما زال ينتظر حتى الآن توقف عن الاعتقاد بأن المستشار القضائي والنائب العام سيقومون بما يتوجب عليه القيام به. “من المفترض بأن يتم انهاء ملفات التحقيق خلال سنة بحسب توصية المستشار القضائي السابق”، تقول لاسكي. “ولكن رأينا ماذا جرى في التحقيقات مع ليبرمان حيث لا توجد أدلة حتى بعد 16 عام. فيما يتعلق بساره نتنياهو وكل الملفات الأخرى هناك شعور سيء بأن الملف لا يتقدم لأن هناك من يأخذه في كل مرة ويضعه في أسفل الكومة. هناك من يقوم بشكل فعال بمنع انهاء هذه القضية. المستشار القضائي للحكومة- الذي أسميه المستشار العائلي للحكومة- يتصرف وكأنه محامي خاص للزوج نتنياهو ويترك الجمهور، بشكل محبط، معرضاً للفساد، لعدم المساواة أمام القانون، لإفساد المعايير الجماهيرية ولتقليص الحيز الديمقراطي.

من هنا بإمكاننا أن نتعلم بأن اقتراح وزيرة العدل للسماح للوزراء بتعيين المستشارين القضائيين للوزارات هو اقتراح مرفوض جوهرياً. يبدو وكأنها تغار مما يملك نتنياهو وتقول لنفسها “أنا أيضاً أريد مندلبليت لنفسي”. يجب ألا يكون هذا تعييناً شخصياً فوظيفة المستشارين القضائيين بأن يحافظوا على المصلحة العامة وليس على الوزير”.

من يحافظ على المصلحة العامة اذاً؟ ألم يبقى لدينا على من نعتمد سوا على خالق الكون؟

“اذا مما نظرنا إلى أصحاب المناصب الهامة في جهاز فرض القانون فلن نرى إلا العتمة. لا توجد أية شخصية بإمكاننا أن نقول بأنها تحافظ على المصلحة العامة. لا توجد شخصيات مؤثرة منحازة للمصلحة العامة. هناك صراع بين وزيرة العدل وبين محكمة العدل العليا. بشكل طبيعي نحن ندعم المحكمة العليا ولكن على هذه أيضاً أن تدعمنا. لقد نجحت الوزيرة حتى الآن وقامت، بالتعاون مع نقابة المحامين، بتعيين عدد من القضاة من طرفها وهي تنوي الاستمرار بذلك.

لدي الكثير من النقد على قرارات المحكمة العليا ولكنني ما زلت أقبل استقلالية القضاة وبأنهم قادرون على الغاء القوانين وبأننا نحيى في مجتمع يعتمد على مبدأ التوازن والكبح. الحكومة تريد الغاء المحكمة التي تعمل بناءا على هذا المبدأ. بحسب خطة الحاكمية لشاكيد فالجميع يعمل لدى الوزراء وهؤلاء يقولون الكلمة الأخيرة- حتى اذا كانت هذه مناقضة لحقوق الانسان وحتى اذا كان ثمن ذلك المس بالأقليات أو بالمبادئ الدستورية”.

في حال لم نعي ذلك مسبقاً، يبدو بأنه لم يعد هناك سبب لأن نسمي أنفسنا “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.

صحيح، ولكن ماذا بإمكاننا أن نفعل؟ أولاً يجب الخروج للتظاهر. يجب اقناع المحكمة العليا بأنها أخطأت بقرارها. من وظيفتها بأن توسع حق التظاهر مجدداً او أن تحمي الناس الذين يخرجون للتظاهر. أنا محامية منذ سنوات كثيرة ولكني لا أعتقد بأن حلبة الصراع يجب أن تكون الحلبة القضائية”.

في أية ساحة اذاً يجب أن يجري الصراع؟ وماذا سيحصل أكثر من الاحتجاج الاجتماعي الذي أخرج نصف مليون رجل وامرأة إلى الشوارع في 2011؟

“الوضع هنا أصبح أسوأ منذ 2011 لأنهم أعادوا نفس النظام. النظام لن يغير طرقه بمبادرته حتى اذا ما خرج نصف مليون مواطن إلى الشوارع. ربما سيقومون بتعديلات تجميلية فقط. اذا لم نقوم بإسقاطهم وبإقناع كل المتضررين من الحكم بتغييره، لن يحدث أي تغيير حتى اذا ما قمنا بالتظاهر بالآلاف كل أسبوع. يجب أن نجعل حياتهم صعبة. يجب أن نقوم بالكثير من النشاطات الأخرى، بعضها قضائية وبعضها مدنية، لكي نصعب على هؤلاء الذين يريدون سرقة الدولة منا.

ربما يجب أن تكون هناك شخصيات جماهيرية تخرج لتقول: تعالوا لتتظاهروا مقابل منزلي لكي يتم تسخيف كياسة المستشار القضائي والآخرين. ربما اذا تم اعتقال الكثير من الناس سوية وإدخالهم للسجن حتى تعبئة المعتقلات والمحاكم، لأنهم لم يسمحوا لنا بالتظاهر، ربما عندها سيكون هناك تغيير- أيضاً بتعامل الشرطة وأيضاً بتعامل المحاكم. باختصار، يجب تغيير النظام فهو خطير جداً بحق”.

وسوم:
التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.