شتان ما بين التربية السياسية والأيديولوجية

التربية السياسية ليست خالية من المواقف والقيم ولكنها تعارض أية نوع من الدعاية، غسيل االدماغ أو الغاء امكانية النقاش والحوار: الخوف يجب أن يكون من التربية الأيديولوجية التي تقدس الرواية الواحدة والوحيدة. لرعاية البروفيسور آسا كاشير.
فرديت دماري مدر

 

تقرير آسا كاشير يخيفني. بحق. ليس فقط كمحاضرة وكمربية وكمن تشعر بأن حيز حرية التعبير اضيق امامها بالسنوات الأخيرة إنما بالأساس بسبب التوجهات التربوية التي تقف في مركزه. شعوري بأن هذه هي الخطوة القادمة; بعد التأثير على المناهج التعليمية في المدارس ورياض الأطفال، حان الوقت لفرض القيود على الرأي والفكر في حقل التعليم العالي.

بحسب ما كتبه كاشير في مقدمة الكود لأخلاقي المقترح، أفترض بأن ما جعله يتجند لمهمة كتابة الكود كان التخوف من استغلال المحاضرين والمحاضرات للمنصة التي يحتلونها لكي يفرضوا وجهات نظرهم وآرائهم السياسية على الطلاب، وهو التخوف المتزايد خاصة على خلفية كون الطلاب “جمهور أسير”.

اذا كانت هذه هي الحال فخسارة بأنه خطى وجعلنا تخطو في دروب المكارثية. كان من الأبسط ومن الأفضل معرفة الفرق الذي أشار اليه باولو فريري بين التربية الايديولوجية والتربية السياسية والعمل على تطبيق ذلك في الأكاديميا.

عدم التطرق لهذه القضايا هو فعل سياسي أكثر لأن السكوت لا يجعل المحاضر “حيادياً” حقاً بل مؤيداً وموافقاً على الواقع القائم وعلى مباني القوة المسيطرة عليه.

التربية السياسية هي تربية هدفها المركزي تطوير قدرة المتعلم على تشكيل موقف مستقل لا سيما قدرة على تحليل الواقع بشكل نقدي. التربية السياسية تشمل عملياً كشف الطالب على المصالح التي تقف من وراء القرارات، الآراء المسبقة التي تؤثر على السياسة، تأثير الرموز والضغط الذي يشكله رأي الجماهير على التوجهات الاجتماعية. التربية الايديولوجية، في المقابل، تسعى الى أن تغرس في الطالب ايماناً كاملاً وشاملا حول صحة حل واحد بحد عينه، يعرفه المربي مسبقاً، بينما يتم وسم كل الحلول الأخرى بوسوم سلبية. بكلمات أخرى، فإن التربية الايديولوجية تعرض رواية واحدة فقط وتلغي أية رواية مغايرة وتحولها إلى غير شرعية.

الفرق بين التربية الأيديولوجية والتربية السياسية ليس بأن احداها “حيادية” على عكس الأخرى التي تشمل مواقف أيديولوجية. فالتربية السياسية ليست خالية من المواقف والقيم بتاتاً لكنها تعارض أي نوع من الدعاية وغسيل الدماغ أو تبرير موقف واحد دون أية امكانية لإجراء نقاش أو حوار. يفترض بكاشير بأن يتخوف من التربية الايديولوجية وبحق لكن عليه أن يدعم التربية السياسية كتربية تثير الفكر وتشجع النشاط الجماهيري والمسؤولية الاجتماعية.

لكن عندما يشمل تعريف كاشير للنشاط السياسي المحظور“أي نشاط ينم عن تأييد مباشر لموقف معين حيال جدل جماهيري معروف يتم التعبير عنه بشكل مستمر في الكنيست والخطاب العام وله علاقة واضحة بحزب أو أحزاب، في الكنيست أو خارجها، أو معارضة مباشرة لهذا الموقف بشكل صريح” فإنه يخطأ بحق التربية السياسية.

النقاش حول قانون التسوية هو نقاش سياسي كذلك النقاش على قيمة مخصصات تأمين الدخل ومسؤولية الدولة تجاه الفقراء. حتى النقاش حول الاحتباس الحراري بهذه الأيام هو نقاش سياسي. الا أن عدم التطرق لهذه القضايا هو فعل سياسي أكثر لأن السكوت لا يجعل المحاضر “حيادياً” حقاً بل مؤيداً وموافقاً على الواقع القائم وعلى مباني القوة المسيطرة عليه.

تطبيق الكود المقترح سيؤدي إلى تربية ايديولوجية والتي هي عملياً وجه الدعايه السلطوية. المخيف بدرجة لا تقل عن ذلك هو بأن الكود سيمنع التربية السياسية التي تشكل المفتاح لمجتمع منفتح وصحي لا يخاف من النزاعات بل يكبر بفضلها. لرعاية الفيسلسوف كاشير الذي من المفترض بأنه يعرف شيء أو اثنان عن المجتمعات من كلا هذين النوعين.

المديرة المهنية لمركز التربية القانونية في الجامعة العبرية بالقدس.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.