هكذا غُيب لاجئو 1967 السوريون عن الذاكرة

على الاختلاف من اللاجئين الفلسطينيين من الضفة وغزة، تم اخفاء قصة اللاجئين السوريين عن الوعي الإسرائيلي، وما زالت الرواية التاريخية الرسمية تؤكد على عدم وجود سكان سوريين في هضبة الجولان عند احتلالها: بمرور السنين تحولت هذه الكذبة إلى حقيقة!
عيريت جال

 

بين اللاجئين السوريين الهاربين من بلادهم المشتعلة إلى الدول الاوروبية التي تكرمت بفتح أبوابها أمامهم هناك أيضاً أبناء الجيل الثاني للجوء، ذلك الذي حصل قبل 50 سنة مع احتلال هضبة الجولان السورية عام 1967 بيد الجيش الإسرائيلي. على الاختلاف من اللاجئين الفلسطينيين في الضفة وغزة، قصة اللاجئين السوريين محيت من الوعي الإسرائيلي ذلك من قبل أن تنفذ اليه حتى. الحقائق اختفت، قصتهم غُيبت، موهت، تلاشت وكأنها لم تكن.

بأواخر سنوات التسعينات أرسلت من قبل برنامج “مباط شيني” التلفزيوني لتوثيق قصة الدروز في الجولان. طلب مني أن أتبين لماذا حافظ هؤلاء على ولائهم لوطنهم السوري ورفضوا قبول المواطنة الإسرائيلية- رغم أن دولة إسرائيل أحسنت اليهم كثيراً. ولكن خلال البحث الذي قمت به فوجئت باكتشاف قصة مختلفة تماماً; اتضح بأن هضبة الجولان كانت مأهولة بالمواطنين السوريين مع اندلاع الحرب، وبأن الدروز الذين بقوا هناك والذين تحدثت اليهم كانوا أقلية لا غير من مجمل السكان. بحثت عن شهادات في كتب التاريخ ولكن المواطنين السوريين غابوا عنها وكأنهم لم يكونوا هناك يوماً. في النهاية وجدت موسوعة واحدة ووحيدة كتب فيها بأن أكثر من 100 ألف انسان عاشوا في هضبة الجولان عند احتلالها.

بإمكاننا أن نفترض بأن السجلات التي تدل على الترانسفير الهادئ الذي تم في 67 بالجولان تتواجد حتى اليوم في احد الأراشيف العسكرية التي لن تفتح لإطلاع الجمهور، على ما يبدو، لسنوات كثيرة قادمة..

خلال عملية البحث والتصوير، أدلى جنود حاربوا في الهضبة، أبناء كيبوتسات وموشافيم من سكان غور الأردن والدروز أنفسهم بشهاداتهم مرددين نفس القصة التي تفيد بأن هضبة الجولان التي صورت بالوعي الإسرائيلي كمنطقة مهجورة وخالية من الناس كانت مأهولة بالمواطنين تماماً مثل الضفة الغربية عند احتلالها. تم تصوير التقرير وتحريره ولكن ما أن بث الاعلان الترويجي حتى جاء رئيس قسم الشؤون العربية وطلب وقف بثه كي لا نجعل من أنفسنا أضحوكة، حيث ادعى بأنه لم يكن هناك مواطنين في الجولان يوماً، باستثناء قوات الجيش السوري، والدليل بأن “الجميع يعرف ذلك”.  لتدارك وقوع أي سوء فهم، تقرر استدعاء مؤرخ رفيع المستوى بمجال الشرق الأوسط لمقابلة في الاستوديو، عقيد احتياط كان في ما مضى حاكماً لعدة بلدات بالضفة وسفير إسرائيل في تركيا. خلال بث التقرير قام المختص المرتبك بالاتصال بأصدقائه المختصين كذلك ولكن أحداً منهم لم يفهم عن أية مواطنين سوريين تحدثنا.

كيف نجحوا اذاً في اخفائهم؟

مع اندلاع الحرب عام 1967- الحرب التي سجلت بالتاريخ كانجاز تاريخي مشرق سمح لدولة إسرائيل بتوسيع مساحتها وتغيير الموضع الطبوغرافي للحدود من الغور إلى الجبل- عاش في هضبة الجولان بين 130-150 ألف انسان، معظمهم مواطنون سكنوا في 275 مدينة وقرية تقريباً بينها عاصمة المحافظة القنيطرة التي سكن فيها حوالي الربع من مجمل السكان: قلة منهم كانوا رجال جيش وأبناء عائلاتهم.

