"الكود الأخلاقي" في خدمة اليمين

 آسا كاشير يجيز، أخلاقياً وعملياً، ما تحلم به منظمات اليمين التي تحاول تقليص الحرية الأكاديمية منذ سنوات، تشجيع الرقابة الذاتية والإبهام المتعمد. ملاحظات على الكود الأخلاقي الذي ينوي وزير التربية فرضه على المحاضرين في الجامعات.
يوسي دهان

 

في بداية الوثيقة “كود أخلاقي للسلوك اللائق بالمجالات المتداخلة للنشاط الأكاديمي والنشاط السياسي” التي قدمها البروفيسور آسا كاشير لوزير التربية نفتالي بنيت يؤكد كاشير بأن “القواعد الموصى بها فيما يلي تعكس السلوك اللائق ولا تحمل أية دلالات حول الوضع القائم”. يتشابه هذا الادعاء مع ادعاءات وزيرة العدل اييلت شاكيد وأعضاء الكنيست الذين بادروا إلى “قانون الجمعيات”، الذي يقيد حرية التنظيم وسط جمعيات اليسار، الذين قالوا في حينه بأن القانون لا يدل على الوضع القائم إنما جاء ليعزز الشفافية ولينظم السلوك اللائق لمنظمات المجتمع المدني بمجال الجمعيات. هذا التظاهر بالسذاجة يسمح لكاشير بعرض نفسه والوثيقة بصفة الحياد السياسي وليس كمن تم تجنيده لوضع وثيقة من أجل مرسله وزير التربية يكون هدفها تقييد الحق بالحرية الأكاديمية في “الأكاديميا اليسارية”.

الحديث عن وثيقة متهاونة تنطوي على تعريفات مبهمة، عدم وضوح وتناقض، ولا يأتي ذلك سهواً على ما يبدو. الإبهام والتناقض يسمحان للحكم وللسلطات الجامعية باستغلالها لقمع أي تعبير أو نشاط سياسي لا يروق لهم.

ببساطة توجهوا اليه فتجند للمهمة للمساهمة بخبرته ولا علاقة لذلك بتاتاً ب”الوضع القائم”. أي صدقوه بأن لا علاقة للوثيقة بحملة الملاحقة للأكاديميين الذين يحملون توجهاً سياسياً معيناً، بمحاولة اغلاق أقسام أكاديمية على خلفية سياسية، وبأن هذا ليس جزءاً من “احكام السيطرة القانوني” الذي يهدف إلى اضعاف أي مركز مستقل ينتقد الحكم: منظات المجتمع المدني، محكمة العدل العليا، مراقب الدولة، المستشار القانوني للحكومة، الإعلام، المؤسسات الفنية، الغاء كتب معينة بجهاز التربية والتلقين القومي، خطوة أخرى لتحويل الديمقراطية الإسرائيلية لديمقراطية فارغة يميزها استبداد الأغلبية.

هذه الوثيقة تستلزم تحليلاً معمقاً وواسعاً ولكن قبل مناقشة التهديد الذي تشكله على الحرية الأكاديمية في إسرائيل لا بد من الاشارة بأن الحديث عن وثيقة متهاونة تنطوي على تعريفات مبهمة، عدم وضوح وتناقض، ولا يأتي ذلك سهواً على ما يبدو. الإبهام والتناقض يسمحان للحكم وللسلطات الجامعية باستغلالها لقمع أي تعبير أو نشاط سياسي لا يروق لهم. ليست صدفة كذلك بأن بنيت راضي جداً عن الوثيقة التي وضعها خبير السلوكيات الأخلاقية كاشير. أنا لست بصدد الدفاع بشكل مطلق عن سلوك الأكاديميا الإسرائيلية بكل ما يتعلق بحرية التعبير والحرية الأكاديمية- فكما تشير يوفي تيروش فإن توصية مجلس التعليم العالي لمنع النساء من تدريس الرجال المتدينين الأرثوذكسيين تمس بمبدأ تكافؤ الفرص وبحريتهن الأكاديمية، وكما يشير دوتان ليش بدوره فلا توجد هيئة تدريسية متنوعة أكثر من تلك القائمة على أساس التفوق بحيث تشمل النساء، العرب والشرقيين بنسب أكبر. لا حاجة بتقليص الحرية الأكاديمية أكثر بل أن العكس هو المطلوب.

