حرب 1967 كرافعة للنمو، عملية السلام كمسببة للأزمة

مقتطفات من مقال الباحث دانيئيل دي ملآخ الذي يبحث في تطور الحركة الكيبوتسية، خاصة بعد حرب ال-1967 والتوسع الذي جلبته، من خلال التركيز على موقعها في إطار مشروع الاستيطان اليهودي في البلاد.
دانيئيل دي ملآخ

 

الحركة الكيبوتسية[1] هي ظاهرة اجتماعية فريدة تثير فضول الباحثين منذ سنوات طويلة. يتسحاق طبينكين، الذي تولى رئاسة حركة “الكيبوتس الموحد” لبضع عشرات من السنين، كان يحمل مفهوماً مبلوراً ومتكاملاً حول دورها وأهميتها. وكان يعتقد بأن “الكيبوتس هو جسم استيطاني. وطبقاً لتراتبية المزايا التي تشكل قيمته، تحتل هذه الميزة موقع الصدارة. إنها العلامة الفارقة الأوضح له، التي لا وجود له بدونها” (طبنكين 1974، 16). وعرّف طبنكين ماهية الاستيطان بأنها “الاستيلاء على مساحة من الطبيعة بغية العيش فيها” (طبنكين 1967، أ، 160). ولم يكن الاستيطان في نظره حالة سكونية ثابتة وجامدة، بل سيرورة دائمة ومتواصلة: “قمنا، كحركة، من أجل توطين البلاد بالاستيطان اليهودي. توطينها، وليس الجلوس فيها” (طبنكين 1981، و، 105).

هل حقاً كان ثمة استيطان يهودي في صلبه الاستيلاء على الأرض كعلامة مميزة واضحة للحركة الكيبوتسية؟ سأحاول في هذه المقالة تبيان أن الجواب على هذا السؤال هو بالإيجاب. التقلبات التي طرأت على هذه الحركة بعد العام 1967 تعكس التغييرات التي حصلت في آليات الدولة وأدواتها لتعزيز السيطرة اليهودية على الأرض. مجريات حرب الأيام الستة وعملية الاستيطان التي تلتها كانت، إلى حد بعيد، نتيجة للنشاط السياسي الفعال الذي مارسته القيادة الكيبوتسية. وفي هذه الادعاءات خروج عن المألوف المتبع في الأدبيات البحثية التي تمايز، عادة، بين تاريخ الكيبوتس وتاريخ الصراع اليهودي ـ العربي.

مسألة دور الكيبوتس في الصراع طُرحت للبحث السيوسيولوجي قبل أكثر من عشرون عاماً في البحث الذي أجراه غرشون شفير (Shafir 1989) وبيّن من خلاله أن مبدأ العمل الذاتي، الذي كان يُعتبر عماد الكينونة الكيبوتسية، قد تطور خلال العهد العثماني في دغانيا وبين مجموعات أخرى كجزء من الجهد العام لإقصاء الفلسطينيين عن سوق العمل الزراعي ولضمان السيطرة اليهودية على الأرض. وعلى ضوء التجربة التي تراكمت خلال تلك الفترة، أيدت المنظمة الصهيونية مبدأ العمل الذاتي حتى بعد تأسيس الانتداب وأقيمت على أراضي “الصندوق القومي اليهودي” (“كيرن كييمت ليسرائيل”) عشرات الكيبوتسات والموشافيم التي لم تشغّل عمالاً عرباً. وبفضل الطابع الجماعي للاقتصاد الكيبوتسيّ، تمتعت الكيبوتسات بأفضلية أمنية على الموشافيم فحظيت باعتراف ودعم متزايدين كلما احتدم الصراع اليهودي ـ الفلسطيني. “الكيبوتس”، يقول شفير، هو التجسيد الأوضح لاستراتيجية احتلال الأرض واحتلال العمل التي اعتمدها المستوطنون العاملون في أرض إسرائيل”( شفير 1993، 112).

