الانتخابات الداخلية لحزب "العمل": احتمالات تفكك سياسة اليسار\يمين القبلية

التجديد الهام في نتائج الانتخابات الداخلية لحزب “العمل” هو انتخاب قياديين من أصول مغربية يحملان أجندة اشتراكية-ديمقراطية بدرجة ما. لكن الصراع ليس بين “الجدد” وبين المؤسسة القديمة انما بين مجموعتين مختلفتين من الشرقيين: من يأتون من الضواحي ومن ترقوا اجتماعياً
ليف جرينبرغ

 

من سيتمكن من التغلب على نتنياهو؟ لا يمكننا أن نعرف. فمنذ انتخاب ترامب صارت مهمة التنبؤ بنتائج الانتخابات من اختصاص المخابيل. كان لي في صيف 2016، جدلاً علنياً مع سوسيولوج معروف عرض مقالاً في مؤتمر ادعى فيه بأن ترامب “غير قابل للانتخاب”. أنا، من جهتي، لم أدعي بأنه سيتم انتخاب ترامب ولكنني قلت بأن لا أساس لنبوته وبأن للسياسة ديناميكية غير متوقعة خاصة بها من الارتباط والمعارضة.

المنظومة السياسية في إسرائيل مهشمة تماماً. غالبية المصوتين الذين ليسوا متدينين ارثوذوكسيين، متدينين أو عرب يشعرون بعدم راحة حيال الأحزاب التي يصوتون لها. لهذا، فكل شي متحرك، والمنظومة السياسية معتمدة على الكبح بسبب القبلية التي ينطوي عليها تقسيم اليمين\يسار الذي يخبئ في كنفه أسئلة طبقية، ثقافية ودينية ويحول دون البت بشكل موضوعي في أية مسألة. “اليسار” يمثل بالطبع العلمانية، الطبقة العليا نسبياً والاشكنازية، وهو ما يفرغ المصطلح من مضمونه الاشتراكي-الديمقراطي ويفسح المجال أمام بعض رجال اليمين الاقتصادي وحتى السياسي لأن يعدوا أنفسهم على “اليسار” أو على ما يسمى اليوم “كتلة اليسار-وسط”.

اذا ما ذهب هذين القياديين إلى التعاون لإحداث انقلاب في الحزب والدولة، سيكون ذلك تجديداً بحق. لأن التمييز بحق الشرقيين حتى الآن، بحجة الحذر من افاقة “الشبح الطائفي”، تجسد أيضاً في الحول دون امكانية قيام أي شرقيين بالعمل معاً.

وعليه، فالتجديد الهام في نتائج الانتخابات الداخلية لحزب “العمل” هو انتخاب قياديين من أصول مغربية يحملان أجندة اشتراكية-ديمقراطية (من هذا النوع أو ذك، موثوق بها أم لا). الاثنان لا يمثلان فقط مواقف مختلفة انما أيضاً مساقاً مختلفاً من القيادة الشرقية والخلفية الاقتصادية-الاجتماعية. بأواخر سنوات الثمانينات أجريت بحثاً حول النشطاء الجماهيريين في الحكم المحلي في اطار معهد القدس لدراسة إسرائيل. كان الهدف فحص قدرة النشطاء الشرقيين على التقدم مقارنةً بالأشكنازيين. النتيجة كانت بأن هناك مساقين للتقدم من ناحية الشرقيين: الشرقيين الذين يأتون من الضواحي (من طبقة شرقية متدنية)، وفي المقابل، الشرقيين الذين ترقوا اجتماعياً (من الطبقة الوسطى). الاوائل كانوا بمعظمهم من أصول شمال أفريقية وبدؤوا طريقهم كقادة على مستوى الحكم المحلي وتم استيعاب غالبيتهم العظمي في حزب “الليكود”. أما الآخرون فتقدموا أولاً بالقطاع العام- في الجيش، نقابة العمال “الهستدروت”، موظفي دولة- وانحدروا بمعظمهم من دول آسيا وتم استيعابهم بالأساس في حزب “العمل”. أمثلة على المجموعة الاولى: دافيد ليفي، مئير شطريت وموشيه كتساف، وعلى المجموعة الثانية: فوأد بن اليعزر، يسرائيل كيسار وموشيه كاحل.

ادعيت في تحليل النتائج بأن التمثيل المنقوص للشرقيين في الكنيست والحكومة نبع بالدرجة الأولى عن كبح تقدمهم في “الليكود” بالذات حيث تشكل هناك ما يشبه “عنق الزجاجة”. الشرقيون في حزب العمل شكلوا حوالي الربع إلى الثلث في كافة مستويات الهرمية الحزبية، ابتداءاً من المصوتين وأعضاء الهيئة العامة ووصولاً إلى الكنيست والحكومة. أما في “الليكود” فوصلت نسبتهم من ضمن المصوتين والهيئة العامة حوالي 70% ولكنها تقلصت بشكل كبير في الكنيست والحكومة- لدرجة أن تمثيلهم كان أصغر مما هو عليه في “العمل”. من أكثر الحالات التي جسدت كبح القيادة الشرقية بشكل واضح كانت بالطبع النضال الذي خاضه دافيد ليفي مقابل القيادة الأشكنازية التي قامت بإقصائه. وقد أفسح “عنق القنينة” هذا في “الليكود” المجال أمام نمو حزب “شاس” الذي اسس قبل ذلك ببضعة سنوات فقط ولكن كان بمثابة إحتجاج ضد تمييز الشرقيين في “المفدال” و”اغودات اسرائيل”.