الوثيقة تعنى بالأساس بمنع الخلط بين ما تعرفه ك”نشاط سياسي” و”نشاط أكاديمي”، لهذا فمن المهم جداً معرفة كيفية تعريف “النشاط السياسي”  الذي تتعامل معه الوثيقة على أنه ممنوع- فكلما كان تعريف “النشاط السياسي” أوسع كلما تقلص حيز الحرية الأكاديمية للمحاضرين والمؤسسات. سوف أتطرق فقط لواحد من المركبات الثلاث ل”النشاط السياسي” الذي تعرفه الوثيقة على هذا النحو:

“كل نشاط ينم عن تأييد مباشر لموقف معين حيال جدل جماهيري معروف يتم التعبير عنه بشكل مستمر في الكنيست والخطاب العام وله علاقة واضحة بحزب أو أحزاب، في الكنيست أو خارجها، أو معارضة مباشرة لهذا الموقف بشكل صريح.”

مما يعني أية مقولة لمحاضر خلال الدرس حول موضوع جدلي على المستوى الجماهيري ذو علاقة بحزب أو أحزاب (ليس من الواضح ما معنى التعبير الأبله “علاقة بحزب” فمن الصعب ايجاد مواضيع جدلية على المستوى الجماهيري لا تكون للأحزاب بالكنيست علاقه بها)، وحول نزاعات سياسية، اجتماعية، ثقافية واقتصادية. يتم تفصيل هذه التعليمات بشكل أكبر في البند الذي يفرض التقييدات على ابداء المحاضرين لرأيهم خلال الدروس. هكذا، على سبيل المثال، يجيز كاشير، أخلاقياً وعملياً، ما تحلم به منظمات اليمين التي تحاول تقليص الحرية الأكاديمية- وخاصةً “ام ترتسو” و”مرصد الأكاديميا الإسرائيلية”- منذ سنوات: بحسب الكود الأخلاقي سيضطر المحاضر إلى التجاوب مع طلب احد الطلاب لتوضيح أقواله التي تبدو للطالب كنشاط سياسي وبين فرع المادة الأكاديمية ومنهاجها. أي أن المحاضرين سيضطرون من الآن وصاعداً أن يشرحوا، أو يعتذروا، في كل مرة يطلب منهم أحد الطلاب أن يوضحوا لماذا لا تعتبر أقوالهم نشاطاً سياسياً وأن يفسروا كيف ترتبط هذه بمحتوى المادة الأكاديمية، وسيكون على “عضو الهيئة التدريسية القيام بذلك بشكل موضوعي، مفصل ومؤدب أو أن يتعرف بخطئه”.

كاشير يذكر بأن الوثيقة لا تحمل مكانة قانونية أو على مستوى اجراءات الطاعة بل أن جوهرها تربوي لكن ذلك لا يمنعه لاحقاً من ادخال تعليمات تعطي المؤسسة صلاحية لاتخاذ خطوات أخرى بحسب ما تراه مناسباً- وهي الخطوات التي لا تقتصر على المجال التربوي بالطبع. أفترض بأن المستشار القانوني لوزارة التربية راضي من هذه الجملة لا سيما وأنها تفسح مجالاً واسعاً أمام المؤسسة لاتخاذ خطوات شديدة أكثر بمجال الطاعة.

الحق في حرية التعبير المدمج في الدستور الأمريكي يجيز النشاط السياسي في الاحرام الجامعية تحت تقييدات المكان، الزمان والشكل. بينما الكود الأخلاقي الذي ألفه كاشير يسمح للمؤسسة الأكاديمية أن تمنع النشاط السياسي للطلاب في الحرم، الأمر الذي قد لا يكون قانونياً أساساً.