تمثل أحد الدوافع للدعم الاقتصادي المتزايد للاستيطان التعاوني، كما يبدو، في التخوف من تشغيل عمال فلسطينيين في الزراعة. وقد تعزز هذا التخوف في أعقاب دمج سكان المناطق المحتلة في الاقتصاد الإسرائيلي.

في الأبحاث التي عالجت فترة ما بعد قيام الدولة، يمكن تحديد توجهين اثنين مختلفين بشأن ادعاء شفير حول دور الكيبوتس في الصراع على السيطرة اليهودية على الأرض. الباحثون النقديون حيال الاستيطان اليهودي تعاملوا مع هذا الدور باعتباره حقيقة معروفة[2]. وفي المقابل، لم تحظ هذه المسألة بأي بحث منهجي بين أوساط باحثي الكيبوتس المعروفين الذين تركزوا في بحث الكيبوتس بوصفه مجموعة تعاونية ولم يتطرقوا إلا لماماً إلى طابع الحركة الكيبوتسية الاستيطاني، إلى دورها في منع تشغيل العرب في الزراعة وإلى ضلوع قادتها في بلورة سياسة إسرائيل الإقليمية[3]. وقد برز هذا الميل بوجه خاص في الأبحاث حول فترة ما بعد 1967، والتي ورد فيها ذكر النشاط الاستيطاني الكيبوتسيّ في سياق الحديث عن إخفاقاته فقط[4]. وهو متربط، إلى حد ما، بالجهد البحثي القليل حول نشاط المنظمات الكيبوتسية القطرية (رزوزليو 1999، 17- 20؛ شبيرا 2013). ومع هذا، فحتى في المؤلفات التي أولت نشاط هذه المنظمات اهتماما ملحوظا، بقي الاستيطان موضوعا هامشياً بينما لم يحظ الصراع اليهودي ـ العربي بأي ذكر على الإطلاق، تقريبا[5].

أود، في هذه المقالة، فتح كوة للتجسير على الفصل، أو القطيعة، بين الأبحاث حول تطور الحركة الكيبوتسية بعد العام 1967 وبين الأبحاث حول الصراع اليهودي ـ الفلسطيني. نقطة انطلاقنا في هذا المبحث هي أن الطابع التعاوني للحركة الكيبوتسية حظي بدعم من الدولة على خلفية أفضليتها في مواجهة المصاعب الأمنية والاقتصادية ومساهمتها في تقليص عدد الفلسطينيين العاملين في الزراعة[6]. وعلى هذا، فقد كانت لدى القيادة الكيبوتسية مصلحة بنيوية في توسيع وزيادة إمكانيات الاستيطان الزراعي المرتكز على “العمل الذاتي”، وخاصة في المناطق الأطراف النائية.