خلال المعارك ومع انسحاب الجيش السوري هرب مع من هربوا حوالي نصف المواطنين الذين بحثوا عن ملجئ بالمناطق الآمنة من القصف، منتظرين وقف اطلاق النار ليتمكنوا من العودة إلى منازلهم. ولكن عملياً كل من بقي في الجانب الآخر من خط اطلاق النار لم يسمح له بالعودة. فيما بعد تم الاعلان عن السكان السوريين الذي حاولوا العودة كمتسللين غير قانونيين، كما أطلق الجنود النار نحو العائدين أحياناً لتخويفهم أما هؤلاء الذين نجحوا بالدخول فحوكموا واعتقلوا.

بعد انتهاء الحرب بقي في هضبة الجولان عشرات الآلاف من الناس، حوالي نصف السكان السوريين. هؤلاء طردوا جميعهم باستثناء السكان الدروز. السكان المدنيين الذين كانوا بمعظمهم مسلمين سنيين وبينهم بضعة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين من حرب 48، الشركس وغيرهم نقلوا للجانب الآخر من الحدود بشكل منظم بدرجة كبيرة. محاربين سابقين وبعض من سكان غور الأردن الذين وصلوا إلى هضبة الجولان مع انتهاء المعارك أشاروا في معرض شهاداتهم بأن جنوداً جلسوا بالقرب من خط وقف اطلاق الناس من وراء طاولات أخذت من البيوت وأجبروا سكان هضبة الجولان السوريين على توقيع وثائق تفيد بأنهم يتركون بيوتهم إلى الأراضي السورية بإرادتهم الحرة.

מג׳דל-1967
مجدل شمس، 1967 (تصوير: موشيه ميلنر)

بإمكاننا أن نفترض بأن هذه السجلات التي تدل على الترانسفير الهادئ الذي تم في 67 بالجولان تتواجد حتى اليوم في احد الأراشيف العسكرية التي لن تفتح لإطلاع الجمهور، على ما يبدو، لسنوات كثيرة قادمة لأسباب تتعلق بأمن الدولة.

بعد الحرب، كانت هناك عمليات نهب على مستوى واسع جداً ولكن لم تقع مذابح كتلك التي يقترفها بشار الأسد بمواطنيه، بل العكس- الطرد تم بطريقة منظمة وممأسسة، طرد هادئ. قوافل من المركبات العسكرية دخلت إلى القنيطرة وطالبت السكان عبر مكبرات الصوت بالمغادرة وإلا فمن الممكن بأن يلحق بهم أذى. بعد أن ترك هؤلاء وبعد فترة من خلو المدينة الجميلة، على مبانيها التاريخية والمميزة، من الناس تم هدمها برمتها. مباني سكنية، مراكز تجارية، دور سينما، مستشفيات، مدارس، رياض أطفال، مقابر، مساجد وكنائس دمرت كلياً بعمليات قصف جوية للجيش.

سكان القرى الذين تمسكوا ببيوتهم وخافوا من الخروج طولبوا هم الآخرين بالمغادرة والسير نحو الجانب الآخر من الحدود. في الأيام التي تلت الحرب أحضرت إلى الجولان جرافات وجرارات زراعية من قرى وكيبوتسات غور الأردن، وبعملية سريعة لا مثيل لها تم هدم القرى برمتها باستثناء بعض المباني التي ابقيت لغرض التدريب العسكري.  هكذا وبغمضة عين انقلبت حياة عشرات آلاف الناس: رجال تربية وطب، موظفين، مدراء، تجار ومزارعين فقدوا أراضيهم، بيوتهم وكل ممتلكاتهم. فقط مسنة واحدة، تذكرها جميع الشهود جيداً، بقيت لوحدها في احدى القرى لبضعة سنوات حتى وافتها المنية.

خلال الأيام التي تلت المعارك، خرجت إلى حيز التنفيذ خطة أخرى قررت إسرائيل من ضمنها السماح لحوالي ال-7000 من السكان الدروز الذي عاشوا بالجولان أن يبقوا في قراهم، ذلك بناء على افتراض سيتضح فيما بعد بأنه مغلوط بأن الدروز سيغيرون جلدتهم تبعاً للحكم الجديد وسيحولون ولائهم من سوريا إلى إسرائيل- كما فعل من قبلهم إخوانهم الدروز الإسرائيليون الذين يخدمون في جيشها. ضباط جيش دروز من سكان الكرمل أرسلوا للتجول في جيبات عسكرية بقرى الجولان وأعلنوا عبر مكبرات الصوت بأن على السكان الخروج إلى نقطة تجمع بالقرب من الحدود ما عدا أخوتهم الدروز الذين سمح لهم بالبقاء في بيوتهم ووعدوا بأن لا يصيبهم أي مكروه. من نقاط التجمع تلك نقل الجيش الإسرائيلي السكان غير الدروز إلى الجانب السوري من خط اطلاق النار. هكذا كان المواطنون السوريون الوحيدون الذي بقوا في الجولان هم سكان القرى الدرزية الأربعة التي تكرمت اسرائيل بطيبتها بإبقائهم في مكانهم حتى يومنا هذا.

