عن الربط المطلوب بين المثلية واليهودية المعادية للصهيونية

العاصفة التي ثارت في أعقاب طرد ناشطات يهوديات حملن علم تظهر فيه نجمة داوود من مسيرة السحاقيات البديلة “Dyke March” تطرح أسئلة هامة حول المسؤولية اليهودية عن الاحتلال في فلسطين وعما تقوم به دولة إسرائيل بإسم الشعب اليهودي
عتاليا يسرائيلي-نفو

 

مسيرة السحاقيات “Dyke March” هي مبادرة انطلقت في سنوات التسعينات بمدن مختلفة في أوروبا وشمال أمريكا في محاولة لطرح بديل لمسيرة الفخر المركزية المعرفة مع التيار المركزي. المسيرة أعدت بالأصل للهويات السحاقية لكنها اتسعت بالسنوات الأخيرة لتشمل أيضاً النساء ثنائيات الجنس، المتحولات جنسياً وعملياً كل من لا يتعاطف مع قيم مسيرة الفخر المركزية ذات الطابع التجاري والأبيض. لهذا، فإن طابع هذه المسيرة احتجاجي أكثر كما أنها تعنى عادةً بتوحيد الضالات مع النضال المثلي (التواصل مع النضالات المتعلقة بالهجرة، معارضة العنصرية، حقوق الحيوانات وغيرها).

في يوم السبت الفائت (24.6) نظمت مسيرة السحاقيات في شيكاغو للسنة ال-22. بعض الناشطات وصلن إلى المسيرة وهن يحملن علم فخر تظهر نجمة داوود بمركزه فتوجهت لهن ناشطات كويريات فلسطينيات ليسألنهن عن العلم. بعد نقاشات حثيثة امتدت قرابة الساعتين، طالب المنظمين الناشطات بالمغادرة لأن أجندتهن الصهيونية لا تتسق مع المسيرة التي أعلنت عن نفسها ك”معادية للصهيونية وداعمة للنضال الفلسطيني”، ولأنهن ينتهكن الحيز الآمن للفلسطينيين والفلسطينيات المشاركين في المسيرة.

إذا ما أخذنا بعين الاعتبار بأن دولة إسرائيل تكرس نفسها منذ قرابة السبعين سنة كمتحدثة بإسم الشعب اليهودي وتقترف الجرائم بإسمه، بإمكاننا أن نفهم لماذا تثير نجمة داوود، ولو أنها أنها ليست رمزاً صهيونياً بالأصل، هذا الوقع في نفوس الفلسطينيين الذين عادة ما ترتبط لديهم بالمركبات العسكرية، المستوطنات وجدار الفصل.

أثارت هذه الحالة عاصفة جماهيرية وسط المجموعات المثلية واليهودية في الولايات المتحدة، حظيت بأصداء في الاعلام وفي أنحاء الشبكات الاجتماعية. حيث تم اتهام منظمات المسيرة باللاسامية بادعاء أنهن لا يفرقن بين نجمة داوود، على اعتبارها رمز يهودي واضح، وبين علم إسرائيل الذي يمثل الدولة- لا سيما وأن الحديث عن مسيرة تدعي بأنها تسعى إلى الاحتواء. ونشرت في أعقاب ذلك بعض المقالات ليهوديات مثليات كتبن بأنهن يشعرن بالسنوات الأخيرة بأن امكانيتهن للتعبير عن هويتهن اليهودية والمثلية في نفس الوقت آخذة بالتقلص في المجتمعات المثلية بالولايات المتحدة. من الجانب الآخر، أكدت المنظمات بأنهن لم يطلبن من الناشطات المغادرة بسبب العلم إنما لأنه اتضح، بعد فحص ونقاش طويل، بأنهن يحملن مواقف صهيونية تلغي النضال الفلسطيني، وبأنه لا مكان لمثل هذه المواقف في مسيرة أعلنت عن نفسها مسبقاً بأنها معادية للصهيونية. كما أضفن بأنهن تلقين في أعقاب هذه الحالة تهديدات بالقتل والاغتصاب من أطراف عدة.

للتوضيح- أنا لم أشارك في مسيرة السحاقيات في شيكاغو ولهذا لا أعرف ماذا حدث هناك بالضبط. مع ذلك فأنا أعتقد بأن النقاشات التي تطورت في أعقاب هذه الحالة تطرح أسئلة هامة فيما يتعلق بالمسؤولية اليهودية، داخل دولة إسرائيل وفي الشتات، عن الاحتلال في فلسطين، وأكثر من ذلك فيما يتعلق باليهودية وكيف نفكر فيها. أولاً، لا بد من الاشارة بأن الناشطات اللواتي حملن العلم مع نجمة داوود ينتمين لمنظمة “A Wider Bride”، منظمة مثلية تعمل على الترويج لإسرائيل وسط المجتمعات المثلية بشمال أمريكا. هذه المنظمة تلعب دوراً نشطاً في مساعي “الغسيل الوردي” على أنواعها، ولديها أجندة واضحة فيما يتعلق بمكان المثلية في اطار الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. لهذا، فمن المهم بأن ندرك بأن الصراع في هذه الحالة هو صراع بين مواقف وليس فقط صراع بين رموز.