التعافي في أعقاب حرب الأيام الستة

شكّل العقد الذي سبق حرب حزيران 1967 فترة معقدة وأزمويّة بالنسبة للحركة الكيبوتسية التي وجدت صعوبة جمة في التأقلم لحالة استقرار الحدود. وفي أواخر الخمسينات، مع انطلاق الاستخدام الأولي لاحتياطي الأراضي الزراعية التي استولت عليها الدولة إبان العام 1948، توقفت كليا، تقريبا، أعمال إنشاء مستوطنات جديدة. توقفت الزيادة في عدد سكان الكيبوتسات، بل تقلص العدد وشهد الوضع المالي في الكيبوتسات تدهورا ملحوظا (روزوليو 1999، 90؛ حكيم 2009، 97- 99). وفي العام 1957، قامت الحكومة، التي أدركت مدى مساهمة الكيبوتسات في تحقيق السيطرة اليهودية على الأرض وتخوفت من انخراط عمال عرب في العمل الزراعي، بتعيين لجنة شعبية برئاسة محافظ “بنك إسرائيل” (البنك المركزي في إسرائيل)، دافيد هوروفيتس، لوضع مقترحات وتوصيات بشأن السبل الكفيلة بتحسين ربحية القطاع الزراعي. وقد دعت هذه اللجنة في توصياتها إلى تسوية ديون المستوطنين (الكيبوتسات والموشافيم)، تعزيز الرقابة عليهم، إعتماد اعتبارات الجدوى الاقتصادية والتخصيص المدروس للحصص الانتاجية (لجنة هروروفيتس 1960). وفي بداية الستينات، أثمر تطبيق التوصيات بتحسين ربحية الزراعة، بلوغ الكيبوتسات حالة من الاستقرار المالي وتقليص جدي في تشغيل عمال أجيرين في هذا القطاع[7]. وفي المجال الديمغرافي، أيضا، تم لجم الأزمة الكيبوتسية وفي العام 1967، بلغ عدد السكان في مجمعات الحركة الكيبوتسية 82,000 نسمة، ما يعادل ـ بل يفوق ـ عددهم قبل ذلك بعشر سنوات، رغم أن عدد الكيبوتسات بقي على حاله ولم يتغير إطلاقا، تقريبا، خلال العقد المذكور.

على الرغم من لجم الأزمة الخطيرة في الكيبوتسات في بداية الستينات، بقي ميزان الهجرة سلبيا حتى العام 1967 ولم يتحقق الاستقرار في عدد السكان إلا نتيجة تحويل عدد من أبناء الكيبوتسات إلى أعضاء جدد (بافين 2004). وكان ثمة من لاحظ في تلك الفترة ظاهرة الانتقائية السلبية بين السكان وميلاً للهجرة لدى الأكثر كفاءة من بينهم (Bettelheim 1969, 28). وحيال مصاعب الحركة في إيصال الكيبوتسات الصغيرة إلى حالة من الاستقرار وفي إقامة كيبوتسات جديدة، فُسِّر الاستقرار في تلك الفترة بكونه جموداً وعبر العديد عن القلق على مستقبل هذه الكيبوتسات (Ben-David 1964).

استولت إسرائيل في حرب الأيام الستة على مساحات إضافية أخرى من الأراضي وتهيأت فرص جديدة للتوسع الإقليمي الثابت. وعملت الحكومة الإسرائيلية، برئاسة حزب “العمل”، على استغلال هذه الفرص وتحقيقها من خلال الاستيطان في المناطق المحتلة، إذ تركز المجهود الاستيطاني في إقامة كيبوتسات وموشافيم جديدة كانت قادرة على تكريس السيطرة على أراض واسعة، نسبيا. وكما سأبين لاحقا، تمثلت النتيجة في إنجاز انتعاش دراماتيكي في الحركة الكيبوتسية وازدهار اقتصادي وديمغرافي لم يكن يتوقعهما أحد قبل الحرب. خلال السنوات 1967 – 1977، أقيمت في هضبة الجولان، غور الأردن، “غوش عتصيون”، سيناء ومشارف رفح 19 كيبوتساً، 12 موشافاً تعاونياً و 31 موشاف عمال (أدموني 1992). غالبية هذه المستوطنات الجديدة بدأت طريقها كمراكز تابعة لـ”الناحال” (الشبيبة الطلائعية المحاربة) ومن أجل تعزيزها وترسيخها، تمت زيادة عدد المجندين لهذا اللواء وخُصص جزء من خدمتهم العسكرية للتواجد في الكيبوتس. وقد ساهم هذا التوسع في تنامي الكيبوتسات من الناحية الديمغرافية.

