حان الوقت لطرح بديل للرجولة العربية الشوفينية

حان الوقت لأن نتحدى الرجولة التي تؤسس قوتها على من هم الأضعف في المجتمع، وأن نضع بديلاً تعني فيه الرجولة الاهتمام بالضعفاء: رجولة تثبت نفسها وتقاوم القوى الكبرى التي تعمل على قمع وإذلال المجتمع العربي.  
عبد أبو شحادة

 

بعد كل فاجعة تقع في المجتمع العربي أجد نفسي خلف لوحة المفاتيح، أكتب وأحاول أن أصف وأحلل الأحداث السياسية مركزاً بالأساس على آليات القمع والطرق التي تتجسد فيها. مرة تلو الأخرى، أسأل نفسي لماذا أكتب أصلاً اذا كنت أعرف بأنني استخدم أدوات عقلانية لتحليل أحداث غير عقلانية- فلا منطق في القمع عدا عن حقيقة قيام الناس بتطوير منظومات للسيطرة على الآخرين والحفاظ على امتيازاتهم. عندما نعرض أمام القامعين الحقائق حول القمع الذي يمارسونه يقوم هؤلاء بكل ما في استطاعتهم ليدعوا بأنهم لا يقمعون حقاً وليخرجوا من جيوبهم شتى الحجج، المهم ألا يعترفوا بالمسؤولية وألا يغيروا موازين القوى القائمة.

مع ذلك، وعلى الرغم من مشاعر الاحباط والعجز التي تثقل على مواجهة العنف في المجتمع العربي فإن الكتابة ضد حالات القتل عامة وضد قتل النساء العربيات على وجه الخصوص هي أمر لا بد منه. كل مقال وكل مشاركة على الفيسبوك- حتى اذا لم يقرأها إلا المقتنعون مسبقاً- بإمكانها أن تؤثر ويجب كتابتها على أمل بأن تحول هذه الكلمات دون وقوع الفاجعة القادمة.

أفضل ألا أركز هنا على الحقائق المتعلقة بحالات القتل الأخيرة انما ان أتعاطى مع مسألة الرجولة العربية بالتحديد. أنا لا أكتب عن النسوية ولا أحاول تفسير تصرف النساء لسببين: اولاً، ليس من وظيفتي كرجل بأن أقدم العظات للنساء حول من يكن او ماذا عليهن أن يكن فهن يعرفن القيام بذلك أفضل مني: السبب الثاني بأن الكتابة حول هوية وفهم الرجولة العربية قليلة جداً رغم كم الفاجعات والواقع الذي ليس بأيدينا ما نفعله أمامه.

الرجولة الجديدة التي يتوجب علينا تطويرها يجب أن تعتمد على الرأفة والاهتمام بالمجتمع العربي بالتوازي مع رفض تذويت القمع القومي الذي يمارسه الرجل اليهودي.

هناك شيء غير منطقي في كون الرجال العرب الذين تم احتلالهم من قبل عنصر اجنبي والذين يعانون الاهانة بحياتهم من طرف مؤسسات الدولة ووكلائها يقبلون ذلك كأمر معطى- دون أن يشعرهم ذلك بالضيق ظاهرياً. في المقابل، على الرغم من احتمال دخول السجن لفترات متواصلة وعلى الرغم من التعليمات الدينية الواضحة جداً في الاسلام والمسيحية التي تمنع القتل والعنف، فإن ظاهرة العنف تجاه النساء قائمة وحتى أنها آخذة بالتفاقم.

لكي نفهم ذلك بشكل عميق يجب أن نعي الأزمات النفسية التي يمر بها الرجال عندما يذوتون القمع، وهي التي تنعكس في حاجتهم للسيطرة على من هم أضعف منهم لكي يثبتوا رجولتهم. أي مقابل منظومة القوانين العنصرية التي تميز ضد الرجل العربي، تطورت هناك منظومة قوانين ثقافية ترسخ قوة الرجل بما يتناسب مع انتمائه العائلي والديني، مكانته الاقتصادية ومجرد كونه رجلاً. ورغم ان بإمكانه أن يقف على رأس الهرم في المجتمع العربي ففي نهاية المطاف عندما يخرج الرجل إلى سوق العمل- ان كان بصفته طبيباً أم عامل بناء- يكون من الواضح بأن من يملك  القوة والوسائل هو الرجل اليهودي.

انطلاقاً من هذا الافتراض أريد أن اقتبس فرانز فانون الذي ادعى في كتابه “بشرة سوداء، أقنعة بيضاء”: “رغم المخاطرة في اثارة غضب اخوتي السود، أريد أن أقول بأن الأسود ليس رجلاً”. هذه هي قاعدة الادعاء الذي أريد طرحه لفهم الرجولة- ليس بالمعني الشوفيني للكلمة إنا بالمعني الانساني- لأقترح بأن العربي ليس رجلاً طالما أنه يقبل الاهانة التي تمارسها المنظومة عليه ويرفض مجابهتها. حان الوقت لأن نتحدى الرجولة التي تؤسس قوتها على من هم الأضعف في المجتمع، وأن نضع في المقابل بديل تعني فيه الرجولة الاهتمام بالضعفاء، رجولة تثبت نفسها وتقاوم القوى الكبرى التي تعمل على قمع وإذلال المجتمع العربي.

من المقلق أن نرى تجاهل قيادتنا لكون الكثير من الشباب ينظرون الى المجرمين وكأنهم أبطال ومثال يحتذى به. هذا التقدير لا يتولد من فراغ- هذا انعكاس للرجولة الشوفينية التي تعمل ضد الضعفاء. الاجرامية هي أفضل مثال لفهم الرجولة الشوفينية- رجال يختارون صنع المال بواسطة ممارسة الاجرام ضد المجتمع العربي نفسه، وهو الاساس الذي قتل على خلفيته أكثر من ألف شاب منذ سنة 2000 وحتى اليوم. بناءً عليه فان الرجولة الجديدة التي يتوجب علينا تطويرها يجب أن تعتمد على الرأفة والاهتمام بالمجتمع العربي بالتوازي مع رفض تذويت القمع القومي الذي يمارسه الرجل اليهودي. هذه الرجولة ستقوم بمواجهته ومواجهة كل منظومات القمع لكي تثبت نفسها، لكي تحل كل الأزمات النفسية، وتعيد لنفسها بالدرجة الأولى الكرامة الانسانية.

أود أن أنهي باقتباس للفيلسوف الفرنسي بليز باسكال الذي قال: “من المحق الانصياع لمى هو محق، من الضروري الانصياع لمى هو الأقوى”. للأسف فان هذه الجملة على ابتذالها تفسر تصرف بني البشر: هناك أمور نقوم بها لأنها صحيحة ومحقة وهناك أمور نقوم بها لأن هناك نظومة- ان كان تلك التي تتجسد بالقانون أو بالأعراف الاجتماعية التي تلزمنا بالتصرف بطريقة معينة. تبني هوية رجولية انسانية سيكون بمثابة تحدي لكل المنظومة العربية بلا أدنى شك. احداث تغيير في وعينا فيما بتعلق بعلاقتنا مع أنفسنا، الأمر الذي يتم التعبير عنه بواسطة حب المجتمع العربي ومقاومة القمع المهين لدولة إسرائيل- هو برأيي الأمر الصحيح والمحق الذي يجب القيام به.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.