هذا الكود يشتمل على تعليمات اشكالية كثيرة ليس فقط على المستوى الاخلاق انما أيضاً العملي. هكذا في الفصل الذي يتحدث عن “المؤتمرات” كتب بأن بإمكان أية وحدة أكاديمية أن تنظم المؤتمرات بتشكيلة واسعة من المواضيع أما في حال تعاطى موضوع المؤتمر مع تشكيلة ضيقة فعلى الوحدة أن تذكر ذلك بوضوح. كمل قلت سابقاً ليس من الواضح ماذا يعني ذلك عملياً، ربما بأن تذكر في الاعلان عن المؤتمر أيضاً المواضيع التي لن يتم الحديث عنها؟ الأكيد بأن هذه التعليمات ستكون كالتهديد الذي يحوم فوق رؤوس المحاضرات والمحاضرين قبل عقد أي مؤتمر أكاديمي وستشجعهم على تطوير آلية من الرقابة الذاتية.

ليس من المفاجئ بأن الكود يخصص فصلاً للعيادات العاملة في الجامعات: الهدف السياسي هو بالأساس العيادات القانونية ولو أنها لا تذكر في الوثيقة مباشرةً. هذه العيادات تثير غضب وزير التربية والحكم منذ سنوات. نشاطها القانوني والاجتماعي من أجل حماية حقوق الانسان وهؤلاء الذين يتواجدون في أسفل السلم الاجتماعي والاقتصادي- الفقراء، العاطلين عن العمل، المواطنين العرب، الفلسطينين بالأراضي المحتلة، الأسرى والمعتقلين، معدومي السكن، طالبي اللجوء والعمال المستضعفين الآخرين- النشاط الذي يدل على أمراض الديمقراطية الإسرائيلية يعتبر بمثابة نشاط سياسي غير شرعي، وأيضاً هنا يحاول الكود، بواسطة تعريفات مبهمة ل”النشاط السياسي”، أن يفرض سطوته على العيادات القانونية وأن يقلص نشاطها.

مؤلف الكود يفتخر بأنه قام بتأليفه بما يتوافق مع مبادئ الحرية الأكاديمية للمؤسسات الاكاديمية في الولايات المتحدة- وهو الادعاء المنقطع عن الواقع على ضوء جزء من توصياته. الحق في حرية التعبير المدمج في الدستور الأمريكي يجيز النشاط السياسي في الاحرام الجامعية تحت تقييدات المكان، الزمان والشكل. بينما الكود الأخلاقي الذي ألفه كاشير يسمح للمؤسسة الأكاديمية أن تمنع النشاط السياسي للطلاب في الحرم، الأمر الذي قد لا يكون قانونياً أساساً. تعليمات أخرى تمس بالحرية الأكاديمية تتعلق بالمنع الذي يسري على المحاضرين ليس فقط فيما يتعلق بتأييد المقاطعة الأكاديمية ومطالبة الآخرين بتأييد المقاطعة إنما أيضاً بانتقاد سلوك الجامعة التي يعملون فيها.

كاشير لا يكتفي بتنظيم سلوك المحاضرين داخل الحرم انما يوسع النطاق ليشمل نشاط المحاضرين خارج الأكاديميا بحيث يتوقع منهم “اظهار رباطة جأش لائقة”. مرة أخرى، لا توجد لصاحب العمل صلاحية للتدخل في حرية تعبير العامل خارج مكان عمله. كاشير أثبت مرة أخرى بأنه بالإمكان الاعتماد عليه لتبييض أي ظلم بغطاء أخلاقي. لكن هذا مهم بدرجة أقل- المهم حقاً ماذا سيكون رد المحاضرين والمحاضرات ومؤسسات التعليم العالي في إسرائيل على هذه الوثيقة المتهاونة والخطيرة.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.