קיבוץ
كيبوتس شوفال، 1947 (تصوير زلطان كلوجر)

الجهود المتجددة لإقامة كيبوتسات وموشافيم إضافية أخرى وتعزيزها أحدثت انعطافة بعيدة الأثر في سياسة إسرائيل الزراعية. ففي العقد الذي سبق حرب 1967، كانت هذه السياسة موجهة لتحديد سقف الإنتاج وإعلاء أهمية اعتبارات الجدوى الاقتصادية. أما بعد الحرب، وخصوصا منذ العام 1970 فصاعدا، فقد شهدت هذه السياسة انقلابا بتوجيه الجهود، مرة أخرى، نحو زيادة الإنتاج على حساب ربحية الاقتصاد القومي[8]. وفي السنوات 1967 ـ 1980، تضاعف الدعم للزراعة أربع مرات، بالقيمة الحقيقية، وتضاعفت مرتين حصته من الناتج الزراعي من 40% إلى 80% (دي ملآخ 2002). وقد كانت هذه زيادة كبيرة ولافتة بشكل خاص حيال حقيقة تحسن أوضاع المستوطنين المالية في تلك الفترة، إذ كان التضخم المالي المتفاقم قد شطب، كليا تقريبا، الديون الباهظة التي كانت قد تراكمت عليهم خلال عقود سابقة (غولدشميت 1982، شفارتس 1995).

تمثل أحد الدوافع للدعم الاقتصادي المتزايد للاستيطان التعاوني، كما يبدو، في التخوف من تشغيل عمال فلسطينيين في الزراعة. وقد تعزز هذا التخوف في أعقاب دمج سكان المناطق المحتلة في الاقتصاد الإسرائيلي. وفي العام 1968، انطلقت جهود تشريعية رمت إلى منع هذا التشغيل، لكنها لم تكتمل، فيما نجحت المنظمات الكيبوتسية القطرية في منع حصول أية زيادة جدية في تشغيل عمال أجيرين في الزراعة (تسور 1979 – 1986، د، 325). أما في الموشافيم، في المقابل، فقد كان تشغيل الفلسطينيين أوسع بكثير. وفي محاولة لمواجهة هذه الظاهرة، أقرت في السبعينات أوامر جديدة عززت من قدرة الجمعيات التعاونية على مراقبة أعضائها (أدموني 1992، 112- 114؛ شفارتس 1995، 78). وفي موازاة ذلك، ساعدت المعونات الحكومية للزراعة في تحقيق مستوى معيشي أفضل، نسبيا، بين المستوطنين، على أساس العمل الذاتي أيضا.

رأت البنوك في الدعم السخي للزراعة التزاما من جانب الدولة بمنع إفلاس الموشافيم والكيبوتسات وكانت النتيجة أنها زادت بصورة دراماتيكية حادة حجم الاعتمادات المالية الممنوحة للزراعة، ابتداء من النصف الثاني من السبعينات (زوسمان وآخرون 1990؛ شفارتس 1995)[9]، ما أفضى إلى تعاون وثيق بين المنظمات الكيبوتسية القطرية والبنوك. فقد استعانت البنوك بهذه المنظمات لتجاوز الرقابة الحكومية على أنشطتها  والالتفاف عليها وللدفع نحو تعزيز النمو المالي في الاقتصاد (لجنة بيسكي 1986، 85- 103؛ روزوليو 1999)، بينما استثمرت الكيبوتسات من جانبها مبالغ طائلة في أسهم البنوك أدرّت عليها في السنوات 1987 ـ 1983 أرباحاً بنسبة بلغت نحو 20% سنويا، بالقيمة الحقيقية (لجنة بيسكي 1986، 225). وعلى هذه الخلفية، طرأ تحسن كبير وحاد في أوضاعها المالية حتى أنها نجحت، للمرة الأولى في تاريخها، في جمع رأسمال ذاتي كبير (حكيم 2009).