عذا عن ذلك، من المهم بأن نتذكر بأن الاحتواء لا يمكن أن يكون حجة لقبول أي موقف كان. لا يتوجب على وجهة النظر الكويرية التي تسعى إلى تقويض الأعراف وإلى التواصل مع نضالات أخرى بأن تتقبل كل أجندة أياً كانت. ليس الحديث عن موقف ليبرالي يؤمن بحرية التعبير عن الرأي انما عن موقف راديكالي يرى (بشكل مثالي على الأقل) بأننا لا يمكن أن نكون حرات إلا عندما تتحرر الأخريات. هذا الموقف لا يمكن أن يقبل التعريف الصهيوني الذي يعتمد كله على التفوق الاثني لليهود في فلسطين وعلى السعي لتعزيز الأغلبية اليهودية في هذا الحيز حتى اذا كان ثمن ذلك القتل والنهب والاحتلال.

מגן דוד
علم إسرائيل الفخور في مسيرة السحاقيات بشيكاغو، 25.6.2017 (من صفحة “A Wider Bridge” على الفيسبوك)

كانت هناك نقاشات كثيرة على شبكة الانترنت حول لون نجمة داوود التي ظهرت على العلم – إن كان أزرقاً (وهو ما كان بالفعل) يذكر بدولة إسرائيل أم أبيض مما يعني بأن طرد الناشطات من المسيرة كان لاسامياً. الجواب على ذلك ليس بذو صلة لان هذه الجدالات تغفل النقطة الهامة وهي سؤال المسؤولية اليهودية عن الأمور التي تقوم بها دولة إسرائيل. لا شك بأن اللاسامية قائمة خاصة في هذه الفترة التي تتصاعد فيها قوة اليمين المتطرف في العالم الغربي. كما أنني اتفق مع من يدعون بأن حركات اليسار المتطرفة في العالم لا توليها أهمية كافية حتى أنها قد تنطوي على بعد لاسامي بنفسها في بعض الأحيان. مع ذلك، فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار بأن دولة إسرائيل تكرس نفسها منذ قرابة السبعين سنة كمتحدثة بإسم الشعب اليهودي وتقترف الجرائم بإسمه، بإمكاننا أن نفهم لماذا تثير نجمة داوود، ولو أنها أنها ليست رمزاً صهيونياً بالأصل، هذا الوقع في نفوس الفلسطينيين الذين عادة ما ترتبط لديهم بالمركبات العسكرية، المستوطنات وجدار الفصل.

إلى ذلك فأمام استخدام دولة اسرائيل لمواطنيها اليهود المثليين لتبرير الاحتلال بالسنوات الأخيرة، لدينا كيهوديات مثليات، في البلاد وخارجها، مسؤولية لأن نعارض بشكل فعال الظلم الذي تقترفه بإسمنا. لا يوجد تناقض هنا بين هويتنا اليهودية وهويتنا المثلية- بالعكس، فالحديث عن ربط جريء يتطلب منا ان ننتزع الصهيونية عن أنفسنا. منظمات مسيرة السحاقيات في شيكاغو أكدن على هذا الصوت عندما أشرن إلى مشاركة عدد غير قليل من النساء مع معالم يهودية كالوشوم، القمصان والأعلام. هذا هو الصوت الذي تسمعه أيضاً منظمة “Jewish Voice for Peace” منذ سنوات، لهذا كان من الطبيعي بأن تنشر تصريحاً تدعم فيه منظمات مسيرة السحاقيات. هذا الصوت يتحدث عن يهودية راديكالية تطمح إلى العدالة وتخرج ضد لظلم. يهودية من هذا النوع بمقدورها أن تفسح المجال أمامنا، نحن الناشطات المثليات اليهوديات، أن نتصور ديانتنا وثقافتنا من جديد خارج نطاق الصهيونية نحو أفق نعيش فيه بحيز مشترك ومنفتح من ناحية اثنية وجندرية وجنسية.

ناشطة مثلية، فنانة أدائية، طالبة لقب ثاني في السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا بجامعة بن غوريون في النقب، عاملة في منظمة “ذاكرات”  

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.