ماذا نتعلم من ذلك عن النضال الحالي داخل حزب “العمل”؟ الصراع ليس بين “الجدد” وبين المؤسسة القديمة كما يروج مؤيدو جباي إنما بين مجموعتين مختلفتين من الشرقيين هناك فروق فيما بينها من ناحية طبقية ومن ناحية مساق تقدمها. هذه الخلفية المختلفة تولد نظرات، مواقف والتزامات مختلفة تتجسد في الموقف “الاشتراكي الديمقراطي” الناعم الذي يمثله جباي، موظف في المالية ومدير “بيزك” في الماضي، مقابل بيرتس، رئيس بلدية “سديروت” ورئيس “الهستدروت”. المنافسة ستكون شديدة: جزء من المصوتين سيذهبون مع بيرتس لأنه يتحدث بلغة الحزب ونمى في داخله، وجزء آخر منهم سيذهبون مع جباي لكونه “معتدلاً ومسؤولاً”- أي “مشكنز”. في كلاهما شيء “منا” وشيء “غريب” أيضاً. التجديد في كون الاثنان انتقلا للمرحلة الثانية، وبالأساس بأنه لن تكون هناك موجة من الأعضاء الذين يغادرون صفوف الحزب كما حدث بعد انتصار بيرتس على بيرس عام 2005. لكن الاستعداد للذهاب خلف مغربي من هذا النوع او ذك ليس كافياً- فلتغيير هذا الحزب وصورته بشكل شامل هناك حاجة لأكثر من ذلك.

من المثير أيضاً بأن نرى ماذا ستكون الديناميكية التي ستتشكل بعد عملية الحسم بين القائدين: هل ستستمر المنافسة فيما بينهما، كما كان متبعاً بالماضي، أم سيكون هناك تجديد واستعداد للعمل المشترك؟ هل سيتعاونان لكي يغيرا حزب “العمل” من أساسه ويبنيا كتلة مانعة لنتنياهو أم أن المهزوم سيتقاعد الى بيته، ينتقل إلى حزب آخر ويحاول التخريب على المنتصر؟ اذا ما ذهب هذين القياديين إلى التعاون لإحداث انقلاب في الحزب والدولة، سيكون ذلك تجديداً بحق. لأن التمييز بحق الشرقيين حتى الآن، بحجة الحذر من افاقة “الشبح الطائفي”، تجسد أيضاً في الحول دون امكانية قيام أي شرقيين بالعمل معاً. اذا ما تعاون هذين لمجابهة نتنياهو، من المحتمل بأن يكون الهجوم على هويتهما الشرقية مضاعفاً- ولكنه سيولد ديناميكية تثير نقاشاً حول هذه المسألة.

سأنهي بقصة أخرى من الماضي. عام 98 عندما حاول شلومو بن عامي التنافس على رئاسة الحزب مقابل ايهود براك، اقترحت عليه بأن يتعاون مع عمير بيرتس الذي كان سكرتير “الهمستدروت” في حينه. وهو التعاون الذي يشبه هذا الذي أتحدث عنه هنا، بين الشرقي الذي ترقى والذي يأتي من الضواحي. الخطاب الشرقي في تلك الفترة كان في صعود بتأثير حزب “شاس”، والجميع بحث عن قادة شرقيين يزين فيهم قائمة مرشحيه. حزب الوسط اختار ايتسيك مردخاي أما براك فأحضر ليفي إلى “العمل”. بن عامي تجرأ على الترشح وتحدي المرشح المفهوم ضمناً: قائد القوات العامة ابن النخب. إلا أن بن عامي رفض اقتراحي للتعاون مع بيرتس. هذان السياسيان المجربان أدركا جيداً بأنه في اللحظة التي سيجتمعان فيها سيثور الشبح الطائفي بكامل قوته- وهذا بالطبع أشكنازي ويستفيق للجم تصاعد قوة الشرقيين- ليسقط الشرعية عن كلاهما.

كل شيء منوط بالسياق. بن عامي وبيرتس، بتقديري، كانا على حق في امتناعهم عن اثاره الشبح الطائفي: فإذا ما اجتمعا في حينه لتم اغتيالهما سياسياً. السؤال الذي يطرح الآن هو هل الخطاب الشرقي قوي وموحد بما فيه الكفاية ليس فقط لدرجة انتخاب مغربيين كمرشحين لرئاسة حزب “العمل” انما أيضاً لدرجة مساندة اللتعاون بين بيرتس وجباي أيضاً بعد ذلك؟ من الواضح في هذه الحالة بأنه سيتم التهجم عليهم واتهامهم ب”محاولة سيطرة شرقية”. ولكن اذا ما كانت لدى كلاهما الجرأة القيادية لتولي دفة القيادة معاً فستكون هذه بشرى صاخبة قادرة على تفكيك البنية الطائفية لسياسة اليسار\يمين القبلية. حتماً سيكون ذلك مثيراً للاهتمام.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.