التحسن الذي طرأ على الوضع المالي في الكيبوتسات أدى في السبعينات إلى ارتفاع ملحوظ في مستوى معيشة أعضائها (حكيم 2009)، استيعاب أعضاء آخرين وتقليص الهجرة منها. وتبدل الجمود في عدد السكان بزيادة سريعة، من 82,000 نسمة في العام 1967 إلى 110,000 في العام 1980 (نير 2008، أنظروا الرسم البيان يرقم 1). وتجسدت الوجهات الإيجابية في هذه الفترة، أيضا، في غياب الانتقائية السلبية بين ابناء الكيبوتس، فيما تساوى المغادرون مع الباقين من حيث رأس المال البشري (نتان وآخرون 1981). وهكذا، فقد أدت انطلاقة الاستيطان التي تلت الاحتلال إلى انتعاش اقتصادي وديمغرافي في الحركة الكيبوتسية.

صعود الليكود إلى سدة الحكم في العام 1977 بشّر بتغيير في المطامح الإقليمية الإسرائيلية وفي سياسة الاستيطان في المناطق. وخلال المفاوضات مع مصر، وافقت الحكومة الإسرائيلية على الانسحاب حتى الحدود الدولية وإخلاء سيناء، بما في ذلك المستوطنات في مشارف رفح، والتي كانت معظمها موشافيم وكيبوتسات. ومع ذلك، أبدت حكومة الليكود تعاطفاً مع طموح عناصر مختلفة للاستيطان في مناطق محتلة لم تكن تتوفر فيها أراض زراعية تسمح بإقامة كيبوتسات أو موشافيم. وكان أبرز تلك المناطق في الضفة الغربية، في منطقة “ظهر الجبل” (هي المنطقة الشرقية من جبال نابلس) وفي التلال الواقعة إلى الشرق من القطاع الساحلي (“على بعد خمس دقائق من مدينة كفار سابا”). وقد تبنت الحكومة الجديدة، أيضا، إيديولوجية ليبرالية أولت أهمية كبيرة لمسؤولية الفرد عن عمله ومعيشته. وتبعا لهذا، عملت بصورة تدريجية على إزالة العوائق والقيود القانونية والإدارية التي أعاقت، حتى ذلك الوقت، إقامة مستوطنات ذات طابع مرن يمكن أن تتلاءم مع تطلعات المستوطنين الفردية وتلبيها (أفلبوم ونيومان 1989). ورغم هذا كله، ظل التغيير الفعلي في أنماط الاستيطان محدودا طوال السنوات الثلاث الأولى من حكم الليكود. في منطقة “ظهر الجبل” تأجلت إقامة مستوطنات جديدة حيال المفاوضات السياسية التي كانت جارية آنذاك، نشوب خلافات في الرأي في داخل الحكومة واستمرار الإجراءات القانونية المعقدة في تسجيل أراض إضافية أخرى كـ”أراضي دولة” (إلدار وزرطال 2004؛ Gordon 2008). أما في الجليل، فقد تأجلت إقامة مستوطنات غير تعاونية جراء عقبات وترددات من جانب الوكالة اليهودية (أفلبوم ونيومان 1989، 30). وفي المقابل، تواصلت انطلاقة إنشاء المستوطنات التعاونية، بل توسعت وتسارعت. فإلى جانب مستوطنات أخرى، أنشئت بين السنوات 1978 – 1980 كيبوتسات جديدة في الجليل، في النقب وفي غور الأردن كما تم توطين كيبوتس إضافي آخر في مشارف رفح (نير 2008، 543- 544). وعلى خلفية هذه الانطلاقة، استمر التحسن في وضع الحركة الكيبوتسية المالي وبلغ نجاحها في هذا المجال ذروته في العام 1980، في عهد حكم الليكود تحديدا.

تبدل الأولويات وفقدان الصدارة 

شكلت انطلاقة إنشاء المستوطنات الجماهيرية، إذن، تحولا دراماتيكيا حادا في تاريخ الصراع على السيطرة اليهودية على الأرض: بعد عشرات السنوات من احتلال الاستيطان التعاوني مركز الصدارة في هذا الصراع، انتقلت الأولوية إلى شكل استيطاني آخر.

