الأصلانيين، المعمرين واللغة العربية

إلى متى يبقى الجمهور اليهودي على جهله اللغوي ويحصل على معلوماته حول ما يجري في بيئته بوساطة مختصين للشؤون الأمنية عادة ما يكونوا جاهلين أقل بقليل فقط من الجمهور نفسه بالشؤون التي يدعون بأنهم يحللونها؟ بعض الخواطر في أعقاب يوم اللغة العربية بالكنيست.
ميخال هرماتي

 

في يوم الثلاثاء الماضي بادر عضو الكنيست يوسف جبارين إلى تنظيم يوم اللغة العربية في الكنيست للمرة الثانية، ولسوء الحظ جاء هذا اليوم بالتزامن مع صيام السابع عشر من تموز (بحسب التقويم العبري). ولكن حتى عندما خلت هيئة الكنيست من النواب تقريباً، غصت القاعات التي خصصت لهذا اليوم بنساء ورجال المجتمع المدني، وتمت مباشرة العمل حتى على مبادرة تشريعية تنص على تدريس العربية في المدارس اليهودية بجيل صغير. خطونا ربع خطوة أخرى بالاتجاه الصحيح.

بالإضافة إلى النقاش الذي جرى في هيئة الكنيست بنهاية اليوم، تم تنظيم مؤتمر شارك فيه أعضاء كنيست، باحثين ومندوبين عن المجتمع المدني، حيث تجرأ ثلاثة من المتحدثين اليهود والقوا كلماتهم بالعربية أمام قاعة مليئة بالشخصيات الفلسطينية. لجان الكنيست المختلفة ناقشت مشكلة موصولية الجمهور الإسرائيلي للمجتمع الفلسطيني في إسرائيل- لجنة حقوق الطفل، لجنة العمل والرفاه والصحة، لجنة محاربة المخدرات والكحول واللجنة الفرعية للمواصلات العامة. فقط لجنة التربية والثقافة برئاسة النائب يعقوب مرجي من حزب “شاس” تداولت الاتجاه العكسي لإتاحة المعرفة: تدريس اللغة العربية بالمدارس اليهودية. يجدر بنا أن نتوقف عند هذا النقاش كما يليق بمقال يكتب بالعبرية.

لماذا تواظب حكومات إسرائيل المتعاقبة على ابقاء الجمهور اليهودي المتنور ورفيع الثقافة على جهله العميق هذا بحيث يبقى أقلية خائفة في الشرق الأوسط دون أي أدنى فكرة حول ما يجري حوله في الحي الاقليمي أو حتى داخل دولته

كما في المؤتمر الذي عقد في القاعة المركزية، أيضاً في لجنة التربية شارك المتحدثون اليهود قصص شخصية حول المشاعر الشرقية الممزقة التي عايشوها في بيوت أجدادهم وجداتهم (اليهود القادمين من الدول العربية)، المحاولات العرجاء لتعلم اللغة وزيارة القرى المجاورة لأكل الحمص. المتحدثون العرب أيضاً أعطوا مساحة للعاطفة عندما تطرقوا لفقدان اليهود الشرقيين للغة، العصر الذهبي العربي بفترة الأندلس وكذلك تجربة الحياة التي تتطلب الترجمة المستمرة لمجتمع الأغلبية الجاهل.

عدا عن هذه الحقيقة التي تثير فضولي منذ سنوات، والتي تتلخص في أن أي حديث عن تعلم العربية يثير حنين إلى الماضي وردود فعل عاطفية ومركبة شتى، ماذا يمكننا أن نتعلم من هذا اليوم بخصوص سؤال المليون: لماذا لا يوجد هناك تعليم الزامي للغة العربية بشكل شامل في المدارس اليهودية، منذ جيل صغير وحتى البجروت (الامتحانات النهائية)، للغة المحكية والفصحى، بما يمكن كل خريجي نظام التربية الإسرائيلي من معرفة العربية بمستوى معقول؟ لماذا تواظب حكومات إسرائيل المتعاقبة على ابقاء الجمهور اليهودي المتنور ورفيع الثقافة على جهله العميق هذا بحيث يبقى أقلية خائفة في الشرق الأوسط دون أي أدنى فكرة حول ما يجري حوله في الحي الاقليمي أو حتى داخل دولته: جمهور يحصل على معلوماته حول ما يجري في بيئته بالأساس بوساطة مختصين للشؤون الأمنية عادة ما يكونوا جاهلين بدرجة أقل بقليل فقط من الجمهور نفسه في الشؤون التي يدعون بأنهم يحللونها؟

اذا ما وضعنا جانباً الأجوبة المفهومة ضمناً، والتي تأخذ مناحي سياسية مثل قانون القومية الذي ينتقل من قراءة إلى قراءة بالكنيست، وأخذنا بعين الاعتبار بأن أعضاء كنيست مثل عنات بركو واورن حازن يبدون اهتماماً في دعم المبادرة التشريعية لتدريس العربية بجيل صغير، يبدو بأن علينا أن نوجه أنظارنا إلى وزارة التربية.