קוניטרה2
جيب إسرائيلي في القنيطرة، 1967 (تصوير: موشيه ميلنر)

اللاجئين الذين فقدوا بيوتهم في الجولان أرسلوا للسكن في سوريا بعدة مخيمات بالأساس في محافظات دمشق ودرعا. حافظ الأسد الأب لم يسرع إلى اعادة تأهيلهم على أمل بأن يعيد التدخل الدولي المناطق المحتلة لسوريا وأن يتمكن سكانها من العودة اليها. في عام 1974 وقعت اتفاقية فك الاشتباك التي جاءت في أعقاب حرب 1973، وأعيدت القنيطرة إلى سوريا وهي مدمرة كلياً حتى أن مجلس الأمم المتحدة ذنب إسرائيل وحملها مسؤولية تدمير المدينة عمداً. الأسد من ناحيته قرر عدم ترميم المدينة وأبقاها كالضريح الذي يشهد على الدمار والخراب أمام الزوار. بحسب التقديرات يصل تعداد لاجئي 67 وأبنائهم اليوم أكثر من مليون ونصف انسان. ربما يصح القول بأنه مقارنةً باللاجئين الفلسطينيين الذين تركتهم حرب 67 بلا هوية وبلا وطن، كان اللاجئون السوريون محظوظون لأنهم طردوا إلى الدولة التي انتموا لها ولم يخسروا جنسيتهم على الأقل.

قادة دولة إسرائيل ادعوا في حينه بأنهم ينوون السيطرة على الهضبة السورية بشكل مؤقت وبأنهم سيعيدونها إلى أصحابها مقابل اتفاقية سلام. أما على أرض الواقع فقد اأقيمت بالجولان في غضون شهر من الحرب البلدة اليهودية الأولى، واسمها “مروم جولان”، والتي استحوذ سكانها ليس فقط على الأراضي بل كذلك على عدد ضخم من الحيوانات والحقول المزروعة. بعد سنتين من الحرب تقريباً صادقت حكومة إسرائيل على خطة شملت ضم الجولان وإسكان المستوطنين اليهود فيه. عام 1981 شرعت الكنيست “قانون هضبة الجولان” والذي نص على ضم الجولان بشكل رسمي لدولة إسرائيل. يسكن في الجولان اليوم قرابة ال- 22 ألف مستوطن في 32 بلدة يهودية منها “كتسرين”.

غالبية السكان الدروز الذين بقوا في قراهم بهضبة الجولان، والذين يصل تعدادهم اليوم قرابة ال- 24 ألف نسمة، اختاروا الحفاظ على ولائهم لسوريا، وطنهم الذي فصلوا عنه رغماً عنهم. الشباب أرسلوا للدراسة في دمشق، والأبناء والبنات اختاروا لأنفسهم شركاء حياة من كلا طرفي الحدود. إسرائيل حاولت أن تفرض عليهم جنسيتها ولكنهم رفضوا قبولها. عاش هؤلاء لسنوات في ظل الحكم العسكري حيث اعتبر كل نشاط قومي يقومون به كخيانة من وجهة نظر إسرائيل. كثيرين منهم اتهموا بالتخابر، اعتقلوا وسجنوا لفترات طويلة.

اختفاء المواطنين السوريين من سجلات حرب 67 لم يحدث تلقائياً: المؤرخون الذين ألفوا كتب التاريخ لم يفحصوا الحقائق بل العكس- فقد قبلوا الرواية الرسمية التي أملتها الدولة ونسخوها عن بعضهم البعض، وهكذا تحولت الكذبة إلى حقيقة بمرور السنين. فقط بالعقد الأخير بدأنا نرى بعض التوثيق في موقع (منظمة) “ذاكرات” وصحيفة “هآرتس” ولو أن الرواية التاريخية المركزية في إسرائيل ما زالت تنص على أنه لم يكن هناك سكان سوريون في الهضبة، وفي حال كان سكان فقد هجر هؤلاء بيوتهم، تركوا، فروا، هربوا بإرادتهم الحرة.

  مخرجة أفلام وثائقية ومؤلفة كتاب “من بيروت حتى جنين” بمشاركة ايلانا همرمان

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.