صدقوا ما تراه أعينكم: هكذا يبدو الاحتلال!

شعور الجمهور الإسرائيلي بالصدمة حيال تسجيل الفيديو الذي يظهر اعدام الشابة الفلسطينية نوف انفيعات يثير الذهول، وان دل على شيء فيدل على محاولة لإنكار الواقع: فكيف تصورتم الاحتلال حتى الآن؟ هذا ما كان وما سيكون.
دالية الحلبي

 

في يوم الخميس الأخير نشر على الشبكة تسجيل الفيديو المروع من حاجز “مافو دوتان” والذي يظهر اعدام الشابة الفلسطينية ابنة ال-16 عام، واسمها نوف انفيعات، من بلدة يعبد. “فلسطينية طعنت جندياً هذا الصباح على بوابة مستوطنة “مافو دوتان” فتم اطلاق النار عليها”، قالت الأخبار. “اصابة الجندي طفيفة وتم نقله إلى مستشفى “هيلل يافيه”. الشابة تم اخلائها بوضع حرج وتوفيت بعد بضعة ساعات متأثرة بإصابتها”. في تسجيل الفيديو، تظهر الشابة ممدة على الشارع وهي تنزف بينما يقف من حولها جنود شباب مسلحين، لا يرتدون الزي العسكري، يسبونها بفظاظة ويتمنون لها الموت. “ليتك تموتي يا ابنة الألف زانية”، “ولتعاني يا قحبة” وهلم جرا. لم يفكر أحد في ايقاف قنص الساحرات هذا. لم يظهر أحد أية ذرة من الرحمة.

ومرة أخرى ارتفعت أصوات الصراخ وسط الجمهور في إسرائيل وعدم تصديق ما تراه العيون.

صحيح بأن مشاهدة تسجيل الفيديو صعبة ولكن يجب الاعتراف بحقيقة بسيطة: لم يتغير أي شيء في أحوال الاحتلال، هذا ما كان وما سيكون. الأمر الوحيد الذي تغير هو بأن أناساً مجهزين بهواتف ذكية تحولوا لموثقين “جيدين بما فيه الكفاية” لالتقاط مشاهد “جيدة بما فيه الكفاية” توثق ببرود أعمالاً “جيدة بما فيه الكفاية” لإحتلال “جيد بما فيه الكفاية”!

الشعور بالصدمة حيال هذة المناظر، والتساؤل كيف يستطيع أناس “عاديون” التصرف بطريقة وحشية بهذا الشكل وغير انسانية، هي ردود فعل تثير الذهول قليلاً وتدل ربما على محاولة لإنكار الواقع والانقطاع عنه عمداً: فكيف تصورتم الاحتلال حتى الآن؟ ما هي الممارسات التي مكنتكم من السيطرة على ملايين المواطنين والمواطنات حتى الآن؟

كون الشعب شعب محتل يعني بناء منظومة مزيتة من التخويف والعقاب، السيطرة على تفاصيل الحياة الأساسية والصغيرة للسكان المدنيين، فرض التهديد الدائم واستغلال ضائقة الناس البسطاء لتحويلهم إلى متعاونين ومخبرين. هذا يعني استغلال العمال الذين يصبح جل هدفهم الحصول على تصاريح عمل والانتظار، بازدحام واكتظاظ مروع، على بوابات الدخول للأرض المنشودة. للحفاظ على منظومة مسمدة بهذا الشكل لا يكفي اختراع القوانين والإجراءات، لا يكفي بناء الجدران وتجهيزها بأنظمة انذار متطورة، ولا يكفي كذلك تشغيل كتائب من المقاتلين المجهزين بأكثر الأسلحة تطوراً مع تصريح، معلن وضمني، للقيام بكل شيء من أجل احكام سيطرة دولة إسرائيل على حوالي ال-5 مليون رجل وامرأة.

للقيام بذلك، يجب بالدرجة الأولى تكريس خطاب من الكراهية لا يرى انسانية الآخر ويتعامل معه على أنه الشرير المطلق الذي يكون كل هدفه في الحياة “ابادتنا”. وها نحن نعيش في المعادلة الأبدية ل”الأخيار” الذي يخوضون الحرب التي لا مفر منها ضد “الأشرار” الذين فقدوا انسانيتهم، وفي هذه المعادلة كل شيء أصبح مسموحاً وشرعياً.

لكل هؤلاء الذين يدعون بأنه لا شريك للسلام، وبأن الشعب الفلسطيني لا يسعى للسلام “مثلنا”، أريد أن أقول لكم- هذا صحيح بالتأكيد! لا يمكن التعامل مع كلا طرفي الصراع كطرفين متساويين يشتركان بشكل كامل في المسؤولية على العملية. فلا يوجد هنا تبادل ولا توازن. هناك طرف محتل وطرف آخر يتم احتلاله، وهذه هي الحقيقة البسيطة. ليس بإمكان الشعب الفلسطيني أن يريد السلام في هذه المرحلة لأنه يريد، بالدرجة الأولى، الحرية والاستقلال. يريد أن يستعيد كرامته التي سحقت، عزته كشعب حر. يريد أن يتحرر من عبأ الاحتلال والسيطرة الذي أفسد روحه بدرجة معينة. الشعب الفلسطيني لا يريد السلام- بل يريد الحياة.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.