العودة إلى الروتين ليست مطلب الساعة

المعسكر الذي يؤيد الوضع القائم يعمل جاهداً على اعادة العجلة إلى ما كانت عليه قبل أسبوع ولكن هذا الخطاب “المسؤول” الذي يطالب بتهدئة الأرواح هو نفس الخطاب الذي أوصلنا إلى الوضع الكارثي الذي نتواجد به اليوم. ما دام هناك احتلال ممنوع بأن تهدئ الأرواح!
عبد أبو شحادة

 

عندما يتم تحليل الأحداث التاريخية تكون هناك ميول للإشارة إلى حدث واحد أدى إلى تغيير الوضع القائم. هكذا، قبل حوالي الأسبوع، نجح ثلاثة شبان من أم الفحم في زعزعة الوضع القائم في مسجد الأقصى بشكل خاص وفي واقع الاحتلال بشكل عام. إسرائيل، من جهتها، نظرت إلى العملية التي وقعت في البلدة القديمة والتي قتل جرائها الشرطيين الدروز كفرصة لتحاول حظها وتموضع نفسها كصاحبة السيادة المطلقة في القدس والحرم الشريف. في أقل من أسبوع شبت الاحتجاجات بفضل موقف رجال الوقف الواضح والصريح وهم الذين عارضوا نصب البوابات الالكترونية وطالبوا المصلين حتى بألا يدخلوا إلى المسجد طالما بقيت هذه البوابات بمكانها. الاحتجاجات اشتدت في القدس ووصلت أوجها مساء أمس بعد صلاة الجمعة عندما وقع محمد شرف، ابن ال-18، قتيلاً رمياً بالرصاص في حي راس العامود بشرقي القدس، كما قتل كذلك محمد حسن أبو غنام، ابن ال-19، في حي الطور، ومحمد لافي في أبو ديس. هذه الليلة استمرت بالنزيف بعد أن قتل ثلاثة مستوطنين بعملية الطعن في مستوطنة “حلميش”.

الشبان الثلاثة من أم الفحم نجحوا في زعزعة الشرق الأوسط والتشكيك في صحة التفاهمات السياسية والاجتماعية القائمة في المجتمع الفلسطيني والعالم العربي والإسلامي عامةً: عشرات الآلاف تظاهروا ضد إسرائيل في عمان واسطنبول، نواب برلمان أردنيون مارسوا الضغوطات على الملك عبد الله لكي يطرد السفير الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية جمدت علاقاتها مع إسرائيل. مع ذلك، فقد أبرزت هذه الأحداث الخلافات والمعسكرات المختلفة المتواجدة وسط الجمهور الفلسطيني- من جهة، المعسكر الذي يؤيد الوضع القائم ويعمل جاهداً على اعادة العجلة إلى ما كانت عليه قبل أسبوع، وفي المقابل، المعسكر الذي ينظر إلى الأحداث الأخيرة كفرصة لزعزعة الاحتلال الإسرائيلي بكل طبقاته.

هناك من سيدعون بأن المطالبة بالعودة إلى الوضع القائم هي مطالبة مسؤولة لأناس بالغين وبأن الشباب لا يفهمون. قد يكون الجيل يلعب دوراً ولكن حتى في حال كان ذلك صحيحاً- حان الوقت لأن يأخد “الجيل المسؤول” المسؤولية عن اخفاقاته، فالخطاب المسؤول الذي يطالب بتهدئة الأرواح هو نفس الخطاب الذي أوصلنا للوضع الكارثي الذي نتواجد به.

