"كفتاة أردت أن القي بكل العرب في البحر"

كطفلة وكفتاة إسرائيلية آمنت بأن كل العرب أشرار ويريدون القائنا في البحر ومن الأفضل بأن نلقي بهم قبل أن يلقوا بنا. ادراكي بسنوات لاحقة بأن دولتي لا تقوم بما هو صحيح دائماً وبأن ليس كل العرب أشرار هز كياني فقد كان مناقضاً لكل ما علموني اياه.
اوسنات ايطا سكوبلينسكي

 

كطفلة وكفتاة إسرائيلية آمنت بأن كل العرب أشرار. لم ينبع هذا الايمان من لقاء عيني او رأي شكلته بنفسي إنما كان أشبة بالفكرة العامة: كل العرب أشرار ويريدون القائنا في البحر ومن الأفضل بأن نلقي بهم قبل أن يلقوا بنا. قضيت قسطاً من الصف الأول في الملاجئ خلال حرب الخليج; في اجازة عيد المساخر بالصف الخامس رأيت الدمار الذي خلفته العملية الانتحارية في “دزينجوف سنتر”; أما في الثانوية، أيام الانتفاضة الثانية، فقد قتل أشخاص أعرفهم في مطعم “مايكس بليس” وفي “الدولفيناريوم”، الأمكنة التي اعتدت ارتيادها. كل هذه التجارب رسخت ايماني هذا والكراهية المتقدة، غير المحددة، تجاه الآخر الذي يريد الحاق الأذى بنا. اليوم أنا أعمل في منظمة “بتسيلم” لحقوق الانسان.

التغيير لم يحصل بين ليلة وضحاها، ولم يكن سهلاً على عائلتي وعلى بيئتي. شعلة البداية كانت في لقاء حظيت به قبل سنوات; خلال زيارة عائلية للولايات المتحدة التقيت بفتى فلسطيني. كان لدينا أصدقاء مشتركين، وكان بنفس جيلي ويهتم بمجالات شبيهة لتك التي تهمني. كان الفتى من غزة وحدثني عن الأمور التي تحصل هناك ولكنني قلت بأن ذلك غير محتمل وبأن الحديث ليس إلا عن دعاية. فمن المعروف بأن العرب أشرار، وبأن جيش إسرائيل أكثر جيش أخلاقي في العالم. أصبحنا أصدقاء وتراسلنا عبر “المسنجر”، وصار يرسل لي روابطاً مع معلومات قرأتها بالكثير من الريبة.

أتساءل كم جيل سيتشكل بناء على هذه النظرة التي ترى بأن اسرائيل أخلاقية وبأنه يجب القاء العرب في البحر. كم ولد سيكبر في واقع تقال فيه جمل مثل “يجب تحويل غزة إلى موقف سيارات” ويتم قبولها دون أي استهجان حتى.

في السنوات التالية قرأت أكثر، تعلمت، التقيت بالمزيد من الفلسطينيين وتعرفت إلى نشطاء سياسيين. الاعتراف بأن دولتي لا تقوم بما هو صحيح دائماً وبأن ليس كل العرب أشرار هز كياني فقد كان مناقضاً لكل ما علموني اياه. الادراك بأن هناك من يقترف الظلم بإسمي كان صعباً. أهلي ضحوا بالكثير لكي يصلوا إلى إسرائيل، هربوا من الطغيان واللاسامية في الاتحاد السوفييتي للديمقراطية الموعودة حيث هناك أعداء من الخارج ربما ولكن ليس من الداخل. كيف أستطيع أن أضع عيني في أعينهم وأقول لهم بأن الدولة الديمقراطية لا تستطيع التحكم بشعب آخر وتنغيص حياته. بدأت هناك نقاشات حول الدلالات اللغوية لكلمات مثل “فلسطينيين” او “احتلال”، النقاشات التي لم أتردد في خوضها حتى فهمت بأن الاسم لا يشكل فرقاً- فقط الجوهر.

فلسطينيون، عرب أو أناس، احتلال، طغيان، استيطان او توطين، فالحال هي نفس الحال، فقط القصة التي نحكيها لأنفسنا تتغير. ليس من السهل اتخاذ موقف آخر. لا يجري ذلك في غضون يوم. من اليوم الذي التقيت به بالفتى الغزاوي وحتى اليوم الذي بدأت أنشط فيه سياسياً مرت أربع سنوات من النضوج، الصعوبات والخلافات العائلية التي انتهت بصفق الباب الذي ما زال صداه يتردد في داخلي حتى اليوم.

أفكر في كل هذه الأمور اثر مرور خمسين عام على الاحتلال بالشهر الماضي. هذه مدة أطول من حياتي، حياة كاملة. أهلي أتوا إلى هنا ليجدوا أنفسهم في هذا الوضع، وأنا اتسائل اذا كان هذا الواقع الذي سيعرفه أولادنا أيضاً. أتساءل كم جيل سيتشكل بناء على هذه النظرة التي ترى بأن اسرائيل أخلاقية وبأنه يجب القاء العرب في البحر. كم ولد سيكبر في واقع تقال فيه جمل مثل “يجب تحويل غزة إلى موقف سيارات” ويتم قبولها دون أي استهجان حتى.

يسألونني أحياناً، عندما أتحدث أمام جمهور عن عملنا في “بتسيلم”، ان كان لدي أمل. اجابتي اليوم بأن ذلك ليس ذو صلة. الامل هو بمثابة ترف ولا يمكن أن يكون شرطاً. علينا أن نستمر في محاربة هذا الظلم، مع أمل أو بدونه، فإذا لم نقم بذلك سنكون شركاء له. وعلينا أن نستمر في التحدث إلى من لا يتفق معنا أو ينظر الينا كأعداء من الدخل، فالتجربة علمتني بأنه بإمكاننا تغيير العوالم فقط عن طريق التواصل بين الناس، عن طريق الحوار والتفهم، ونعم، أيضاً عن طريق نشر المعلومات.

في جيل 19 كنت سأقول بأننا نقوم بكل ما في وسعنا لكي نؤمن بقائنا. أما اليوم، بجيل 32، فأنا أعرف بأننا نقوم بما نقوم به منذ 50 عاماً لأن لاشيء يجبرنا على كبح هذا المكبس الذي يتدهور في منزلق يبدو لانهائياً.

50 سنة على الاحتلال- ماذا ستفعلون لكي لا يستمر خمسين سنة أخرى؟

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.