كل نقطة تحول هي نقطة عشوائية إلى حد ما، بيد أن العامين 1980- 1981 مثّلا تغييراً جوهريا بعيد الأثر في النشاط الاستيطاني الإسرائيلي (أفلبوم ونيومان 1989، 32). ففي العامين المذكورين، أزيلت العوائق السياسية، القانونية والبيروقراطية الأخيرة التي أعاقت إنشاء وتعزيز مستوطنات غير تعاونية وسمحت الحكومة، للمرة الأولى، ببناء مستوطنات جديدة على طريقة “إبن بيتك”. المبادرة الجديدة التي أطلقتها الدولة للتوطين المكثف في الضفة الغربية حملت، فيما بعد، اسم “خطة المائة ألف” (هناك، 48) وعبرت عن الرؤية الاستيطانية المحدَّثة التي تبلورت كعبرة من إخلاء المستوطنات في سيناء ومشارف رفح. واعتُبرت الزيادة الكبيرة في عدد سكان المستوطنات ضرورة حيوية لتكريس السيطرة على المناطق، سوية مع ترسيخ الاعتقاد بأن المناطق المتاحة للتوسع الإقليمي بواسطة فلاحة الأراضي هي محدودة جدا. وبتأثير هذه الرؤية، تراجعت مكانة الاستيطان المتمثل بالكيبوتسات والموشافيم وأهميته.

أشكال الاستيطان الجديدة، المتنوعة، التي تطورت في أواخر السبعينات، ضمن سيرورة من التجريب والخطأ، تجمعت في بداية الثمانينات في نموذج جديد: “الاستيطان الجماهيري”. ففي المستوطنات من هذا الصنف، مُنحت مجموعة المؤسسين حق اختيار المستوطنين الجدد المنضمين إلى المستوطنة، مما أتاح المحافظة على تجانس قومي، بل إثني ـ ثقافي في بعض الحالات أيضا. ومقابل ذلك، لم تُفرض أية قيود على مصادر رزق المستوطنين في المستوطنة الجماهيرية. كانوا معفيين، إذن، من قيود التشارك أو التعاون التي ميزت الكيبوتسات والموشافيم. وبهذا، أزيل العائق المركزي أمام زيادة عدد السكان القرويين. وبين الأعوام 1981- 1984، أقيمت عشرات المستوطنات الجماهيرية في “ظهر الجبل”، في الجليل وفي جانبي “الخط الأخضر”. ووفقا لما كان متبعا، فقد تم إنشاء هذه المستوطنات في المناطق النائية، البعيدة عن مركز البلاد، تحت رعاية المنظمة الصهيونية والوكالة اليهودية. أما في المناطق الأخرى، التي كان فيها طلب أكبر على الشقق السكنية، فقد عُهد بإقامة المستوطنات إلى مبادرين مستقلين أو إلى وزارة البناء والإسكان (أفلبوم ونيومان 1989؛ Shafir 1984). وهكذا، شكلت انطلاقة إنشاء المستوطنات الجماهيرية، إذن، تحولا دراماتيكيا حادا في تاريخ الصراع على السيطرة اليهودية على الأرض: بعد عشرات السنوات من احتلال الاستيطان التعاوني مركز الصدارة في هذا الصراع، انتقلت الأولوية إلى شكل استيطاني آخر.