من الجدير ربما بأن نوضح ما القصد بمصطلح الوضع القائم: فعلى حد علمي، الاحتلال الإسرائيلي كان قائماً أيضاً قبل أسبوع، الجنود الإسرائيليون امتثلوا على بوابات المسجد الأقصى، غزة كانت تحت الحصار وبلا كهرباء، بيوت الفلسطينيين هدمت وكأن ذلك شيئاً اعتيادياً، المستوطنات استمرت بالتوسع، لم يتم الاعتراف بحق العودة والفلسطينيون داخل الخط الأخضر عانوا من حكم عنصري يميز ضدهم. بما يعني بأن المظاهرات التي تجري الآن في القدس مرتبطة بمسائل كثيرة وليس فقط بالوضع الحالي في المسجد الأقصى (رغم كونه المحرك الرئيسي لأهميته الدينية). القرار الجريء الذي اتخذه رجال الوقف للمعارضة يعلمنا بأن الشباب الفلسطينيون مستعدون للوقوف خلف القيادات الجريئة. اذا ما قبلنا هذا التعريف للوضع القائم بإمكاننا أن نفهم لماذا ذهب محمد بركة، رئيس لجنة المتابعة العليا (لشؤون المواطنين العرب)، لتعزية أهالي الشرطي والجندي الذين شاركوا في تكريس الاحتلال بالقدس، أي بدل أن يشجب ظاهرة العرب الذين يتجندون (لقوات الأمن) ويقمعون شعبه، قام بمنح الشرعية لخدمة العرب في الجيش وفضل اتهام الضحية- اتهام من يعارضون الاحتلال.

محاولة الحفاظ على الوضع القائم تقف من وراء الطموح للعودة إلى الواقع الذي كان قبل أسبوع الذي قبلنا في إطاره حقيقة وجود عرب يتجندون للخدمة العسكرية كأمر مفروغ منه، تماماً مثلما كان أشد رد فعل من طرف أبو مازن بأن يعلن عن تجميد العلاقات مع إسرائيل ولكن عندما سأل مصدر فلسطيني حول ذلك قال بأنه “في حال وجود حالة أمنية طارئة غير اعتيادية سيستمر الحوار مع الطرف الإسرائيلي كما كان متبعاً بالماضي. لا يوجد قطع تام للتنسيق”. في المقابل، يدل تطور الأحداث على أن الشعب الفلسطيني بطبيعته يعارض الوضع القائم، والسؤال الآن ليس فقط حول البوابات الالكترونية- بل أن الحراك الحالي يتحدى التفاهمات التي كانت مقبولة ومفهومة ضمناً، ولهذا فقد طرد محمد بركة من جنازة الشباب في أم الفحم على خلفية الامور التي أدلى بها في بيوت الجنود القتلى. كما عمم بيان مشترك للصحافة بإسم رائد صلاح وجمال زحالقة وطاهر سيف استنكروا فيه قرار بركة المشاركة في عزاء الجنود. ذلك اضافة إلى مطالبة نشطاء فلسطينيون داخل الخط الأخضر بأن تعتذر لجنة المتابعة على زيارته.أما في احتجاجات القدس فقد أطلقت شعارات واضحة ضد أبو مازن الذي أصبح قائداً بلا شرعية من الشارع الفلسطيني.

هناك من سيدعون بأن الخلاف هو بين الأجيال المختلفة، وبأن المطالبة بالعودة إلى الوضع القائم هي مطالبة مسؤولة لأناس بالغين وبأن الشباب لا يفهمون. قد يكون الجيل يلعب دوراً ولكن حتى في حال كان ذلك صحيحاً- حان الوقت لأن يأخد “الجيل المسؤول” المسؤولية عن اخفاقاته، فالخطاب المسؤول الذي يطالب بتهدئة الأرواح هو نفس الخطاب الذي أوصلنا للوضع الكارثي الذي نتواجد به. الوضع القائم، بنظري، هو الوضع الذي يجب أن نحاربه، نشجبه ونغيره لا أن نحلم بالعودة اليه. الشعب الذي يختار بأن يحيى حراً يفهم بأنه لا وجود للاحتلال المتنور وبأن المطالبة بأن نكون أحراراً هي ليست إلا المطالبة بأن نكون بشراً. قادة الشعب الحر هم هؤلاء المستعدون للمعارضة والوقوف بالصف الاول ضد القمع وليس من يتوسطون ويحاولون تهدئة الأرواح- فما دام هناك احتلال ممنوع بأن تهدئ الأرواح!

التعليقات

 

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.