مهرجان "قلبي بالشرق" ينطلق في تل أبيب للسنة السابعة على التوالي

في كل عام يقوم الفنانون المدعوون لمهرجان “قلبي بالشرق” بالتعبير بطريقتهم عن الأصول اليهودية-العربية، وبصياغة المصطلح المبهم “ثقافة إسرائيلية” من جديد.  
نوعا بورشطاين-حداد

 

من يحيى في تل أبيب منذ سنوات نسي ربما التوق الذي يملئ عيون من انتقلوا لتوهم إلى المدينة، حاجتهم للانخراط في النشاططات الجارية، للتعرف والاضطلاع. في صيف 2013 سمعت للمرة الأولى عن “الليلة السوداء”، الحفلة التي تم تنظيمها كبديل لأحياء الجنوب لنشاطات “الليلة البيضاء” السنوية التي تجري في تل أبيب برعاية البلدية، والتي تم الغائها قبل ذلك بعام بسبب تهديدات الشرطة.

بداية القصة معروفة: خلال وبعد الحراك الاجتماعي من عام 2011، كانت هناك صحوة شرقية ثقافية واجتماعية: المنظمات ظهرت كالفقع بعد الشتاء، الناس توحدت في محاولة لتقديم أجوبة أو على الأقل طرح الأسئلة من جديد، خلط الأوراق. في تلك الاوقات اتحد “ائتلاف قلبي بالشرق”، “الغير لطيفين”، “حركة أختي” وموقع الانترنت “كافيه جبرلتار” (وجميعها مبادرات شرقية) تحت سقف واحد في محاولة لخلق بديل ثقافي. بينما كان هناك من رقصوا على الأرصفة المجددة في الأحياء المركزية لتل أبيب، حاول نشطاء وسكان جنوب المدينة تسليط بعض الضوء على أنفسهم ليقولوا: نحن لائقون أيضاً.

البحث عن الهوية التي تم طمسها تحول إلى نبع فوار من الابداع، نبع لا يكف عن اظهار الفنانين الجدد، المفاجئات الشيقة والخطاب الإسرائيلي الداخلي الذي يتواصل، للمرة الأولى، مع الجغرافيا الشرق أوسطية بمجملها.

كنت في حينها جندية مسرحة وتم قبولي للعمل كسكرتيرة في محطة تلفزيونية: من أمامي مسيرة مهنية اعلامية مشرقة، وتل أبيب تنتظرني في الأفق. تقت للانخراط في ما يجري هناك ولكنني سكنت في ريشون لتصيون. نظراً لعدم حيازتي لسيارة، تابعت الفيسبوك الذي امتلأ بالحتلنات حول الحفلة; في البداية بدت الاجواء ممتعة جداً ولكن فيما بعد وصلت الشرطة. الحتلنات المباشرة لم تتوقف، شعرت وكأنني هناك. “لماذا قطعت الشرطة حفلة “الليلة السوداء” في “بيت أختي”؟ منذ متى بالإمكان الاعلان عن حفلة كتجمهر غير قانوني؟ لماذا تم استخدام القوة؟ لماذا اعتقل أناس؟ أليس هناك اجرام حقيقي في أحياء الجنوب تصب الشرطة اهتمامها عليه؟ أيقظت هذه الليلة الكثير من الأسئلة الصعبة. “أنا مصمم للحصول على أجوبة”، كتب عضو الكنيست دوف حنين على صفحته بالفيسبوك; “نداء عاجل” للنشطاء في المركز للتجمع فوراً في “بيت أختي” في شارع مطلون 70 بتل أبيب”; “الشرطة داهمت نشاطات “الليلة السوداء”، اعتدت على كرمن المكياس (احدى الناشطات) واعتقلت موشيه كوهن وشولا كيشت”، احتجت صفحات النشطاء.

في الصباح استيقظت لأكتشف بأنه تمت تغطية الحدث بتوسع في موقعي “هآرتس” و”ولله”! تضايقت مرة أخرى لأنني لم أكن هناك. انتقلت للسكن في تل أبيب.