التحول الاستيطاني في العامين 1980- 1981 انعكس بصورة فورية في السياسة الاقتصادية الحكومية في القطاع الزراعي. على خلفية التراجع في دوره وأهميته في مساعي السيطرة اليهودية على الأرض، تقلص أيضا الدعم الحكومي لهذا القطاع بصورة حادة. ودلت الخطة الخمسية التي نشرتها وزارة الزراعة في مطلع العام 1980 على أن النظرة الأساسية لدى واضعي السياسة في الوزارة بقيت على حالها دون أي تغيير. فالأهداف المركزية التي تم التأكيد عليها في تلك الخطة تمثلت في زيادة الانتاج الزراعي، زيادة التصدير والمحافظة على “العمل الذاتي”. أما مسألة الجدوى الاقتصادية فلم تحظ بأي ذكر، على الإطلاق (سلطة تطوير وتخطيط الزراعة 1980). ومع ذلك، فقد اتُخذت، بعد وقت قصير، جملة من الإجراءات التي أجهضت تطبيق هذه الخطة وسببت أضرارا جسيمة للكيبوتسات والموشافيم. ومنها، إلغاء تسوية صناديق التقاعد مع “شركة العمال” في العام 1980، وهي التي شكلت أحد المركّبات الهامة في تطوير الصناعات الكيبوتسية (بروم 1986). وكان الإجراء الأكثر أهمية الذي اتُخذ في تلك السنة ـ ربط الاعتمادات المالية الممنوحة للمستوطنين بجدول الأسعار (شفارتس 1995).  فقد واصل حجم الاعتمادات المالية الازدياد خلال النصف الأول من ذاك العقد، نظرا لأن البنوك، كما الكيبوتسات والموشافيم أيضا، لم تكن قد استوعبت بعد أن تقليص الدعم الحكومي للمزارعين يعبر عن نهج جديد بعيد المدى ويندرج في إطاره (هناك، 73- 76). وفي نظرة إلى الوراء، من الواضح أن الانفراج المالي في تلك السنوات قد كبد الكيبوتسات أضرارا فادحة، وهي التي استغلت جزءا كبيرا من التمويل لإنشاء كيبوتسات جديدة لم تعد الحكومة متحمسة لها، على الأقل، بينما رصدت جزءا آخر لاستثمارات إنتاجية لم يتم فحص جدواها الاقتصادية بصورة كافية، لتوسيع بناء الشقق السكنية ولزيادة الاستهلاك في الكيبوتسات. وكانت النتيجة أن ديون الكيبوتسات ازدادت بصورة كبيرة وحادة منذ العام 1981، بينما تآكل رأس المال الذاتي الذي راكمته خلال سنوات قليلة (روزوليو 1999؛ حكيم 2009). ولهذا، شكل العام 1981 نقطة التحول المركزية، ليس فقط في سياسة الاستيطان وإنما أيضا في وضع الحركة الكيبوتسية المالي بصورة عامة. فبعد أكثر من عقد من النمو والازدهار الاقتصاديين، بدأت الكيبوتسات بالتدهور والانزلاق نحو أزمة حادة.

 نشر النص بالعربية للمرة الأولى في العدد 64 من مجلة “قضايا إسرائيلية“. ترجمه إلى العربية سليم سلامة. 

[1] الكيبوتس هو نوع من أنواع القرية التعاونية.

[2]. أنظروا، مثلا، تسفاديا 2005، 155؛ .Yiftachel 2006; Grinberg 2013, 64

[3]. بعض التعويض عن النقص في الأبحاث الأكاديمية جاء من خلال مؤلفات وضعها بعض القادة السياسيين وصناع السياسة. في مجال الاستيطان، أنظروا المجلدات الأربعة بعنوان الكيبوتس الموحد في توطين البلاد، من تأليف زئيف تسور (1979 ـ 1986) وكتاب حاييم غفاتي مائة عام من الاستيطان (1981). في المجال السياسي، ثمة أهمية لكتاب تسور من جدل التقسيم حتى خطة ألون (1982). وفي موضوع صراع  الكيبوتس ضد تشغيل العرب تبرز رسائل بن غوريون إلى عضو مجموعة دغانيا، يهوشواع منوّاح. فقد ادعى فيها بأن “المجموعة كانت في بدايتها وسيلة للعمل العبري في الزراعة، وبعد ذلك فقط أصبحت هدفا في حد ذاته (وبحق …!) عمل ذاتي ـ ضد العمل العربي” (بن غوريون 1952، 33).