وزارة التربية تعارض عملياً أي عملية تشريع قد تتدخل في اسقلاليتها البيداغوجية. مثل بقية الوزارات المركبة بنهاية المطاف من موظفين، تؤدي الوزارة مهماتها بأقل جهد ممكن، ولا يعني ذلك بأن موظفيها ليسوا عمالاً مخلصين وجيدين. فلم يتم تثبيت أي مجال معرفي بالتربية بعمليات التشريع ولا يوجد سبب يجعل وزارة التربية تقلب المفاهيم لكي تقلب جلدة موضوع العربية بشكل شامل وكبير وتضع لنفسها أهدافاً ذات رؤيا بعيدة المدى.

مبدأ الثبات الذي سيتحقق اذا ما تم ترسيخ تعلم العربية بواسطة التشريع واضح: الأمر غير الواضح بنفس الدرجة هو السبب الذي تستحق العربية بفضله خطوة خاصة من هذا النوع: ادعاء الاحتياجات الأمنية لم يطرح في هذا اليوم ولكن كانت هناك ادعاءات، كاذبة وصادقة، حول التعايش والسلام. هل بالإمكان استخراج السياسة من اللغة والنظر اليها كوسيلة اتصال صافية كما ادعى النائب حاييم يلين (“المعسكر الصهيوني”)؟ هل السبب لتثبيت تعلم العربية بالقانون يأتي لمعالجة السكتزوفرينيا التي يعاني منها المستعمرون الذين عادوا لوطنهم كما رمزت النائب حنين زعبي التي قالت أيضاً بأن المسألة من ناحية اليهود تتعلق بتطوير علاقة عادية وطبيعية مع هذه المنطقة من خلال معرفة والتعرف على التاريخ الذي يمتد لآلاف السنين، التاريخ الذي سعت الصهيونية حتى الآن لأن تجعله في طي النسيان؟

معرفة اللغة العربية لا تشكل جسراً إلى السلام ولا حتى للتعايش، فقط الاعتراف والعدالة بإمكانها أن تقرب بين قلوب الشعوب. صحيح بأن التواصل بين الناس متعلق باللغة ولكن كذلك بملايين الفروق الدقيقة المطلوبة بالسلوكيات اليومية لكي يستطيع الناس بناء ثقة وتقدير متبادل. من يهدف طموحه السياسي إلى الحد من الغطرسة الفوقية لليهود يجب أن يعرف بأن معرفة العربية ليست بالضرورة خطوة هامة بهذا الاتجاه. من جهة أخرى، فإن تشريع قانون يلزم تدريس اللغة العربية من جيل صغير وحتى البجروت هو خطوة هناك اجماع غير ضيق عليها بأنها “جيدة لليهود”.

ولكن لا يمكننا أن نضمن بأن تنتج هذه الخطوة الحليب والعسل اللاصق الذي وعدونا به هنا بينما يبدو من المؤكد بأنه اذا ما قامت حكومة اليمين بتمرير هذه الخطوة فسوف يتم استخدامها كختم مشكوك بأمره يصادق على الميول الليبرالية والديمقراطية لأكثر السياسيين عنصرية. بنظرة مباشرة وطويلة الأمد للواقع التعيس لهذا الحيز الممتد من النهر إلى البحر، يبدو بأنه لا يمكن أن تحدث هنا أية ثورة أو عملية تفكيك للاستعمار دون أن تعود ليد مواطني إسرائيل اليهود القوة للإطلاع بأنفسهم على الحاصل بالسياسة الاقليمية. لا يمكن أن تحدث أي ثورة دون أن ينتشر بيننا التواضع لألا نعرف دائماً كل شيء وبأفضل درجة، ولا دون أن تكون هناك امكانية واسعة للتعاون الافقي بين العبرانيين والعرب.

طالبة دكتوراة في السوسيولوجيا بجامعة اقليم الباسك وناشطة سياسية في القدس.

 

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.