*

على العكس مما يبدو، لم يمر الكثير من الوقت منذ ذلك الحين. في السنوات الأخيرة، موضعت الليلة السوداء نفسها كبديل تل أبيبي حقيقي، حفلة لكل من هو مطلع. أما هذا العام فتشكل “الليلة السوداء” ذروة مهرجان “قلبي بالشرق” الذي ينظم للسنة السابعة على التوالي. اذا كنا قد اعتدنا حتى الآن على الفنانين الذين يقصدون الضواحي بين الفينة والأخرى، يأتي مهرجان “قلبي بالشرق” ليعكس الصورة وليحضر الثقافة التي تتشكل خارج المركز الى هنا. في كل عام يقوم الفنانون المدعوون، من شتى المجالات، بالتعبير بطريقتهم عن الأصول اليهودية-العربية، وبصياغة المصطلح المبهم “ثقافة إسرائيلية” من جديد.

نشهد في العقد الأخير صعوداً واتساعاً للفئة الثقافية “شرقي”، حيث يتجسد ذلك في موسيقى البوب وبقية الأنواع الفنية، في السينما والتلفزيون وكذلك في الفن والشعر والأدب.  البحث عن الهوية التي تم طمسها تحول إلى نبع فوار من الابداع، نبع لا يكف عن اظهار الفنانين الجدد، المفاجئات الشيقة والخطاب الإسرائيلي الداخلي الذي يتواصل، للمرة الأولى، مع الجغرافيا الشرق أوسطية بمجملها. هكذا رأينا كيف تم اختيار مغنية كانت تعتبر مجهولة حتى مؤخراً لافتتاح احتفالات الفخر (المثلية) في جادة روتشيلد- وهي التي تعتبر بمثابة رمز لمركز تل أبيب- وكيف صارت أمسيات مجموعة “عرص-بوئتيكا” تعبئ القاعات. الفن يتغلغل في الخارج، النبع يطفو على ضفتيه ولا مجال أمامه إلا أن يسيل. “الليلة السوداء” لم تعد تخصنا فقط أما المهرجان الممول هذه السنة من قبل بلدية تل أبيب ووزارة الثقافة فينجح في استقطاب المزيد والمزيد من الناس وفي توسيع الحيز الضيق الي اعتدنا على تسميته “ثقافة إسرائيلية”.

ليس من قبيل الصدفة بأن افتتاح مهرجان “قلبي بالشرق” يأتي بعد يوم من المظاهرة التاريخية التي نظمت بالقدس للاعتراف باختطاف أولاد اليمن، الشرق والبلقان. نحن نطمح إلى اصلاح المظالم التاريخية وبينما ندير نضالنا- تطفو وتنكشف القصص التي نميزها، نتعاطف معها، ونعرف معها ثقافتنا الإسرائيلية: ثقافة تنطوي على الحزن الثقيل، التنازلات اللامتناهية ولكن أيضاً على الحب للمكان الذي نحيى فيه. توضيح معالم هذه النضالات الهامة بالتوازي مع تطورنا الثقافي يسمح لنا وأخيراً بأن نطالب بمكاننا اللائق والعادل في المجتمع الإسرائيلي.

سيعرض خلال مهرجان “قلبي بالشرق” 2017، من ضمن أمور أخرى، الفيلم الوثاقي “الحائط” لموران ايفرجان الحائز على جائزة أفضل فيلم بمهرجان “دوك-أفيف”. كما سيعرض للمرة الأولى الفيلم “أين اختفى الأولاد” حول عائلات من أصول يمنية وأشكنازية أختفى ابنائها. ذلك الى جانب العرض الاول ل”اشعار أحببتها”، العرض الذي يدمج معزوفات من تقاليد اسرائيل من الشرق والغرب، وفيلم دافيد درعي “صالح، هنا دولة إسرائيل” الحائز على جائزة الاخراج والاستقصاء في “دوك أفيف”، والذي يعرض قصة اقامة بلدات التطوير في إسرائيل، وعرض ليراز تشركي ومشروعها الموسيقي الذي يدمج بين ايقاعات الكترونية وموسيقى ايرانية من سنوات الستينات، وغيرها من العروض.

يستمر مهرجان “قلبي بالشرق” حتى ال-29 من الشهر الجاري. للإطلاع على البرنامج الكامل وشراء التذاكر اضغطوا هنا.

المزيد:

النهضة الثقافية الشرقية والطابور لمكتب الرفاه، سمدار لافي.

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.