[4]. عن الإخفاق الاستيطاني، أنظروا: لنير 1990. وعن الإخفاق السياسي، أنظروا مثلا ادعاء هنري نير بأنه “منذ 5/1934 […] من الصعب الإشارة إلى إنجازات سياسية ملموسة حققها الكيبوتس الموحد والكيبوتس القطري” (نير 2008، 573).

[5]. أنظروا، مثلا: روزنر 1989؛ بن رفائيل 1996؛ روزوليو 1999؛ شبيرا 2013؛  Drezon-Tepler 1990.

[6]. قدرة الحركة الكيبوتسية على تقليص عمل الفلسطينيين في الزراعة استندت إلى قوة المنظمات الكيبوتسية القطرية التي نشطت في تطبيق مبدأ العمل الذاتي (دانيئيل 1974؛ روزوليو 1999؛ دي ملآخ 2002). وبالإمكان فهم مدى تأثير هذا النشاط  من خلال المقارنة مع حركة الموشافيم التي دعت، هي أيضا، إلى اعتماد العمل الذاتي. كانت منظمات الموشافيم القطرية ضعيفة بالمقارنة مع الكيبوتسات ووجدت صعوبة بالغة في فرض سلطتها (Schwartz 1999)؛ ولذلك كان تشغيل الفلسطينيين شائعا في الموشافيم، أكثر بكثير منه في الكيبوتسات (الهستدروت العامة/ نقابة العمال العامة 1993؛ أدموني 1992).

[7]. عن الانتعاش الاقتصادي، أنظروا: شفارتس 1995؛ رزوزليو 1999؛ حكيم 2009 و Kanovsky 1966. التقليص في عدد العمال الأجيرين في الزراعة كان نتيجة نشاط مكثف قام به اتحاد الحركة الكيبوتسية الذي أقيم في العام 1963 وضم المنظمات الكيبوتسية القطرية الأربع. في المداولات حول هذا النشاط، جرى التمييز بين أنواع مختلفة من تشغيل الأجيرين. واعتُبر تشغيل العرب في الزراعة ظاهرة خطيرة ينبغي منعها بأية وسيلة وتم اتخاذ إجراءات ضد المخالفين الذين اعتمدوها. أما تشغيل اليهود في القطاع نفسه فقد عولج من خلال الرقابة الصارمة على خطط الاقتصاديات الكيبوتسية، انطلاقا من الوعي بأنه لدى وجود محاصيل لا يستطيع أعضاء الكيبوتس جمعها، فليس ثمة إمكانية لتلافيه. واعتُبر تشغيل اليهود في الصناعة ظاهرة مضرّة لكنها محمولة ولا يمكن وضع حد نهائي لها بصورة فورية، لكن الجهود انصبت على منع اتساعها (نقابة العمال العامة في أرض إسرائيل 1963؛ دانيئيل 1975). معطيات الكيبوتس الموحد للسنوات 1960- 1965، التي تعكس الوجهة في الحركة برمّتها، تبيّن حصول تراجع جدي في عدد العمال الأجيرين في الزراعة (من 480 إلى 120)ن مقابل جمود في عدد العمال الأجيرين في الصناعة (450) (تسور 1986، د، 27).

[8]. عرض واضح للتحول في السياسة الزراعية، والذي تبلور نهائيا في العام 1970، ورد ضمن المسح الذي وضعته وزارة الزراعة (1976). لمزيد من التفصيل حول التغيرات في السياسة الزراعية في تلك الفترة، أنظروا: شفارتس 1995؛ شَليم 2000؛ دي ملآخ 2002.

[9]. المعطيات التي يعرضها زوسمان وآخرون (1990) تبين أنه في السنوات بين 1969 ـ 1984 تضاعفت ثلاث مرات النسبة بين حجم الاعتمادات التي منحتها البنوك للمزارعين وبين الممتلكات التي رهنتها مقابلها (“الرافعة المالية”)، مقارنة مع الزيادة بنسبة 30% فقط في الصناعة.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.